
نقاش دستوريّ على قانون مريض... السلطة رمت نفسها في فخّ "الغالبية المطلقة"
October 29, 2021
المصدر:
النهار
شهدت جلسة مجلس النواب أول من أمس ما يشبه "الخبصة الدستورية" والقانونية، على خلفية التعديلات على #قانون الانتخاب، وتداخلت السياسة بالدستور لتخرج بـ"خلطة" مربكة، للنواب والناس، وتضع الانتخابات النيابية برمّتها على المحك، خصوصاً أنّ المهل باتت ضيقة جداً.
بدا واضحاً في مناقشات النواب الارباك في شأن موعد الانتخابات، الذي لا يحقّ لمجلس النواب تحديده، بل هو من مهمّة السلطة التنفيذية حصراً، بين مَن يصرّ على أنّ تحديد الموعد يلزم الحكومة بإجرائها في تاريخ يحدده المجلس، وبين مَن يؤكّد أنّ ما يصدره مجرّد توصية لا تلزم الحكومة التي عليها أن تحدد الوقت الذي تراه مناسباً ضمن المهل الدستورية لانتهاء مدة المجلس. وحتى انتهاء الجلسة بقيت كل فئة على موقفها.
أمّا الخلاف الأبرز فكان على عدد الأكثرية المطلقة في ظلّ مجلس مبتور، و11 مقعداً فارغاً، وهنا كثرت النظريات، الدستورية والقانونية، واشتعلت بين مؤيّد لاحتساب النواب شاغلي المقاعد، وبين عدد أعضاء المجلس بشكل عام بغضّ النظر عن الاستقالات أو الوفيات.
رئيس مجلس النواب #نبيه بري قاد الرأي الذي يؤكّد أنّ عدد النواب يُحتسب بشاغلي المقاعد وليس بالمقاعد نفسها، وعاد إلى واقعتَي انتخاب الرئيسين بشير الجميل ورينه معوض، فيما تمسّك نواب "التيار الوطني الحرّ" برأي أنّ الغالبية تُحتسب بعدد النواب الذين يتشكل منهم المجلس، ودعمهم بعض النواب المستقلين والنائب سمير الجسر الذي عاد وصوّت مع توصية احتساب النواب وليس المقاعد.
في هذا السياق، يرى المحامي الدكتور بول مرقص رئيس مؤسسة "جوستيسيا" الحقوقية والبروفسور في القانون، أنّ "نص المادة 57 من الدستور المتعلق بمصادقة الغالبية المطلقة النيابية، أي مجموع ما يتألف منهم مجلس النواب قانوناً، أو عدم مصادقتهم على القانون الذي أقرّوه سابقاً وردّه رئيس الجمهورية، هي بمثابة أكثرية موصوفة، وُضعت خصيصاً لضمان الحدّ المعقول واللازم والجدّي الذي يضمن ردّ أو مصادقة النواب على القانون موضوع اعتراض رئيس البلاد، وهو يأخذ في الاعتبار مقام رئاسة الجمهورية، بما يعني الردّ على ما أتاه من رئيس الجمهورية من طلب إعادة نظر بقانون لا يجوز أن يُعاد النظر به بالأكثرية العادية التي كان أقِرّ بها".
ويقول لـ"النهار": "لذلك جاءت هذه الأكثرية لإعادة النظر، ليست أكثرية عادية إنّما غالبية مطلقة، والغالبية المطلقة (majorité absolue)، تختلف عن الأكثرية العادية في أنها تُحتسب على أساس مجموع أعضاء المجلس النيابي زائداً واحداً كما هو نص المادة 57 من الدستور".
ويضيف: "هذا يخالف النصّ الذي كان سائداً في دستور 1926، حيث كانت العبارة تنصّ على مجموع الأعضاء العاملين في المجلس، وليس مجمل الأعضاء الذي يتألف منهم المجلس، وهذا تأكيد أنّ إرادة المشترع الدستوريّ قد انصرفت إلى وضع أكثرية موصوفة عليا تتعامل مع موقف الرئيس في ردّ القانون، ولو كان مجلس النواب خلال الأحداث، وتحديداً مع مطلع هذه الأحداث، قد بادر إلى تفسير عبارة الغالبية المطلقة على نحو مخفف لا سيما في محضر في جلسته النيابية تاريخ 29 أيار 1980 حيث اعتبر أنّ الغالبية المطلقة تحتسب على أساس عدد النواب الأحياء الحاضرين او المتغيبين من دون المتوفين".
ويعتبر أنّ "هذه كانت من باب الحلول الفضلى لمواكبة مرحلة الحرب اللبنانية واقعياً بسبب تآكل وتناقص عدد النواب آنذاك، كذلك إذا عدنا إلى تفسير المجلس عام 1972 الذي جاء على هذا النحو أيضاً تحت هذا الضغط، أي تآكل وتناقص العدد، وإلّا ماذا يفسر رجوع مجلس النواب في 8 آب 1990 بموجب القانون الرقم 11 عن تفسيره هذا، حيث اعتبر أنّه "وبصورة استثنائية وإلى حين انتخاب مجلس النواب الجديد، يعتبر أعضاء مجلس النواب، هم الأعضاء الأحياء"، وبالتالي هذا تأكيد إضافيّ أنّ المخرج السابق سواء عام 1976، أو عام 1980 كان مخرجاً انتقالياً موقتاً بسبب هاجس تضاؤل العدد النيابي إبّان الحرب".
ويتابع: "لذلك إنّني أذهب إلى التفسير الآمن والأمين لنص المادة 57 من حيث إنّ الغالبية المطلقة تعني نصف عدد النواب الذين يتألف منهم المجلس، أي 128 مقسومة على اثنين، زائداً واحداً، وأعيد التأكيد أنّ المشترع الدستوريّ أراد مقابلة الردّ الرئاسيّ بما يتجاوز الغالبية العادية التي تُشترط عادة للقوانين، وهذه تحفظ ما تبقّى من مكانة الصلاحية التي حُفظت لرئاسة الجمهورية ولا يمكن تفسيرها على نحو يؤدّي إلى مزيد من التفريط بصلاحيات الرئيس، وهي غير مرتبطة بشخصه، ويصقلها مجلس النواب حين يعتمد غالبية عليا".
ويشير إلى أنه "إذا اعتمدنا الأكثرية العادية، يكون في ذلك خفّة، وأنا أربأ بأن يكون المشترع الدستوري قد ذهب إليها في مقابلة ردّ الرئيس للقوانين، وبهذا ألتقي مع مضمون قرار هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل، الصادر في 20 كانون الثاني 1988".
وفي ما خصّ جلسة الأمس تحديداً، ورغم عدم موافقته على ردّ رئيس الجمهورية ببعض مواده، يقول مرقص: "لا يمكننا تحميل النصّ اخطاءنا، أي عدم ملء الشغور في المقاعد النيابية، وهو بسبب ذاتي، كان يمكن تفاديه، حيث انه ليس هناك قوة قاهرة، وبالتالي من غير الجائز مكافأة هذا الامر بإنقاص عدد الاكثرية المطلقة المطلوبة، وإلا لأصبح تشجيعاً على تقاعس السلطة التنفيذية عن إجراء الانتخابات".
وعمّا يمكن أن يحدث لاحقاً وخيارات الرئيس حيال الاقرار الذي حصل عبر مجلس النواب، يؤكّد مرقص: "لم يعد لرئيس الجمهورية خيار بموضوع إصدار القانون لأنه سيصدر بمعزل عن إرادة الرئيس، إلّا أنه وأسوة بالمراجع الأخرى، ومنها النواب العشرة، له أن يطعن بالقانون أمام المجلس الدستوريّ خلال 15 يوماً من النشر، ولهذا الأخير مهلة تقارب الشهر حداً أقصى لإبطال القانون المشكو منه كلياً أو جزئياً".
وبحسب المرجع القانونيّ أنه "إذا استنفدت المراجع المعنية بالأمر ومنها رئيس الجمهورية أو النواب العشرة الذين يمكن أن يطعنوا بالقانون، المهل المعطاة لهم، أو ذهب المجلس الدستوريّ إلى إبطال القانون وعاد المجلس النيابي لإصدار قانون معدّل تبعاً لإبطال المجلس الدستوري، حينها تصبح الانتخابات في خطر التأجيل وقبل ذلك المهل المترابطة والمتلاحقة التي تضيق هي الأخرى".
ويختم: "الأهم من كل ذلك هو أننا نكون قد خرقنا مهلة أساسية هي المهلة المعقولة (délai raisonnable) التي يجب تركها للمرشحين والناخبين لمعرفة قانون الانتخاب الذي يصار إلى الاقتراع على أساسه بما يحفظ الاستقرار التشريعي الانتخابي، بمجرّد هذا التخبط في نهائية القانون، أيضاً سيؤدّي إلى عدم أمان تشريعيّ (insécurité juridique)، وعدم ثقة بالتشريع الانتخابيّ، وهذه تُعتبر من المناخات السلبية التي تضاعف الاقتراع السلبيّ، أي مقاطعة الناخبين بسبب عدم ثقتهم بنزاهة الانتخابات التي تبدأ مع الاعمال التحضيرية للانتخابات وليس يوم الاقتراع فحسب".
المصدر: "النهار"
اسكندر خشاشو
Posted byTony Ghantous✍️



