
مهرجان القاهرة السينمائي بين تأليه المخرج والحط من شأن الممثّل
December 11, 2021
المصدر:
النهار
القاهرة - هوفيك حبشيان
انطلقت في أواخر الشهر الماضي، الدورة الثالثة والأربعون ل#مهرجان القاهرة ال#سينمائي التي أقيمت من ٢٦ تشرين الثاني إلى ٥ كانون الأول. أفلام وندوات وضيوف ودروس سينما شقت طريقها إلى العاصمة المصرية التي اعتادت احتضان هذا الحدث الثقافي والفني منذ سبعينات القرن الماضي ويستمر في بث ثقافة الشاشة في مصر. عقدت الدورة هذه في ظل الحديث عن متحورات جديدة تنتشر في العالم، الأمر الذي يثير المخاوف والريبة، الا ان المهرجانات سواء في مصر أو في العالم بدأت تتأقلم مع الوباء. فالحياة الثقافية لا بد ان تستمر، ويكفي بعض الاجراءات الاحترازية التي لا تتجاوز عتبة الشكليات كي يشعر الإنسان بأنه في آمان.
تمثّل الحدث الأكبر لهذه الدورة في اسناد رئاسة لجنة التحكيم إلى المخرج الصربي الكبير امير كوستوريتسا الفائز بـ"سعفتين" في مهرجان كانّ والمشهور في العالم أجمع بأفلامه المغايرة مثل "زمن الغجر" و"أندرغراوند". حضوره أعطى زخماً للتظاهرة، علماً انه يخلف الروسي ألكسندر سوكوروف الذي تبوأ العام الماضي المنصب نفسه. بدا كوستوريتسا كنصف آله يمشي في أروقة فندق الماريوت ودار الأوبرا، فيما العديدون يطاردونه للفوز بصورة "تاريخية" معه.
في ليلة الافتتاح، الجمعة الماضي، كرّم المهرجان بجائزة الهرم الذهبي التقديرية، الممثّلة الاستعراضية المصرية نيللي التي كتبت عنها الناقدة ماجدة خير الله مقالاً عنونته بـ"كوكتيل المواهب الفنية". مصري آخر كُرِّم في القاهرة، هذه المرة بجائرة فاتن حمامة للتميز: الممثّل كريم عبد العزيز. اسمان من خارج مصر انضما إلى المكرمين: الموسيقي الهندي الشهير أ. ر. رحمن الذي وضع الموسيقى التصويرية للعديد من الأفلام، منها "المليونير المتشرد" لداني بويل، والناقد الفرنسي تييري فريمو، المدير الفني لمهرجان كانّ السينمائي. "القاهرة" قدّم أيضاً ندوات وماستركلاسات عدة، أبرزها مع أ. ر. رحمن وكوستوريتسا، بالاضافة إلى واحدة مع روبرتو مينيرفيني، مخرج إيطالي برع في المجال الوثائقي طوال السنوات الأخيرة.
المسابقة الدولية للمهرجان تضمنت ١٥ فيلماً. أفلام من سلوفاكيا، إيطاليا، مصر، فرنسا، تونس، ألمانيا، الأردن وغيرها من البلدان. كون النظام الداخلي للمهرجان لا يسمح بأفلام تتسابق في القاهرة كان سبق ان عُرضت في مسابقات مهرجانات أخرى، فهذا يعني ان المسابقة عموماً مستواها متوسط، علماً ان اكتشافات بين الحين والآخر داخل المسابقة ممكنة لا بل ممكنة جداً. قسم "خارج المسابقة" ضم ١٤ فيلماً وانطوى على تجميع أفلام عُرضت في عدد من المهرجانات الدولية الكبيرة مثل كانّ وبرلين وفينيسيا. شاهدنا في هذا القسم "دار غوتشي"، أحدث أفلام البريطاني ريدلي سكوت، وهو عمل استهلاكي ممل للأسف رغم ساعة أولى مسلية (الفيلم مدته ساعتان وأربعون دقيقة). من الأعمال المهمة أيضاً في هذا القسم، اقتباس أدبي لرواية موراكامي في عنوان "سوقي سيارتي"، أخرجه الياباني ريوسوكي هامغوشي.
أفلام مسابقة آفاق السينما العربية، وهي قسم تنافسي، عددها ١١، من العالم العربي كما يشير اليه العنوان. اللافت ان ثلاثة أفلام لبنانية شاركت في هذا القسم: "دفاتر مايا" لجوانا حاجي توما وخليل جريج، "فياسكو" لنيكولا خوري، و”النهر” لغسان سلهب. الفيلم الأخير كان شارك في مهرجان لوكارنو الصيف الماضي، الصفة التي يتشاركها مع "أطياف" للتونسي مهدي هميلي المعروض في هذا القسم أيضاً. تبقى فقرة "مسابقة أسبوع النقّاد الدولية" التي يديرها الناقد أسامة عبد الفتاح وكان فيها سبعة أفلام رهن الاكتشاف.
المهرجان افتتح بالفيلم الأرجنتيني "مسابقة رسمية" (هذا عنوانه)، من اخراج الثنائي السينمائي غاستون دوبرات وماريانو كون. خلافاً لعنوانه، الفيلم غير معروض في المسابقة الرسمية للقاهرة، بل عُرض في مسابقة مهرجان البندقية السينمائي الأخير. يسعني القول اننا ازاء واحد من أكثر الأفلام سخريةً وظرافةً عُرض هذا العام، بالرغم من عدم إعجابي به لأكثر من سبب أحاول تناوله هنا. فهذا الفيلم الجديد، هو، شئنا أم أبينا، اعادة تدوير للفيلم السابق ("المواطن الفخري") الذي أنجزه المخرجان. كلّ ما نراه هو استبدال الأدب بالسينما، والكاتب بالممثّل. في الفيلم السابق، تعرفنا إلى كاتب فائز بجائزة نوبل، يحاول التعامل مع موضوع الشهرة على طريقته خلال اقامته في قريته. هنا الموضوع هو الإيغو والممثّلان اللذان يتصارعان في موقع التصوير، لكن المخرجين لم يوفقان كثيراً. لعل مشكلة الفيلم الأساسية هي في سعيه المتواصل إلى ان يكون مختلفاً. هذه الرغبة في التميز كثيراً ما تأتي بمفعول عكسي. يبدأ الفيلم مع مشهد لرجل أعمال ملياردير في الثمانين من العمر، جمع ثروته من تجارة الأدوية، يقرر فجأة اعطاء معنى جديد لحياته بعد شعوره بأنه لن يترك الكثير خلفه. يعتقد ان السينما قد تصنع له بعضاً من البرستيج الاجتماعي… اذاً هيّا بنا نصوّر أفلاماً. لا يريد فيلماً عادياً، بل يريد انتاجاً كبيراً بممثّلين كبار يجعله صاحب شأن بين أقرانه، علماً انه شبه أميّ ولا يفقه أي شيء في أي شيء. يشتري "صديقنا" حقوق رواية فائزة بـ"نوبل"، ويسلّمها لمخرجة غير تقليدية تُدعى لولا كويفاس (بينيلوبي كروز) قيل له بأنها الأكثر موهبة بين بنات جيلها. هذا الفصل من الفيلم الذي يتجسّد في تيمة "شخص جاهل يحشر أنفه في ما لا يفقهه"، يموت بسرعة ليولد منه شيء آخر: الكيفية التي يعمل فيها الممثّلون خلال التصوير. الجمهور يرى العمل النهائي عندما يصبح على الشاشة، ولكن يجهل تماماً من أي أزمات وجودية ومهنية ونفسية تولد هذه الأعمال. ولأن الممثّلين هم لوحة يرسم عليها المخرجةن أهواءهم، هم في الواجهة، وهم بالتالي موضوع شائق يستحق تناوله في عمل ساخر كهذا. تختار المخرجة الممثّلين فيليكس ريفيرو (بانديراس) وإيفان تورّيس (أوسكار مارتينيز) للاضطلاع بدور شقيقين متناحرين بسبب حادث سير تسبب به أحدهما وأودى بحياة والديهما. اللقاء بينهما سيكون مناسبة لشد حبال لا ينتهي ومتعب أحياناً لكلّ من المُشاهد والممثّلين. أحد مسببات هذا الصراع هو انتماء كلّ منهما إلى مدرسة مختلفة على المستويات كافة، من كيفية التعامل مع الدور إلى مقاربة الجمهور فالرؤية للعالم. فيليكس اختبر هوليوود بعدما عاش وعمل فيها، وله قناعاته الخاصة، ما يتعارض شكلاً ومضموناً مع نمط عمل إيفان الآتي من المسرح وصاحب النظريات الأكثر راديكاليةً. الا ان أفعالهما وكلامهما على درجة غير مسبوقة من الإيغو وانعدام الثقة في الذات. هذا كله سيتيح المجال للعديد من المواجهات المضحكة، خصوصاً في مشاهد التمارين التي تسبق التصوير. هذه المشاهد تتأرجح بين الضغط النفسي والمحاكاة الكاريكاتورية. وليس تفصيلاً بسيطاً ان الاستعدادات للتصوير تجري في المقر ذي الطراز الهندسي المستقبلي الذي تعود ملكيته للمنتج الثري، علماً انه في الأصل مقر مؤسسة خيرية. المبنى مكان بارد، يتعايش فيه الزجاج والاسمنت. هو بقعة جغرافية لا تفيد للكثير.
من الصعب اعتبار الفيلم تكريماً لمهنة الممثّل. مع ذلك، لا تقع نيات المخرجان خارج هذا الاطار كثيراً. صحيح ان الفيلم يمرّغ الممثّلين في الوحل، لكنه، في المقابل، ينظر اليهما بشيء من الحنين لا القسوة. النقد اللاذع لا يتعارض في الثقافة الغربية مع رد الاعتبار إلى الشخص المنتقَد. مثلما لا تتناقض السخرية مع الحب والاحترام. حتى المشاهد القاسية التي تحض نوعاً ما على "كراهية" هؤلاء الممثّلين لا تعني الكثير. كلّ ما في الأمر انها ترينا ان هؤلاء الذين من المفترض انهم يجعلون الجمهور يحلم، هم أول مَن يقعون في الاسفاف والتفاهة. في أحد مَشاهد الفيلم، تتلف المخرجة الجوائز التي نالها فيليكس وإيفان على امتداد حياتهما المهنية. هذا التلف لعله أجرأ ما في فيلم تسابق على احدى جوائز مهرجان البندقية يوم عُرض فيه في أيلول الماضي. الا ان العلّة الأساسية في هذا الفيلم، ان لا جديد تحت الشمس، بالرغم من ادعائه عكس ذلك. سلوك المشاهير المريبة ونزعتهم إلى الغرور من الأشياء المستهلكة في العديد من الأفلام. تُضاف إلى العلة الأولى، صعوبة ان نصدّق ان شخصية المخرجة حازت "سعفة ذهب" في مهرجان كانّ السينمائي. المقربون من الوسط السينمائي، سيتعاطون مع الفيلم بحذر يتأتى من عدم قدرتهم على التماهي مع عالم زائف يحاول الفيلم اقناعنا بوجوده. في النهاية، لا يُمكن تحميل الفيلم أكثر ممّا هو، كونه ليس سوى سلسلة سكيتشات مسلّية وربما طريفة في بعض الأحيان.
المصدر: "النهار"
هوفيك حبشيان
Posted byTony Ghantous✍️
.jpg&w=3840&q=75)

