تخطي إلى المحتوى

Thursday, 29 October 2026

مونتريال --°

بيروت --°

عاجل
إخفاقات وعيوب وتقصير... كبرياء روسيا يسقط في أوكرانيا

إخفاقات وعيوب وتقصير... كبرياء روسيا يسقط في أوكرانيا

January 3, 2023

المصدر:

النهار العربي - نورا عامر

على غرار الكثير من المحللين العسكريين، فاجأ الأداء الضعيف للقوات الروسية في الحرب الأوكرانية، من أكبر الضباط إلى أصغر الجنود، النائب السابق لمساعد وزير الدفاع الأميركي والضابط السابق في وكالة الاستخبارات الأميركية ميك مولروي، الذي يرى أن الجيش الروسي كان يطرح نفسه منافساً لنظيره الأميركي، قبل أن يتبين اليوم أنه غير جدير بموقع أحد أقوى جيوش العالم.

وبعدما كان الجيش الأحمر يتمتع بقوة فائقة انتصر من خلالها على الجيش الألماني في معركتي ستالينغراد وكورسك في الحرب العالمية الثانية عام 1943، كشفت الحرب التي شنها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على أوكرانيا عيوباً فاضحة.   

وتحدث مولروي لـ"النهار العربي" عن فشل الجيش الروسي على جميع مستويات الحرب الحديثة، بدءاً من التخطيط العملياتي، ومناورات الأسلحة المشتركة، وصولاً إلى الخدمات اللوجستية. 

وكان  الصحافي والكاتب الألماني روجر بويز استذكر في مقالته في صحيفة "التايمز" البريطانية أمجاد الجيوش الروسية، من أيام  تهديد إيفان الرهيب باقتحام سهول شمال ألمانيا، وصولاً إلى زمن كانت   "منظمة حلف شمال الأطلسي" (الناتو) تخشى  شن الدبابات السوفيتية هجمات عبر الستار الحديدي، لمحاصرة هامبورغ وأخذها رهينة.

وعام 1981، أصدر البنتاغون كتيباً بعنوان "القوة العسكرية السوفيتية"، أظهر صواريخ موسكو بتفاصيل مروعة، فكان ذلك كافياً لإقناع المحاربين المضطربين بزيادة ميزانيات الدفاع في الشرق والغرب.  

أما اليوم، فأظهر اعتراض مكالمات هاتفية بين الجنود الروس في أوكرانيا وعائلاتهم وأصدقائهم خيبة الأمل السائدة. وقال أحد العناصر لصديقته: "أخذ بعض الرجال دروعاً من الجثث الأوكرانية لحماية أنفسهم... دروع الناتو أفضل من دروعنا". وقال لأمه: "كان الجيش يضم 400 جندي مظلي، لكن نجا منهم 38 فقط، لأن قادتنا أرسلوهم إلى الموت".  

ولطالما اشتكى الجنود من قادتهم، لكن الجهود الحربية التي يقودها بوتين اليوم باتت حاسمة لبقائه السياسي، في ظل نقص العناصر على الجبهات الأوكرانية المختلفة والإدارة السيئة للتعبئة الجزئية وفقدان الكرملين لما يعرف بـ"فضاء المعلومات". وتحتدم اليوم السجالات الشرسة عبر التلفزيون الحكومي، وتنتشر انتقادات صريحة للقادة في الميدان، كما يسود شعور بأن النظام يفقد نفوذه.

 

  

والواقع أن تقدير روسيا للذات يرتبط بمكانة جيشها، وهي علاقة تعود إلى ما قبل الشيوعية. وبعد الأداء الروسي البائس في حرب القرم في خمسينيات القرن التاسع عشر، التي قُتل فيها 200 ألف شخص، شرع القيصر ألكسندر الثاني في إصلاح الجيش وتحديث الاقتصاد. وبعدما بدا الجيش الروسي أحد أعظم جيوش العالم، سُحق  في حرب عام 1905 ضد اليابان. وأدى ضعف القيادة العامة إلى الهزيمة في ساحة المعركة، ما أطلق إصلاحات مجزأة في التعليم العسكري وإصلاحاً اجتماعياً غير مكتمل، وأدى ذلك بدوره إلى اندلاع أعمال ثورية ومزيد من القمع. 

ويبدو أن الحرب في أوكرانيا تكتسب مكاناً في هذا العرض المحبط. 

 عقب الثورة الروسية الأولى الملقبة بـ"ثورة شباط" (فبراير) 1917، تنازل القيصر الروسي نيكولا الثاني عن عرشه، معلناً بذلك نهاية النظام الإمبراطوري. فانهارت الإمدادات وخرجت الطوابير أمام المواد الغذائية عن السيطرة. وشهدت ميزانية الدولة حالة من الفوضى، لا سيما أن الحرب تتسبب بتضخم، ما يدفع الاضطرابات إلى ذروتها. 

 ودفع التمرد عام 1905 حكام روسيا إلى وضع مأسوي. وحلت مكان النظام الامبراطوري حكومة الأمير غيورغي لفوف، التي انهارت بعد أشهر، لتمهد الطريق أمام حكومة ألكسندر كيرنسكي. وبعد أشهر قليلة، أطلق البلاشفة ثورة ثانية عرفت بـ"ثورة تشرين الأول" (أكتوبر)، وأدت إلى قيام الاتحاد السوفيتي. 

ووصف المؤرخ الراحل نورمان ستون ثورة عام 1917 بأنها "تمرد ضخم"، مشيراً إلى أن الجيش بقي في المقدمة، لكنه لم يكن قادراً على القيام بأي عمل هجومي، وبالكاد يتمكن من الدفاع. 

مع ذلك، يرى بوتين علاقة أكثر إثارة للقلق بين الجيش الساخط والاستقرار في الداخل، إذ كان انسحاب القوات السوفيتية من أفغانستان عام 1989 بداية رمزية لانهيار الاتحاد. وسعى بوتين في حروبه على مر السنين إلى التعويض عن الخسائر وإعادة هيكلة القوات المسلحة. فوعد الجنرالات بالاستقرار وزيادة الأجور والاستفادة من أسعار النفط المتزايدة. وكانت الخطوات تدريجية، لكنها جاءت بمثابة ارتياح لكبار الضباط، الذين يعتبرون سلفه بوريس يلتسين غريب الأطوار. وكانت خطة بوتين مبتذلة ولكن من السهل استيعابها، وهي تتمثل بمنح الجيش دوراً مركزياً في استعادة الكبرياء الوطني وتأكيد هيمنة روسيا على جيرانها والعالم.  

وفي حرب الشيشان الثانية عام 1999، قصف بوتين، الذي كان في حينه رئيساً للوزراء يطمح لخلافة يلتسين، مدينة غروزني مستخدماً القنابل الحرارية لإسقاط مجمعات سكنية كاملة. وشاع تعقب المتمردين كما ظهرت أسلحة جديدة، منها طائرات الاستطلاع المسيرة. وكانت هذه الأفعال قبيحة لكنها ساعدت في ترسيخ بوتين كحليف للغرب في الحرب العالمية.      

ولم تتضح المشكلات المتعلقة بحرب بوتين للغرب إلا عندما شنت موسكو، عشية أولمبياد بكين عام 2008، هجوماً استمر خمسة أيام ضد جورجيا، التي كانت برئاسة ميخائيل ساكاشفيلي. وكان الأخير يميل إلى الغرب وينتمي إلى النوع الذي يفضله بوتين بين الأعداء، إذ كان معرضاً لأخطاء، ولديه جيش ضعيف، يكاد يضم 30 ألف رجل، فلم يحظ بفرصة أمام الروس. ووضعت جورجيا علمها في أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية، وجندت مرتزقة، من دون أن تبذل جهداً كبيراً للاستيلاء على العاصمة تبليسي.  

مع ذلك، كشفت العملية الخاطفة في جورجيا عن الكثير من نقاط الضعف في هيكل الجيش الروسي، رغم أنها كانت بقيادة محترفين. فبدت الطائرات المسيرة صاخبة، ما سمح بإسقاطها بسهولة. وأحرق الجنود ذخائرهم في أقل من يوم، وأُسقطت طائرات بنيران صديقة، كما قصفت روسيا مطارات خاطئة. في حينه، تبين أن محاولات بوتين لم تكن كافية.  

الحرب السورية  

أقنعت عيوب هذه العملية بوتين بالتراجع. لكن بحلول عام 2014، ضمت روسيا شبه جزيرة القرم إلى أراضيها بدون وقوع أي خسائر. وبعد ذلك جاء التدخل المفاجئ في الحرب السورية، حيث سمح القصف الجوي الروسي للرئيس السوري بشار الأسد بحصار حلب. ودافع المرتزقة الروس من منظمة "فاغنر" عن منشآت الأسد للطاقة، ومنحت الاستخبارات العسكرية الروسية النظام السوري درعاً واقياً. فسيطرت روسيا على المجال الجوي السوري، واعتبر بوتين تدخل دولته نجاحاً لإصلاحاته العسكرية. 

وأظهرت سوريا كيف يمكن أن تكون القوة الجوية الروسية وخبرة الحرب الحضرية حاسمتين في الحفاظ على نظام صديق ونفوذ روسي في الشرق الأوسط. 

وسرعان ما بدأ الضباط المشاركون في عملية ضم القرم والحرب السورية بإلقاء محاضرات في الأكاديميات العسكرية الروسية. وارتفعت مبيعات الأسلحة الروسية في الخارج ارتفاعاً حاداً، وكذلك شعبية الوظائف العسكرية.  

إخفاقات الجيش الروسي في أوكرانيا 

في المقابل، فاجأت الحرب في أوكرانيا الأوساط السياسية والعسكرية وأظهرت فشل بوتين والجنرالات الروس. وبرزت ثلاث مشاكل أساسية تجنبها بوتين خلال 22 سنة من الحكم، أبرزها الستار المظلم الذي يخفي نطاق التعبئة. 

ويرى البعض أن الوضع الصعب في روسيا سيدفع إلى إعادة تعريف "العملية الخاصة" في أوكرانيا على أنها "عملية لمكافحة الإرهاب". وقد يمنح ذلك النظام امكانية الاعلان عن الأحكام العرفية في المناطق الأقرب من الحدود الأوكرانية. 

وكشفت محادثات تعود إلى آذار (مارس)، رصدتها الاستخبارات الأوكرانية واطلعت عليها صحيفة "النيويورك تايمز" الأميركية حديثاً عن مذابح وإطلاق نار عشوائي لاستهداف أوكرانيين. وتشمل الجهات المعنية بتنفيذ ذلك وحدات كانت تعتبر من نخبة الجيش الروسي، منها فوج الحرس 331 المحمول جواً.

وانعكست هذه الفوضى على الداخل، إذ تضاءل عدد الرجال في مدينة يبلغ عدد سكانها 12 مليوناً، وتراجع عدد المثقفين، الذين غالباً ما يحملون جوازات سفر تمكنهم من الانتقال إلى الخارج. وفر معارضون للكرملين خوفاً من السجن أو الاضطهاد، لكن غالبية الرجال الذين غادروا في الأسابيع الأخيرة إما تم استدعاؤهم للخدمة في الجيش، أو حاولوا تجنب التجنيد، وشعروا بالقلق إزاء اغلاق روسيا الحدود. وتوجه حوالي 200 ألف رجل إلى كازاخستان المجاورة، حيث يمكن للروس الدخول بدون جواز سفر. وفر عشرات الآلاف من الأشخاص الآخرين إلى جورجيا وأرمينيا وأذربيجان وإسرائيل والأرجنتين وأوروبا الغربية.

واللافت أن الانتقادات تأتي من جميع أركان القوات المسلحة، حتى الذين يريدون القتال، لكنهم يشعرون بالإحباط بسبب الانهيار داخل التسلسلات الهرمية العسكرية. 

واشتكى جنود الاحتياط الذين حُشدوا حديثاً في مدينة كازان علناً للسلطات العسكرية المحلية عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مطالبين بتدريب عسكري حقيقي قبل إرسالهم إلى أوكرانيا. وقال أحدهم: "لم نطلق رصاصة واحدة خلال أسبوع... تم نقلنا إلى ميدان إطلاق النار وتلقينا دروساً نظرية. اليوم أمضينا ثلاث ساعات في سحب سلاح من المستودع، وأربع ساعات في استعراض عسكري، ثم ثلاث ساعات أخرى في إعادة الأسلحة". وأضاف: "لا نتهرب من التجنيد، بل نستجيب لنداء الوطن، رغم أن الكثيرين لديهم إعفاءات صحية، لكننا لا نريد أن نذهب للقتال في الصفوف الأمامية بدون أي تدريب". 

 وإلى جانب هذا الخداع الجماعي للقوات المستقبلية، تبرز مسألة ثقافية داخل الثكنات تزيد من وحشية السلوك في ساحة المعركة. ويُجبر المجندون الشباب على ترتيب أسِرة الجنود الأكبر سناً وتلميع أحذيتهم ووضع سيجارة تحت وسائدهم والاستعداد لعواقب التباطؤ في تنفيذ ذلك. 

في النتيجة، أطلقت هذه الاخفاقات حركة مناهضة للحرب، يدفعها غضب متصاعد بسبب عدم كفاءة المجهود الحربي، ما قد يكون أكثر خطورة على بوتين.  

ويشدد مولروي على ضرورة تحديد الكرملين أهدافه الاستراتيجية والالتزام بها. وفي وقت زعمت روسيا أنها غزت أوكرانيا جزئياً بسبب مخاوفها من توسع "الناتو"، أكد مولروي أن الحلف لم يكن ليتوسع لولا غزو أوكرانيا، مشيراً إلى ضم فنلندا والسويد، وهي خطوة لم تتخذها الدولتان طوال الحرب الباردة. وخلص إلى أن روسيا حققت بأخطائها ما كانت تخشاه، إذ أصبح "الناتو" أكثر أهمية مما كان عليه منذ أكثر من 30 سنة، وأعاد إحياء دوره.

لذا، استبعد مولروي إمكانية فوز بوتين في أوكرانيا، لا سيما أنه لجأ إلى كل الوسائل المتاحة تقريباً باستثناء السلاح النووي، بما في ذلك الانتهاكات الجسيمة لقانون النزاعات المسلحة. وفي وقت تتلاشى القوة القتالية الروسية، يواصل الغرب بقيادة الولايات المتحدة، دعم أوكرانيا بأنظمة أسلحة أكثر تطوراً تعزز قدراتها العسكرية. 

Posted byKarim Haddad✍️

للمشاركة :
Point7 Multimedia
Style auto