
سببها قيادة النّاتو... بايدن يواجه اتّهامات بريطانيّة عنيفة
July 6, 2023
المصدر:
"النهار العربي" جورج عيسى
أمطرت وسائل إعلاميّة بريطانيّة الرئيس الأميركيّ جو بايدن بانتقادات يمكن وصفها بالأعنف منذ قراره المفاجئ بالانسحاب من أفغانستان. سبب ذلك ما يُزعم بأنّه رفض أميركيّ لتولّي وزير الدفاع البريطانيّ بن والاس الأمانة العامّة لحلف شمال الأطلسيّ (ناتو). والاس نفسه قال في مقابلة مع مجلّة "إيكونوميست" في 21 حزيران (يونيو) إنّ الموافقة على تعيينه لن تتمّ مشيراً إلى أنّ واشنطن تفضّل بقاء الأمين العام الحاليّ النرويجيّ ينس ستولتنبرغ في منصبه.
"تصدّعات"
قوبل هذا الاختلاف في وجهات النظر بارتياح من خصوم الحلف. صحيفة "غلوبال تايمز" الصينيّة وصفت تمديد ولاية ستولتنبرغ بأنّه "يظهر تصدّعات الكتلة من الداخل" كاتبةً أنّ الأخير أرضى واشنطن في ما خصّ الموقف من الصين. ففي القمّة الماضية التي استضافتها إسبانيا، حدّد الناتو الصين على أنّها "تحدٍّ منهجيّ للأمن الأورو-أطلسيّ".

(ينس ستولتنبرغ - أب)
فيما لوالاس وحكومته مواقف حذرة من الصين، يبدو أنّ لديه بعض التحفّظات حيال توسّع الحلف على أبوابها. يوافق والاس على النظرة الفرنسيّة القائلة إنّه يجب على الناتو عدم تحويل مهمّته باتّجاه منطقة المحيط الهادئ، إضافة إلى أنّه يعارض، مثل باريس، فتح مكتب للحلف في طوكيو كما ذكرت "إيكونوميست". قد تعبّر هذه النظرة عن قناعة لدى وزير الدفاع إلى جانب كونها محاولة لحصد موافقة فرنسيّة على اسمه كأمين عام للحلف، بما أنّ لفرنسا دوراً وازناً في هذا الإطار.
لندن أكثر تشدّداً
بصرف النظر عن الموقف من الصين، كانت بريطانيا أكثر تشدّداً من الولايات المتحدة في دعم أوكرانيا قبل، وحتى أحياناً، بعد الغزو الروسيّ. بالرغم من تردّد واشنطن في إرسال صواريخ بعيدة المدى إلى كييف خوفاً من أن تستخدمها ضدّ الأراضي الروسيّة، أرسلت لندن صواريخ "ستورم شادو" التي يتخطى مداها 300 كيلومتر إلى القوّات الأوكرانيّة. وهي تعادل إلى حدّ ما صواريخ "أتاكمس" الأميركيّة التي لا تزال الولايات المتحدة ترفض تسليمها إلى أوكرانيا، وإن تكن بعض الليونة ممكنة. في أواخر حزيران (يونيو)، ذكرت "وول ستريت جورنال" أنّ أميركا قريبة من توفير هذه الصواريخ إلى كييف، لكنّ ناطقاً باسم وزارة الدفاع ردّ بالقول إنّه ليس مطّلعاً على اتّخاذ "قرار وشيك" بهذا الخصوص.

(بن والاس - أب)
ذكّرت "إيكونوميست" بأنّ بريطانيا هي ثاني أكبر داعم عسكريّ لأوكرانيا بعد الولايات المتحدة، حتى أنّ تسريبات عن البنتاغون أشارت إلى وجود 50 فرداً من القوّات البريطانيّة الخاصّة على الأراضي الأوكرانيّة مقابل 14 أميركيّاً. لكنّ المشكلة لم تكن فقط في رفض بايدن لوالاس. سرت طوال الأسابيع الماضية أنباء في بريطانيا عن أنّ بايدن، بل حتى السيّدة الأولى جيل، أيّدا رئيسة المفوّضيّة الأوروبّيّة أورسولا فون دير لاين لهذا المنصب.
"بلا رحمة"
أثار الحديث عن تفضيل واشنطن لفون دير لاين "الحساسيّات" بين أوروبا وبريطانيا الخارجة حديثاً منها. علت الاتّهامات بأنّ بايدن فضّل دوماً محور "باريس-بروكسل-برلين" عوضاً عن "العلاقة المميّزة" التي جمعت لندن وواشنطن، كما كتب مدير "مركز مارغريت تاتشر للحرّيّة في مؤسسة هيريتدج" نايل غاردينر في صحيفة "ذا تيليغراف" يوم الأربعاء. بالنسبة إليه، لدى بايدن "سجلّ طويل في طعن بريطانيا بسكّين في الظهر" كضرب اتّفاق تجاريّ بارز بين البلدين (بعد بريكست) "من دون رحمة" إضافة إلى رفضه "المهين" لحضور تتويج الملك تشارلز الثالث.
ووجّهت مجلّة "سبكتيتور" انتقادات أكثر حدّة إلى بايدن. في أيّار (مايو)، ذكرت أنّ السيّدة الأولى أرادت فون دير لاين لأنّها تحبّذ العنصر النسائيّ وحسب. تساءلت المجلّة في مقال بتوقيع اسم "ستيربايك" عمّا يمنح جيل فكرة أنّها تتمتّع بالبصيرة في ما يخصّ الأمن الغربيّ. "لكنّ الصحوة هي الصحوة" يكتب "ستيربايك" في هجوم على تمحور اهتمام واشنطن حول قضايا الأقلّيّات والجندر.

(أورسولا فون دير لاين - أب)
وكرّر "ستيربايك" أمس انتقاده لافتقار الجيش الألمانيّ العتاد الملائم خلال تولّي فون دير لاين وزارة الدفاع (2013-2019) الألمانيّة. على سبيل المثال، ومن ضمن لائحة ثغرات طويلة جداً استعرضها الكاتب، اضطرّ الجيش الألمانيّ إلى استخدام عصيّ مكانس بدلاً من الرشّاشات خلال تمرين أطلسيّ، كما تفقد بعض بنادقه الحربيّة القدرة على إطلاق النار بشكل مستقيم لدى تخطّي الحرارة ثلاثين درجة مئويّة.
أسباب أخرى؟
ليست فون دير لاين وحدها المسؤولة عن "الثقافة" الألمانيّة التي خفّضت كثيراً الاهتمام بالتسلّح طوال العقود الماضية. علاوة على ذلك، تخدم الأسلحة الألمانيّة الهجوميّة والدفاعيّة الأوكرانيّين إلى حدّ بعيد، بالرغم من أنّ "المنعطف" الاستراتيجيّ الذي تحدّث عنه المستشار الألمانيّ أولاف شولتس لا يزال بطيئاً على مستوى الاستثمار العسكريّ الداخليّ. لكن يبقى أنّ بريطانيا كانت أكثر ثباتاً من ألمانيا في دعم أوكرانيا على المدى الطويل. ومن المرجّح أن تفضّل دول أوروبا الشرقيّة في قيادة الحلف مسؤولاً من لندن على أيّ مسؤول آخر في ألمانيا أو فرنسا بالنظر إلى هذا الموقف.
وربّما ثمّة أسباب أخرى أكثر شخصيّة كي يرفض بايدن والاس. بحسب صحيفة "إكسبرس"، مثّلت خدمة والاس في الجيش الآيرلنديّ الشماليّ خلال فترة الاضطرابات عائقاً آخر أمام رضا بايدن، بما أنّ الأخير يتحدّر من جمهوريّة آيرلندا. لكن كما قال أحد حلفاء والاس، ليس بايدن مناصراً قويّاً لبريطانيا أيضاً، ولهذا، قد تكون خدمة والاس العسكريّة سبباً من الأسباب التي دفعت بايدن إلى عدم إعطاء وزير الدفاع الضوء الأخضر لتولّي هذه المسؤوليّة.
تهدئة؟
لم تكن الطريق إلى قمّة فيلنيوس سهلة. رؤية الحلفاء لانضمام أوكرانيا إلى الحلف غامضة بالحدّ الأدنى، ولم يكن ينقص الحلف المزيد من الخلافات حول هويّة أمينه العام المقبل. على ما يبدو، ثمّة مؤشّرات إلى التهدئة. ذكرت صحيفة "تايمز" البريطانيّة منذ ساعات نقلاً عمّا وصفتها بالمصادر البارزة في واشنطن نفيها تفضيل بايدن لفون دير لاين على آخرين: "ليس لديه مرشّح مفضّل لما بعد عام من اليوم. لقد مدّدنا للتوّ (ولاية) ستولتنبرغ".
قد يكون قرار التمديد الأنسب حاليّاً لجميع أعضاء الحلف. رئيس الوزراء البريطانيّ ريشي سوناك رحّب الثلاثاء بقرار التمديد. لكنّ الخلافات بين واشنطن ولندن قد لا تساعد كثيراً البريطانيّين على نسيان ما يرونه قراراً أميركيّاً بحرمانهم من حقّ تولّي قيادة الحلف للمرّة الرابعة منذ تاريخ تأسيسه.
Posted byKarim Haddad✍️



