تخطي إلى المحتوى

Thursday, 29 October 2026

مونتريال --°

بيروت --°

عاجل

سقوط الحضارة العالمية بين الكفير وواشنطن

October 22, 2017

المصدر:

الدكتور نسيم الخوري

ما الفرق بين قرية الكفير في جنوبي لبنان  وواشنطن في الولايات المتّحدة الأميركية؟ سؤآ ل رمزي مقصود ومعولم قد يستفز لكنه يخبرنا الكثير من التحوّلات التي لا يستوعبها العقل البشري.

كيف؟ 

بصرف النظر عن التوظيف المعاصر والشائع والمغرض للدين والتعصّب والتخريب المادي والفكري وعلى المستويين العقائدي والسياسي بين دولةٍ وأخرى، يمكننا أن نطرح السؤآل أيضاً:

 ما هو الفرق اليوم بين إنسانٍ وآخر مغربياً خليجياً لبنانياً أو عربياً كان أو أوروبيّاً أو آسيوياً أو كنديّاً أو أميركياً وإلى أي  بلدٍ إنتمى؟  أطرح هذا السؤآل وفيه شيء من التحدّي لنفسي أوّلاً كما للعديد من الكتّاب والمفكرين والإعلاميين في العالم الذين  يجلدون أنفسهم وأوطانهم وثقافاتهم الى درجة تكاد تشعرك وكأنّ النقائص باتت ملازمة للأحكام والآراء الخجولة   بثقافاتها.

قبل الإجابة المبدئيّة على السؤآل، أطرح سؤآلاً ثانياً ؟ ملذا تعني لكم كلمة حضارة؟ لا شيء على الأرجح!!!!

من يرشدني اليوم الى الحضارة أو معناها أو هويتها أو الدولة التي تختصر الحضارة؟  ألا يحقّ لنا القول بأنّ هذا المفهوم صار وهماً بالمعنى التقليدي؟ هذا سؤآل يأخذنا الى التفكير المباشر مثلاً بالحضارة الهندية القديمة والهيلينيّة (التسمية التي أفضّلها على الإغريقية) أو الرومانية أو البيزنطية أو الأوروبية؟ أين هي الحضارة المسيحية وماذا يحصل اليوم من دكّ بقايا الحضارة العربيّة وتشويهها شرقاً وغرباً ؟ نحن، في الواقع، لا نفترق كثيراً عن هؤلاء إلاّ في ميادين الثقافة وأسوقها هنا بمعناها الفرنسي أي بطرائق المأكل والملبس والنوم وأساليب الحياة الإجتماعية التي قد تفترق بالشكل بين الشرق والغرب بشكلِ عام.

 لو أخذنا الموضة، مثلاً، فإنّنا نتمتّع بكلّ طبقاتنا الإجتماعية بلباس الشرق والغرب وثقافته وفقاً للزمان والمكان والإمكان. نحن بمدننا وثقافاتنا لسنا خارج العصر. تلك هي عظمة الظاهرة التي يتساوى فيها الصناعيون بالمستهلكين في الأسواق. تشتري غرضاً بمليون وتشتري تقليده بفرنك.أحياناً الفرنك أهم من المليون في حركة البيع والشراء. يلهث الصانع مهما كان كبيراً خلف المستهلكين. الأغنياء أوالمستهلكون الكبار فرضوا على مصانع العالم ومبتكريه ما صار يعرف بالصناعات الخاضعة لأذواقهم وأمزجتهم وأقيستهم أو ما يعرف ب"الصناعة على القياس Sur mesure . فستان لم يرتديه ولن يرتديه أحد غيرها. سيارة أو طيّارة لي وحدي. هي لعبة تحوّلات الحضارة التي لم يعد مسموحاً القول بأنّنا نخلطها بالثقافة كما يخلطون الدبس بالطحينة. الأفضل التفكير بإختلاط الثقافة بالحضارة الى حدود ذوبان الحضارة في مياه المجتمعات البشرية.

لنقل ببساطة أنّ عصر العولمة والإلكترونيات والشهرة والتواصل يفرز،إذن، ظاهرة غياب الحضارات وموتها إذ هي تنسحب تاركةً مقاعدها العالية وبريقها العريق للثقافات المتنوّعة مهما كانت غريبة أو ضحلة أو بعيدة فهي مرغوبة اليوم ويمكن متابعتها من شعوب العالم. وتوخيّاً للموضوعية نفترض بأنّ الفروقات تذوب بسرعة هائلة بين المجتمعات التي تتصالح مع التكنولوجيا السهلة الى درجة منح الإنسان المعاصر ملامح ثقافة المجتمع الرقميّ العالمي الذي لم يتبلور بعد .

يعني المجتمع الرقمي مجتمع التكنولوجيا الذي يمكن وضعه الى جانب الهواء والماء والغذاء حيث الرموز والأرقام والصوت والنص والصور المكتوبة والمنطوقة والتواصل العالمي الوهمي الجميل المحكوم بالصدفة والعشوائية والمشاعية وقتل الزمان. ويشغل حركة هذه المجتمعات الناس المزوّدين بقدرات وطاقات إتّصالية من دون أن يكونوا أصحاب إختصاص أو كفاءة. تكفي معظمهم الخبرة السهلة الإكتساب.

كنت تذهب الى باريس أو لندن أو أي بلدٍ غربي فينتابك شعور بالدونية أحياناً والإشفاق أحياناً أخرى على البؤس الذي خلّفته الحياة في تلك المدن الزاهية العظيمة و"المتوحشة" التي لا تنام ولا تهدأ. هذه المدن عينها اليوم المأهولة بخليطٍ هائل من جنسيات الأرض الراكضين في أنفاق المترو والساحات وراء لقمة الأكل والإكتفاء البسيط، سحبت معظم قاطنيها بشكلٍ هائلٍ الى نوعٍ جديد من الركض نحو الإتّصال بالآخر سواء أكان من جنسه أم لا تحدوهم الرغبات  الرقمية نحو الشاشات الصغيرة. يبدو الإنسان متلهّفاً للإنتساب الى هذا اللحاء البشري المرعب خصوصاً وأنّه إنتساب يعني في أقصى ما يعنيه أنّه موصول بالبشرية صامتاً أو هامساً أو مهدّداً أو مفجّراً يسمع صداه أو صدى الآخر.

أمس، كان الإنسان الرقمي أو الإنترنتّي أميركياً في سلوكه وملامحه قبل عقدين، وكنّا نراه في تجمعات محددة واضحة في عواصم العالم، لكنّه صار اليوم عالميّاً يحمل هويّة متحرّكة يجوب حاملها العالم قبل يبلغ الخامسة والعشرين مستهلكاً في عقدٍ واحد ما تحتضنه "الفاست فود" أي الوجبة السريعة بالماكدونالدية والشاشات العملاقة والتلويح بالأيدي الى فوق مرتدياً الجينز الممزّق ويدير أعماله بين عواصم العالم بالقمصان  التي لا ياقة لها تيمّناً بأغنى البشر مثل "بيل غيت صاحب مايكروسوفت  أو مارك زوكربيرغ مخترع الفايسبوك وغيرهما كثيرون.

في ضوء ما تقدّم، تنقشع الظلمات، وتنكشف مواقع الجماعات والشعوب بين من هو مسترخٍ على ضفاف الأرض ومن يسابق الشمس التي باتت وكأنّها لا تغرب عن الأرض على الإطلاق بالمعنى التواصلي والإبتكاري التحديثي في مختلف المجالات. نشير هنا الى التحوّلات الهائلة التواصلية وأجهزة الإتصال الشبابيّة التي لا حدود لبراعتها وإبداعاتها وأجيالها في إختصار الرقعة الأرضيّة ملعباً للأجيال الجديدة في الأرض التي تميل الى حمل الهويّات المائعة.

من وكيف نحدّد دوائر  الإنتاج والإستهلاك ومواطنها في عصر إختلاط الأجناس البشرية المتقاربة في أفكار التكنولوجيا وأجيالها المتكاثرة؟

أطرح هذه الأسئلة للتفكير والتجديد على إعتبار أنّ التجديد هو إضافة إلى القديم على الأقل، وأتصوّر بأنّ الأفكار والنظريات والعقائد والأديان، لعبت وتلعب دورها سلباً و"إيجابا"، وعلى مدى العصور، في ترابط متين مع التلاقي والتعارف والتبادل في أساليب العيش والحضارة التي تذوب في خليطٍ عالمي من الثقافات التي تتحوّل، ونحن في صلبها، الى معرض ثقافات عالمية ستشغل الأزمنة الآتية والشعوب في ملعبٍ واحد إسمع الأرض.

 

 

Posted by✍️

للمشاركة :
Voyages Galleon
Style auto