
لوحات عيسى حلوم في "غاليري آرت أون 56": عشقٌ جامحٌ بين سعادة اللون وحسن التأليف
December 5, 2021
المصدر:
النهار
لوحات #عيسى حلوم التي تعرضها له "غاليري آرت أون 56"، الجميزة، ابتداء من 26 الجاري، تجسّد مشاهد ولقطات ولحظات من حياة الطبيعة والناس، تمثّل بقوامها التشكيليّ، الهندسيّ واللونيّ، وبحسن بنائها وتأليفها، دعوة عميقة إلى ولوج فضاءات الانسجام البصريّ والنفسيّ، وإشهار الانخراط فيها، وفق رؤيةٍ لونيّةٍ نورانيّة مضادّة للخيبات الوجوديّة والاجتماعيّة المتراكمة.

يقف الناظر أمام جمع من أناس، كبار وصغار، يستجمّون عند شاطئ بحر، على مقربة منهم خيم وألعاب طفولية وطائرات ورقية، وإلى البعيد أفق وغيم. ثم يبحر هذا الناظر أمام بحر أزرق، تعلوه غيوم بيضاء، وترتمي على رمله مراكب زاهية صغيرة، ليتأمل من ثمّ في لوحة ثالثة جملة عصافير جاثمة على كومة عيدان وأغصان مقطوعة، وما يظنّ أنه مشهد يطلّ على روابٍ وجبال. لينتقل إلى لوحة تحتفي بمشهد تأليفيّ، حيث شارع وبيوت وأشكال وأبنية، ترتمي جميعها على سطوح وفي مساحاتٍ تزاوج بين الانطباعيّة والانطباعيّة الجديدة والتعبيريّة، المتحرّرة من الارتباك والفوضى و(العذاب) و"الملغصة".

أعتقد أنّ الشرح الآنف، قد يمنح القارئ فكرة ما عن "المواضيع" التي تنشغل بها لوحة عيسى حلّوم، انشغالًا ينمّ عن فهمٍ رهيف لكيفيّات البناء وبسط المساحات، وعن اجتهادٍ ذكيّ لتشييد التفاصيل وتنميتها، لتكون في خدمة التأليف العامّ. هذا ليس انشغالًا بسيطًا أو مبسّطًا في عمليّة إنتاج اللوحة ال#فنّيّة، بل هو نتيجة عملٍ جدّيّ، اختباريٍّ تجريبيّ دؤوب، وخلاصة تمرينٍ يؤالف بين الشكل واللون، بما يجعله يفضي إلى تكوين خصوصيّةٍ تشكيليّة متمكّنة، قوامها هذا المشهد الهنيء الطيّب (السعيد!) الأليف، الذي يرنّ صداه في عوالم التأمّل، ويخلق تعزيةً قلبيّة ليس متوافرة في الواقع المعيش، من دون أن تكون في غربةٍ عنه.

ليست مشاهدنا ومناظرنا كلّها مأسويّة، ويجب ألّا تكون هكذا، ما دام الفنّان قادرًا على تجسيد حالٍ من "الهناء" و"الطمأنينة"، من دون الوقوع في التبسيطيّة "الفردوسيّة". فما يعرضه علينا عيسى حلّوم هو هذا المشهد اللطيف العفويّ الانطباعيّ الجماليّ الشاعريّ الذي يعبّر عن برهةٍ في العيش، وعن مساحةٍ في المكان، ينبغي صونهما، وإنْ بفرشاة الرسم التي تنحاز إلى مساحاتٍ وألوانٍ أقلّ ما يقال فيها إنّها تعويضٌ فنّيّ عن عيدٍ لا يزال بعيد المنال.

إذا استمرّ الفنّان يبحث في لوحته عن "اختراقٍ" إضافيٍّ ما، فسيجده لا محالة، لونًا وبناءً وتأليفًا وأسلوبًا في المعالجة. بعض لوحات المعرض تشي بمثل هذا الاختراق. ليس عليه سوى أن يواصل اختباراته هذه طحنًا لليأس والإحباط والسوداويّة، وقهرًا للموت، وحاملي لوائه، واحتفاءً – لِمَ لا - باللون الأصفر المدوِّخ.
المصدر: "النهار"
عقل العويط
Posted byTony Ghantous✍️
.jpg&w=3840&q=75)


