
اتّفاق ليبي جديد في القاهرة... خطوة للحلّ أم وهمٌ آخر؟
January 6, 2023
المصدر:
النهار العربي القاهرة-أحمد علي حسن

رئيس البرلمان المصري يتوسط المشري وصالح في القاهرة. (وكالة الأناضول)
خطت ليبيا خطوة جديدة مفترضة نحو إنهاء حال الانسداد السياسي والذهاب إلى صناديق الاقتراع لاختيار سلطة منتخبة، بعد أكثر من عقد من الصراعات، لكن الطريق لا يبدو ممهداً تماماً، والتعقيدات تظهر دائماً عند الانخراط في التفاصيل والتطبيق على الأرض.
"القاعدة الدستورية"
وأعلن الخميس عن توافق بين رئيسي مجلس النواب عقيلة صالح، والمجلس الأعلى للدولة خالد المشري، في شأن مشروع مقترح لـ"القاعدة الدستورية" التي سيجرى على أساسها الاستحقاقان الرئاسي والنيابي. واختار الجانبان العاصمة المصرية لهذا الإعلان، بعد أسابيع من الاتصالات واللقاءات في الداخل والخارج، ما بدا استعادة لزخم الدور المصري في الملف الليبي. وجاء الاتفاق بعد ساعات من إعلان مجلسي النواب والأعلى للدولة عدم قبول دعوة المجلس الرئاسي إلى الاجتماع في 11 الشهر الجاري في مدينة غدامس (غرب ليبيا).
وكان صالح والمشري قد وصلا إلى القاهرة، مساء الأربعاء، وعقدا اجتماعاً، برعاية مصرية، استغرق أقل من ساعتين، قبل أن يذهبا إلى مقر البرلمان المصري، حيث كان في استقبالهما رئيسه حنفي الجبالي، لإعلان بيان مشترك، بدا كأنه معدّ مسبقاً.
وورد في البيان الذي حمل توقيعي صالح والمشري، أن الطرفين اتفقا على إحالة وثيقة "القاعدة الدستورية" إلى المجلسين لإقرارها طبقاً لنظام كل مجلس. ولم يكشف البيان تفاصيل المشروع الدستوري المقترح، لكن مصادر مطلعة كشفت لـ"النهار العربي" أن الاتفاق على استصدار قاعدة دستورية "مصغرة" موادها معنية بتنظيم العملية الانتخابية (الرئاسيات والتشريعيات)، وشروط الترشح، على أن يتم تأجيل مسألة استصدار دستور جديد للبلاد إلى حين انتخاب مجلس نواب جديد يناقش الملف.

الاحتكام لاستفتاء
وهذه القاعدة الدستورية كانت جاهزة منذ شهور، لكن كان الخلاف بين مجلسي النواب والأعلى للدولة ينحصر في مسألة ترشيح العسكريين ومزدوجي الجنسية، بالإضافة إلى المتهمين في قضايا جنائية. وعن هذا قالت المصادر لـ"النهار العربي" إن الأمر سيُعرض على أعضاء المجلسين، وهناك اتفاق جرى بأنه في حال حصول خلاف يعرقل حسم الأمر سيتم عرض المواد الخلافية على الاستفتاء العام لحسم الجدل بالأغلبية الشعبية. وأوضح أنه سيتم وضع مادتين مثلاً، الأولى مع فتح الباب للترشيح أمام الجميع، والثانية تضع قيوداً على الترشح ويختار بينهما الليبيون.
قضية أخرى شائكة، يُتوقع أن تنفجر خلال الساعات القليلة المقبلة، فقد لمّح البيان المشترك بين صالح والمشري إلى اتفاق على اطاحة حكومتي "الوحدة الوطنية" برئاسة عبد الحميد الدبيبة، والمكلفة من مجلس النواب بقيادة فتحي باشاغا، المتنازعتين على السلطة والصلاحيات. وأشار إلى أنه حصل "توافق على وضع خريطة طريق واضحة ومحددة تعلن لاحقاً؛ لاستكمال كل الإجراءات اللازمة لإتمام العملية الانتخابية، سواء التي تتعلق بالأسس والقوانين، أم المتعلقة بالإجراءات التنفيذية، وتوحيد المؤسسات".
ولفت رئيس مجلس النواب، في إيجاز صحافي مشترك مع رئيس المجلس الأعلى للدولة، بحضور رئيس مجلس النواب المصري، إلى "الحاجة إلى سلطة موحدة لإجراء الانتخابات في ليبيا، وسيكون هناك اتفاق بين المجلسين بشأن هذا الأمر، وسيكون هناك لقاء بشأنه في منطقة داخل ليبيا".
تجديد السلطات
وأوضحت المصادر أن صالح والمشري اتفقا منذ فترة على ضرورة تعيين سلطة انتقالية جديدة تدير شؤون البلاد، وتُنظم الانتخابات، مشيرة إلى أن هذا الاتفاق يشمل "تشكيل مجلس رئاسي وحكومة جديدين". حديث المصادر يكشف الأسباب وراء عدم قبول الاجتماع الذي دعا إليه رئيس المجلس الرئاسي الحالي محمد المنفي.

وإذ رفضت المصادر الكشف عن تفاصيل التشكيل الجديد للسلطة الانتقالية، أكدت أن توافقاً حصل وتبقى بعض اللمسات الأخيرة، بالإضافة إلى الحاجة إلى حصول دعم دولي وإقليمي واسع لهذه الخطوة في ظل الاستقطاب الدولي الحاصل الآن. وقالت: "هناك أطراف دولية أعلنت دعمها لتشكيل حكومة موحدة، لكن أطرافاً أخرى ترفض هذه الخطوة، الأمر يحتاج إلى مزيد من الاتصالات الدولية، إذ إنه من دون هذا الدعم ستبقى الخطوة حبراً على ورق ولن تُنفذ على الأرض".
وكانت مصادر ليبية قد كشفت في وقت سابق لـ"النهار العربي" عن اتفاق يُشبه "المقايضة"، بين صالح والمشري على ترؤس الأول المجلس الرئاسي، فيما يقود الثاني الحكومة الثالثة، على أن يتم التصويت بالموافقة على هذا التشكيل من مجلسي النواب والأعلى للدولة لقيادة مرحلة انتقالية محددة المدة بنحو عام تُجرى خلالها الانتخابات الرئاسية والتشريعية بالتزامن. وفي كلمته من داخل مقر البرلمان المصري، أكد صالح أن "الانتخابات هي الهدف لحل الأزمة الليبية، لكن يجب الاتفاق على القوانين المنظمة لها، وذلك بالاتفاق بين مجلسي النواب والدولة، وستصدر عنهما تلك القوانين، وحين تكون الأمور جاهزة من الناحية اللوجستية والأمنية، ستكون الانتخابات في أقرب الآجال".
وكشف المشري عن التوافق بين مجلسه والنواب بشأن مشروع الوثيقة الدستورية، باستثناء بند أو بندين، في إشارة إلى معضلة ترشيح العسكريين ومزدوجي الجنسية والمحكومين في قضايا جنائية.
وأشار إلى حدوث التوافق خلال جولات الحوار على وضع القوانين الانتخابية بتوافق تام بين المجلسين، وفي حال عدم حدوث ذلك تُعرض القوانين للاستفتاء وسماع رأي الشعب مصدر السلطات. وأضاف: "هذه المرحلة التي توصلنا إليها متقدمة جداً... وأنهينا بها الكثير من الجدل، واستطعنا بها وضع العربة على سكة الانتخابات للوصول بأسرع وقت ممكن".
وأكد رئيس البرلمان المصري دعم بلاده الجهود من أجل التوصل إلى تسوية سياسية تنهي الأزمة الراهنة في ليبيا، بما في ذلك التوصل إلى قاعدة دستورية للانتخابات.
الأمم المتحدة
وحتى مساء أمس كانت التكهنات تدور حيال ما إذا كان المبعوث الأممي إلى ليبيا عبدالله باثيلي مرحّباً بالاتفاق الجديد أم لا، كونه بذل جهوداً حثيثة خلال الأسابيع الأخيرة لجمع الفرقاء دون تحقيق نتائج إيجابية. وجاء بيان للبعثة للأممية ليوضح موقفها حيال ما صدر من اجتماع القاهرة، إذ حضّت المجلسين بقوة على الإسراع في التوصل إلى اتفاق كامل ونهائي، وصولاً إلى الانتخابات.
وجاء في البيان:
"أخذت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا علما بالبيان المشترك الصادر عن رئيس مجلس النواب ورئيس المجلس الأعلى للدولة بشأن مناقشاتهما في القاهرة. وتحث البعثة المجلسين بقوة على الإسراع في التوصل إلى اتفاق كامل ونهائي، بما في ذلك حول القضايا الخلافية، بغية استكمال الخطوات الضرورية لإجراء انتخابات وطنية شاملة ضمن إطار زمني محدد".
وأضاف: "تجدد البعثة التأكيد على أنه من واجب القادة السياسيين إبداء التزام حقيقي ومتواصل إزاء تحقيق سلام دائم، من خلال البناء على الاتفاقات السابقة لمجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، بهدف حل الأزمة السياسية عبر إجراء الانتخابات في أقرب وقت ممكن".
وأعادت البعثة "التأكيد على موقفها الصريح بأن هنالك حاجة ماسة إلى تسوية وطنية لإطلاق مسار واضح يفضي لتنظيم الانتخابات في عام 2023، والإعلان عن عهد جديد لليبيا ولجيرانها وللمنطقة. من المهم بالنسبة للشعب الليبي ومن حقه اختيار قياداته، واستعادة الشرعية لمؤسسات الدولة دون مزيد من التأخير".
وختم البيان: "تظل بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، اتساقاً مع ولايتها، على استعداد تام لدعم المبادرات المخلصة الهادفة إلى تحقيق توافق وطني يمهد الطريق لحل ليبي - ليبي للأزمة السياسية التي طال أمدها".
Posted byKarim Haddad✍️



