
"الآخر" الذي لا يشبه أردوغان بشيء... من هو مرشح المعارضة التركية للرئاسة كيليتشدار أوغلو؟
March 13, 2023
المصدر:
المصدر: النهار العربي
بابتسامته الدائمة، ولغته الدبلوماسية الهادئة، ونهجه المسالم، يقدم مرشّح "ائتلاف الأمة" المعارض في تركيا، كمال كيليتشدار أوغلو، صورة مختلفة عن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، خصمه في الانتخابات الرئاسية المقرر اجراؤها في 14 أيار (مايو) المقبل، لا بل إنها لا تشبهه بشيء.
صفات وخصائص كيليتشدار الشخصية، إضافة إلى ملامح وجهه وجسمه النحيل، اكسبته لقب "غاندي تركيا" وهو لقب أطلقه عليه مناصروه والعديد من مؤيدي الأحزاب المعارضة الأخرى.
يدرك المراجع لسيرة حياة كيليتشدار أوغلو سريعاً، أن الرجل يمتلك كل ما يمكن أن يجعل منه الرجل "الآخر" في الجمهورية التركية. فقد ولد في قرية "باليجا" التابعة لناحية "نظمية" بولاية "تونجيلي" -ديرسم التاريخية- التي ارتبط أسمها بثورة شعبية كردية كبيرة ضد مؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك. من والدين ينتميان إلى الطائفة العلوية، "غير المحببة" في البلاد، حيث تعود جذوره إلى قبيلة "قريشان" التي هاجرت من خرسان إلى الأناضول.
أمضى السياسي البالغ من العمر 75 عاماً طفولته في فقر مدقع إلى جانب أشقائه الستة أبناء موظف حكومي وربة منزل، حتى أنّه أضطر في إحدى المرات إلى استعارة مريول صديقه في الصف لإلقاء قصيدة في المرحلة الابتدائية، متنقّلاً خلال سنوات تعليمه بين عدد من مدارس الأناضول، وصولاً إلى معهد أنقرة للاقتصاد والعلوم التجارية، التي دخلها بعد الحصول على المركز الأول في ثانوية الازيغ التجارية.
شخصية كيليتشدار أوغلو
قد تكون هذه الظروف الاقتصادية لعبت الدور الأبرز في تشكيل شخصيّته السياسية، وميوله الاشتراكية خلال عمله داخل الحزب، وهو الذي وعد بألا ينام أي طفل جائعاً حينما يصل إلى السلطة، بل وحتى على نمط حياته في منزله المتواضع، حيث أظهرت بعض مقاطع الفيديو التي قام بتصويرها داخل منزله، أثاثاً قديماً ومطبخاً بسيطاً دفع بمستخدمي التواصل الاجتماعي إلى وصفه بـ"مطبخ جدتي" بعد مقطع سجّله في المنزل في إحدى المرّات برفقة زوجته.
تشير المديرة المؤسسة لبرنامج تركيا في معهد الشرق الأوسط، غونول تول، في مقال لها في موقع "بوليتيك يول" التركي، إلى التناقض الكبير بين مسكن كيليتشدار أوغلو المتواضع، وقصر أردوغان المكوّن من 1000 غرفة، مستخلصة نظرة كل منهما إلى الحياة.
خولّه اجتياز امتحان اختصاص المحاسبة في عام 1971 للحصول على وظيفة في وزارة المالية، حيث تدرّج في أقسامها وصولاً إلى مدير عام للتأمينات الاجتماعية، إلى أن تقاعد طواعية عام 1999. امتهانه للمحاسبة جعل من كيليتشدار أوغلو شخصية بارزة في عمل الحسابات والميزانيات وكل ما يتعلق بالأمور المالية.
يؤكد السياسي التركي فوزي اشباشاران، المستشار الخاص لرئيس الوزراء التركي الراحل تورغوت أوزال، في حديث إلى "النهار العربي" أن "كيليتشدار أوغلو كان المحبب والشخص الأكثر موثوقية في تركيا بالنسبة لأوزال في ما يتعلّق بأعمال إعداد الميزانيات الحكومية وسن التشريعات والقوانين الخاصة بها".
ويضيف اشباشاران، "الموظف الحكومي الوحيد الذي كان يستقبله أوزال واقفاً بابتسامة عريضة ويودّعه بالطريقة نفسها كان كيليتشدار أوغلو. كان محبوباً جداً من قبل أوزال على الرغم من أنه لم يكن من أعضاء حزبه".
المعترك السياسي لكيليتشدار أوغلو
دخل كيليتشدار أوغلو المعترك السياسي بعد 3 سنوات من تقاعده، حينما ترشّح عن حزب "الشعب الجمهوري" لعضوية البرلمان عن دائرة إسطنبول في عام 2002.

يشرح مدير مركز "بيار" لاستطلاعات الرأي، قادر اتالاي لـ"النهار العربي" أن "كيليتشدار أوغلو، وفي بداية حياته السياسية، بل وحتى بداية تسلمه رئاسة الحزب، لم يكن يجيد ممارسة السياسة بشكل جيد، لكنه كان على دراية بتلك الحقيقة، ومن الواضح أنّه تعلمها بشكل جيد جداً، حتى بات قادراً على إقناع الجميع (من مختلف التوجّهات السياسية) برؤيته".
ويضيف اتالاي أن "كيليتشدار أوغلو نجح في تحويل حزب "الشعب الجمهوري" إلى حزب مركزي، يمكنه استيعاب اليمين واليسار، فهو يدير عملية اتصال سياسي ناجحة للغاية منذ عام. أقام تحالفات مع 5 أحزاب تتعارض تماماً مع نظرته السياسية، لكنه بذل قصارى جهده لجعل أصوات رفاقه مسموعة أكثر، من دون أن يشعر بالغيرة".
ويرى اتالاي أن "كيليتشدار أوغلو يقدّم اليوم صورة كاملة لشخصية قائد يتحمّل المسؤولية ويدافع عن حقوقه وحقوق أصدقائه".

لكن غونول تول، مؤلفة كتاب "حرب أردوغان: صراع الرجل القوي في الداخل وفي سوريا"، ترى أن سياسة كيليتشدار أوغلو وسلوكه الهادئ واللطيف يتناقضان تماماً مع أسلوب أردوغان في ممارسة السياسة الخشنة والحادة، والقائمة على الاستعراض الفردي، ما أكسبه لقب "الريّس" بين أنصاره ورجاله.
الهدوء وسياسة امتصاص الصدمات جعلا من كيليتشدار أوغلو عرضة للكثير من الانتقادات داخل حزبه ومن قبل أنصاره. فهو الذي طالب أنصاره بعدم النزول إلى الشوارع بعد استفتاء التحوّل إلى النظام الرئاسي عام 2017، وردّ على الحكم بسجن النائب عن حزبه أنيس بربر أوغلو لمدة 25 عاماً، بتهمة تسريب معلومات إلى الصحافة حول دعم أنقرة للجهاديين في سوريا، بـ"مسيرة العدالة"، حين سار مسافة 420 كيلومتراً كتعبير عن رفضه "لتسييس القضاء، ومواجهة الظلم بالطرق السلمية".
في المقابل، يؤخذ عليه عدم اتّخاذه مواقف صارمة في الكثير من القضايا التي تتماشى مع مفهومه السياسي. فقد رضخ للضغوط الممارسة عليه من قبل شركائه السابقين في حزب "الحركة القومية" اليميني، والتيار اليميني الواسع داخل حزبه، حينما وافق على إسقاط الحصانة النيابية عن برلمانيي حزب "الشعوب الديموقراطي" الموالي للأكراد في البلاد، ما فتح الباب أمام إلقاء العديد منهم في السجن في انتظار محاكمات لم تسفر معظمها إلى حكم قضائي حتى اليوم، كما هو الحال بالنسبة للرئيس المشترك السابق للحزب صلاح الدين دميرتاش القابع في السجن منذ ما يقارب السبع سنوات.
كما أدت ضغوطات شبيهة مورست عليه من قبل شريكته الرئيسية في تحالف الأمة، ميرال أكشينار، زعيمة حزب "الجيد" اليميني، إلى إبقاء حزب "الشعوب الديموقراطي" خارج الطاولة السداسية، على الرغم من شبه اليقين السائد باستحالة فوزه بالانتخابات الرئاسية من دون دعم الحزب الكردي له.
تشير استطلاعات الرأي، ومن بينها استطلاع رأي شركة "بيار"، إلى نجاح كيليتشدار أوغلو في إقناع فئة كبيرة من الناخبين الأتراك بقدرته على قيادة البلاد إلى بر الأمان، في وقت بدت الأزمة الاقتصادية تظهر نفسها بقوة أكبر بعد الزلزال الذي اقترب عدد ضحاياه من الخمسين ألفاً وفق الأرقام الرسمية، وتسبب بأضرار تتجاوز 100 مليار دولار وفق التقديرات.
فهل ينجح كيليتشدار أوغلو "الآخر" في حسم المعركة الانتخابية المصيرية في تاريخ الجمهورية لصالحه على قاعدة أن "الديموقراطية تحتاج إلى أناس ديموقراطيين" وفق مقولة السياسي الألماني الاشتراكي فريدريش ألبرت، أما أن "الأتراك على الرغم من رغبتهم في الديموقراطية، إلا أنّهم يفضلّون الرجل القوي، القادر على نثر التهديدات شرقاً وغرباً" كما قال لي يوماً أحد الأصدقاء من سياسيي الشعب الجمهوري؟
الإجابة عن هذا السؤال سيكون ممكناً في صبيحة يوم 15 أيار (مايو) المقبل.
Posted byTony Ghantous✍️



