
هل يقود سلوك إيران المدمّر إلى تشكيل "ناتو شرق أوسطي"؟!
December 20, 2021
المصدر:
النهار
لا تُدار قواعد اللعبة من جانب واحد؛ فالمحللون يرون أن السياسة التي اتبعها الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب هي ما قادت إيران إلى اتباع سياسة "خفض الالتزام النووي" إلى درجة الاقتراب من العتبة النووية.
وهو ما وضع إسرائيل في مرحلة تاريخية خطرة تشعر فيها بالتهديد الوجودي بسبب نووي إيران؛ لدرجة أن رئيس الوزراء السابق، بنيامين نتنياهو، الذي دعم ترامب، يواجه حالياً الاتهامات داخل إسرائيل بأن سياسة "الضغط الأقصى" من العقوبات لم تأت إلا بمزيد من مستوى تخصيب اليورانيوم ومخزونه في إيران.
بل إن الرئيس السابق لوحدة المخابرات العسكرية الإسرائيلية داني سيترينوفيتش، قال: "إننا ساعدنا المتطرفين في إيران في الوصول إلى غايتهم من خلال الهجمات المتكررة على المنشآت النووية؛ فإن كانت قد استطاعت أن تأخر برنامج إيران النووي لمدة قصيرة؛ لكنها دعمت المتشددين سياسياً ودفعتهم إلى تطوير قدرات إيران النووية، وهو ما بات يهدد استراتيجية الأمن الإسرائيلي".
إيران طرفٌ آخر
أيضاً، يجب النظر إلى الجانب الآخر، فإيران ليست وحدها من يتلقى الضربات؛ بل هي أيضاً تسددها، بما يدفع الجانب الآخر إلى تطوير سلوكه تجاهها. وهنا يدور الحديث عن ميليشياتها الموالية في المنطقة، التي باتت تهدد كل دول المنطقة، لا إسرائيل وحدها.
إن إيران، منذ حكومة الرئيس حسن روحاني، وهي تريد تحييد منطقة الخليج عن دخول أي قوة أجنبية فيها بعد الخروج الأميركي، وذلك من خلال مبادرة الأمن الإقليمي التي قدمتها تحت عنوان "مبادرة هرمز للسلام"؛ لكن استمرار سلوك "فيلق القدس" التخريبي في المنطقة، يدل على أن طهران تبحث عن مبادرة أمنية تكون لها الكلمة العليا فيها.
وعلى ذلك، يتحتم الآن الحديث عن تشكيل "ناتو شرق أوسطي" لمواجهة التهديدات العسكرية والتخريبية التي باتت تهدد منطقة الشرق الأوسط.
ويعزز الحديث عن فرضية تشكيل هذا الناتو، الآتي:
إعادة التموضع الأميركي في المنطقة والعالم، والحاجة الشديدة لسد الفراغ الأمني بعد ذلك.
أيضاً، الحاجة لإيجاد قوة إقليمية أوسع من القوة الخليجية الموحدة؛ وذلك لتجاوز الخلافات الإقليمية والخليجية التي ظهرت خلال التحالف العربي في اليمن. فإذا نجحت سياسة "الدبلوماسية الاقتصادية" المتبادلة بين إيران والخليج، وعادت العلاقات إلى طبيعتها؛ فلا بد من وجود قوة قادرة على عدم منح إيران اليد العليا في منطقة الخليج. ليصبح الأمر أشبه بقوة الحلف الأطلسي في مواجهة التهديدات الروسية.
وكذلك، مؤشرات السلوك الإيراني خلال محادثات فيينا؛ فلا حديث عن نتائج حتمية حتى الآن. وإن وقع اتفاق مع إيران فلن يضمن معالجة بقية الملفات الأخرى، وأهمها ملف الصواريخ البالستية والتهديدات الإقليمية. وما زالت إيران تراوغ في هذه المفاوضات للحفاظ على المكتسبات النووية التي حصّلتها خلال فترة عودة العقوبات، وتريد التفاوض على مسألة تجميد عتبتها النووية التي تجاوزت تخصيب اليورانيوم إلى مستوى 60%، باسم الاستفادة منها في المجالات السلمية. وهو ما لا يروق لأحد من دول منطقة الشرق الأوسط؛ لأن إيران تسعى إلى تحقيق ما يُسمى في نظرها "معادلة التوازن النووي" في الشرق الأوسط؛ بحيث لا تتفرد إسرائيل بالقوة النووية وحدها.
إن إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن يمكن أن تقبل التفاوض على رفع العقوبات المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني إذا ما عادت إيران إلى اتفاق 2015؛ لكنها لن تقبل برفع العقوبات المتعلقة بالبرنامج الصاروخي والتهديدات الإقليمية، وهما الملفان اللذان دفعا ترامب للخروج من هذا الاتفاق. ولذلك؛ لا يمكن الحديث عن سلام واطمئنان كاملين تجاه سلوك إيران، ما دامت تدعم ميليشياتها الحوثية في اليمن، وتستخدم "حزب الله" في لبنان كمحطة لإدارة عملياتها الخارجية، وتستخدم ميليشياتها في العراق للتأثير في قرار الحكومة هناك.
إن المفاوضات في فيينا ما زالت تقوم على مفهوم "تضييع الوقت"؛ فقد ذهب المفاوضون إلى استراحة قصيرة، واتفقوا على نص مشترك للتفاوض حول إحياء بنود اتفاق 2015. لكن لم يتوصلوا إلى نتيجة ملموسة؛ وهو ما يكشف أن إيران تتبع سياسة غامضة ومربكة؛ لا تريد الإسراع في حل قضاياها النووية، ومن ثم الإقليمية، بما يساعدها على التفاعل الاقتصادي مع دول المنطقة. حتى أن الجانب الأميركي، كما جاء على لسان مستشار الأمن القومي الأميركي جيك سوليفان، ما زال يعتبر أن المفاوضات مع إيران لا تسير على ما يرام، وأن الوقت بدأ ينفد.
نحو "ناتو شرق أوسطي"
إن الموقفين الأميركي والإسرائيلي من النووي الإيراني سيكونان الداعم الأساسي لتشكيل مثل هذا التحالف العسكري؛ إذ إن واشنطن ما زالت تصر على الدبلوماسية في معالجة ملف إيران النووي، وهو ما يضعها في خلاف مع تل أبيب. لكن واشنطن تضع في الاعتبار المخاوف الإسرائيلية، لكنها تختلف معها في طريقة المعالجة.
وما زالت واشنطن تضع مسألة التهديدات الإقليمية من جانب إيران في دائرة أولوياتها، والهدف هو التوصل إلى صيغة ثابتة ومستقرة لأمن الشرق الأوسط. إذ ما زالت تحاصر طهرانَ بالعقوبات في ما يتعلق بالطائرات المسيّرة والبرنامج الصاروخي وتمويل الميليشيات الخارجيةودعمها.
وبالنسبة الى إسرائيل، فهي تقوم باستعدادات عسكرية إذا ما احتاجت إلى مهاجمة إيران، في حالة فشل الاتفاق النووي وتحصلت على سلاحها النووي أو اقتربت منه. لكن إسرائيل عملياً، وأمام جدية التهديدات الإيرانية، عاجزة عن توجيه ضربة خاطفة لإيران؛ بسبب عجزها عن تحييد الميليشيات الموالية لها، والتي تضع إسرائيل في مرمى صواريخها. فضلاً عن عجز إسرائيل وفشلها كل هذه السنوات في القضاء على إرادة إيران النووية. ومن هنا، فهي في حاجة إلى التعايش النووي مع إيران، ولا سبيل لذلك إلا بوجود مظلة "ناتو شرق أوسطي".
ويمكن فهم النظرة غير المتفائلة التي تحملها السعودية تجاه محادثات التقارب مع إيران، والتي وجدتها الرياض غير كافية لحل كل الملفات، وأن طهران ما زالت تريد أن تدير لعبة التفاوض من جانبها وحدها؛ والمشهد في اليمن خير دليل على ذلك، فما زال الحوثيون يطلقون غاراتهم وتهديداتهم على المدن السعودية، رغم هذه المحادثات.
بالإضافة إلى الجولة الخليجية التي قام بها ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، والتي شملت سلطنة عمان والإمارات وقطر والبحرين والكويت. يمكن فهم ذلك بأن السعودية تريد أن تقود منطقة الخليج إلى مصير اقتصادي وأمني واحد، حيث لا بد من تفعيل "الدبلوماسية الاقتصادية" من أجل تجاوز الخلافات؛ لمواجهة الأزمات الاقتصادية التي تهدد استقرار هذه المنطقة. ولا بد أيضاً من صوغ رؤية أمنية مشتركة تجاه تهديدات المنطقة، والتي قد تتبلور تحت مظلة ناتو "شرق أوسطي"؛ في ظل الحاجة إلى إسرائيل لتحقيق التوازن في القوة أمام إيران.
والتحرك نحو "ناتو شرق أوسطي" يأتي من الإصرار الأميركي على إعادة إيران إلى دائرة الحلفاء؛ فإما أن تغيّر طهران سلوكها وتعود شريكاً إسراتيجياً لواشنطن، وإما أن تواجه مصيرها بأن تصبح "ضحية كبرى". وكلا المصيرين يفرضان وجود هذا التحالف العسكري الذي سيحل مشكلة إسرائيل أيضاً، التي هي أيضاً حليف للولايات المتحدة تجب حمايته.
المحصّلة
إن سلوك إيران الذي تعتبره بمثابة رد فعل طبيعي على السياسة الأميركية تجاهها، قد يدفع القوى الإقليمية أيضاً إلى سلوك مضاد، وهو تشكيل "ناتو شرق أوسطي" يضمن لإسرائيل المشاركة في هذا التحالف العسكري.
إن موقف مصر إذا لم يتم تجاوزها، هو المحدد لنجاح صيغة هذا التحالف "الشرق أوسطي" أو فشلها؛ إذ لا تريد القاهرة أن تنحصر مهمة تحالف كهذا على إيران؛ بل أن يمتد إلى مواجهة تهديدات إقليمية أخرى، في منطقة البحرين الأحمر والمتوسط وشمال أفريقيا.
المصدر: النهار العربي
يوسف بدر
Posted byTony Ghantous✍️


