
"جبهة تحرير التّيغراي" ومستقبل الدّولة الإثيوبية...سيناريوات محتملة
November 13, 2021
المصدر:
النهار
منذ ثلاثة عقود وإثيوبيا تشهد نمواً سياسياً واقتصادياً، جعل منها دولة ذات قوة إقليمية متوازنة، إذ تمكنت "جبهة تحرير التيغراي" بعد وصولها الى السلطة عام 1991 وهيمنتها على الائتلاف الحاكم في إثيوبيا (الجبهة الديموقراطية الثورية للشعب الإثيوبي) من تجاوز الإخفاقات السياسية لحكومة منغستو هيلا ميريام، وتجاوز آثار المجاعة، وحتى بعد الانتفاضة الشعبية التي انتهت بإزاحة الجبهة عن السلطة عام 2018 تمكن رئيس الوزراء الجديد أبيي أحمد (المدعوم من قبيلة الأورمو) من الانطلاق بإثيوبيا من الإقليمية الى الدولية، عندما حصل على جائزة نوبل للسلام بعدما تمكن من عقد اتفاق السلام مع إريتريا، إدراكاً منه لأهمية هذه الدولة وشريطها الساحلي في إخراج إثيوبيا من عزلتها الجغرافية عن السواحل البحرية.
وكان التيغراي ينظرون الى هذا الاتفاق نظرة تشكيك، وبأنه يمثل تحالفاً عسكرياً بين أبيي والعدو اللدود لـ"جبهة تحرير التيغراي"، وهو ما حصل فعلاً عندما لعبت القوات الإريترية دوراً مركزياً في العمليات العسكرية الحكومية في إقليم التيغراي.
كما أن سلسلة الإجراءات (الإصلاحية) التي قام بها أبيي أحمد ساهمت في توتر العلاقة بين السلطة المركزية وسلطة الإقليم، والتي بدأها أحمد في كانون الأول (ديسمبر) 2019 بحل "الجبهة الديموقراطية الثورية"، وتأسيسه كيانه سياسياً (الازدهار) ابتعد فيه عن الاستقطاب الإثني والقومي، ودعا جميع القوميات الى الدخول فيه، إلا أن التيغراي رفضوا. إذ كان أبيي أحمد يرى في هيمنة "جبهة تحرير التيغراي" على هذه التركيبة السياسية تهديداً لعملية التحول والإصلاح السياسي التي يسعى اليها.
ثم جاء قرار إعفائه كلاً من رئيس أركان الجيش ومدير جهاز الأمن والمخابرات من منصبيهما، وهما شخصيتان بارزتان من التيغراي، وقراره تأجيل انتخابات 2020 الى أجل غير مسمى بدعوى انتشار فيروس كورونا، وهو الاأمر الذي رفضه التيغراي رفضاً قاطعاً، واعتبروه تجاوزاً للدستور الإثيوبي، وأجروا الانتخابات في موعدها المحدد، إلا أن أبيي أحمد رفض الاعتراف بهذه الانتخابات، وتمكن من الحصول على قرار من البرلمان الإثيوبي بإعفاء السلطة السياسية في التيغراي، وإيقاف التحويلات المالية الى الإقليم، ما اعتبرته السلطة المحلية للإقليم بمثابة إعلان الحرب على الإقليم. لقد كان التيغراي يقرأون هذه الإجراءات على أنها محاولة تهدف الى تحديد قوتهم وتحجيمها، تمهيداً للقضاء عليها.
اعتبر أبيي أحمد إجراء الانتخابات في إقليم التيغراي خروجاً عن السلطة المركزية، وخرقاً للقانون الإثيوبي، لا سيما بعد سيطرة القوات المحلية على القواعد العسكرية في الإقليم وطرد القوات الفدرالية، لذا تحركت القوات الرسمية في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) 2020 باتجاه الإقليم، في محاولة لفرض سلطة القانون بحسب تعبير أبيي أحمد في رسائله الإعلامية الى دول الإقليم والعالم، وتمكنت القوات الحكومية من دخول الإقليم بمساندة القوات الإريترية، إلا أنه أعلن وقف إطلاق النار.
وفي شهر حزيران (يونيو)، حصل انقلاب وتحول في الأزمة، إذ استطاع "جيش تحرير التيغراي" استعادة الإقليم من القوات الحكومية. وفي إشارة إلى مدى صعوبة الوضع العسكري، أعلن أبيي أحمد أن البلاد بأكملها يجب أن تقف خلف الجيش لهزيمة "الجبهة الشعبية لتحرير التيغراي"، ودعا الشعب الإثيوبي الى حمل السلاح والمشاركة في القتال ضد المتمردين، وحذر من دخول البلاد في حرب أهلية، وهذه التصريحات كانت سبباً وراء تفكير بعض البعثات الدبلوماسية في ترك البلاد خوفاً من تداعيات حرب أهلية، خصوصاً بعد فشل الاقتراحات الأميركية التي طرحها مبعوث الرئيس الأميركي الى القرن الأفريقي جيفري فيلتمان وفشل وساطته.
وفي مقابل هذا التصعيد من الحكومة المركزية، قامت "جبهة تحرير التيغراي" بإعادة التحالف الذي ألغاه أبيي أحمد بإنشاء تحالف "الجبهة المتحدة للقوات الفدرالية والكونفدرالية الإثيوبية" الذي أُعلن عنه في مؤتمر المعارضة الإثيوبية الذي عقد في الولايات المتحدة. ويضم التحالف تسعة فصائل، أبرزها "جبهة تحرير التيغراي" و"جيش تحرير أورومو"، ويسعى هذا التحالف الى إزاحة أبيي أحمد عن السلطة وإنشاء حكومة انتقالية. وأعلن جال مارو، قائد "جيش تحرير أورومو"، أن قواته بالقرب من العاصمة الإثيوبية أديس أبابا وتستعد لهجوم آخر، متوقعاً أن تنتهي الحرب "قريباً جداً" بانتصارهم.
ورغم إدانة معظم دول العالم هذه الحرب التي تدخل عامها الأول، يواصل رئيس وزراء إثيوبيا لهجة التصعيد والتهديد للتيغراي، بدفن من وصفهم بأعداء الحكومة قائلاً إن "الحفرة التي حُفرت ستكون عميقة جداً، وستكون حيث يدفن الأعداء وليس حيث تتفكك إثيوبيا.. سندفن هذا العدو بدمائنا وعظامنا وسنعلي مجد إثيوبيا من جديد"، وإعلانه حال الطوارئ في عموم البلاد، والذي تمكن خلاله من إعفاء مسؤولي "التيغراي" من الهيئات الدولية، خاصة بعثات الاتحاد الأفريقي والعاملين مع المنظمات الدولية، وهو ما لقي تنديداً دولياً باعتباره نوعاً من أنواع الاستهداف العرقي.
بعد عام على الحرب التي تسببت بسقوط عشرات الآلاف من القتلى والجرحى، إضافة الى أكثر من مليون لاجئ إثيوبي الى السودان، فشلت الوساطات الإقليمية والدولية في تقريب وجهات النظر بين أطراف الصراع والموقف المتشدد لرئيس الوزراء الإثيوبي وتمسكه بانسحاب قوات المعارضة من الإقليم قبل الجلوس الى طاولة المفاوضات.
تدفعنا تلك التطورات إلى طرح مجموعة من التساؤلات حول الأسباب التي دفعت رئيس الوزراء الإثيوبي للاعتماد على الأداة العسكرية دون غيرها من الأدوات السلمية، وعدم تجاوبه مع المناشدات الدولية المطالبة بالامتناع عن استخدام الخيار العسكري داخل الدولة، وما هي السيناريوات المتوقعة جراء تصعيد الأزمة ونقلها من إقليم التيغراي إلى العاصمة أديس بابا على الاستقرار الداخلي في إثيوبيا، وما يعكسه هذا الصراع على القوميات الأخرى المكوّنة للدولة الإثيوبية، بخاصة في ظل نظام الفدرالية العرقية الذي يقره الدستور الإثيوبي لعام 1994، والذي يعطي القوميات حق تقرير المصير والانفصال عن الدولة الإثيوبية وفقاً لشروط محددة. وكذلك ما يمكن أن تسفر عنه هذه الأزمة من نتائج وخيمة على الاستقرار والأمن في الدول المجاورة، وإقليم شرق أفريقيا.
ووفقاً للمراقبين المتخصصين، فإن تسارع الحوادث يضعنا أمام مجموعة من السيناريوات:
السيناريو الأول: الحرب الأهلية. وهو ما يبتني على شعبية أبيي أحمد على المستويين المحلي والدولي، خصوصاً بعد تراجع الأورمو عن تأييده والمشاركة في تحالف المعارضة لإسقاطه، إذ إن هذا التراجع نتيجة طبيعة لطريقته في إدارة الأزمة مع إقليم التيغراي، لا سيما أنه صاحب المقولة المشهورة عندما نال جائزة نوبل للسلام ، أن "الحرب تخلق رجالاً عنيفين ومتوحشين بلا رحمة"، وهو ما يمكن أن يقود البلاد الى سيناريو الانزلاق نحو حرب أهلية، ففي ظل تعقيدات المشهد العرقي في إثيوبيا، يحمل استخدام الحكومة الاتحادية القوة العسكرية وحشد الشعب المدني، وحمله السلاح للدفاع في مواجهة القوميات المعارضة للحكومة الاتحادية مخاطر واسعة، بخاصة مع امتلاك التيغراي قدرات عسكرية وميليشيات مسلحة.
السيناريو الثاني: تنامي الروح الانفصالية، وهو السيناريو الأكثر ترشيحاً للحدوث، اعتماداً على تاريخ التيغراي الذي صارع وناضل من أجل الحصول على الحكم الذاتي، وفقاً لمواد الدستور الفدرالي الإثيوبي لعام 1994 في مادتيه (39) و(47) اللتين منحتا الحق لكل أمة أو شعب أو جنسية في أن تنفصل عن الدولة الإثيوبية الموحدة وتكوّن دولتها المستقلة، وفق مجموعة من الشروط.
السيناريو الثالث: انتهاء نظام حكم أبيي أحمد واستقالته من خلال تمكّن تحالف المعارضة من الحصول على الدعم الإقليمي، لا سيما من الدول المتضررة من سياسته، والدعم الدولي خصوصاً من الولايات المتحدة التي استضافت مؤتمر تأسيس تحالف المعارضة. هذا الدعم الإقليمي والدولي ربما سيصل بقوات المعارضة الى أسوار مدينة أديس أبابا.
وينتهي الأمر بإعلان أبيي أحمد استقالته التي ربما ستأتي بضغط أميركي، لا سيما أن الولايات المتحدة اتخذت قرارات ضيّقت فيها الخناق على حكومة أبيي أحمد، وسيتم تطبيقها بداية العام المقبل، وتقضي بحرمان إثيوبيا من الاستفادة من قانون النمو والفرص الذي يمنح تفضيلات تجارية لبعض الدول الأفريقية في تبادلاتها التجارية مع الولايات المتحدة، كما يمكن أن تكون صورة أبيي أحمد لدى الولايات المتحدة أنه ربما يشكل تهديداً لأمن القرن الأفريقي واستقراره لعدم استجابته للمقترحات الأميركية في ما يتعلق بالعديد من قضايا الإقليم، وأبرزها ملف سد النهضة والحوار مع قوات التيغراي.
الالمصدر: النهار العربي-هاشم سرحان العوادي
Posted byTony Ghantous✍️

.jpg&w=3840&q=75)

