
مقتدى الصّدر... الكفّة الراجحة في المشهد السّياسي العراقي
December 1, 2021
المصدر:
أ ف ب
حينما يرفع سبابته ويعقد حاجبيه، يحبس العراق أنفاسه. ما زال الزعيم الشيعي مقتدى الصدر المتهم بأنه سريع الغضب، يحتفظ بهالة كرجل دين، وبدور يشكل الكفة الراجحة بالتوازن السياسي في البلاد.
وأثبتت النتائج الرسمية للانتخابات التشريعية التي جرت في تشرين الأول (أكتوبر) في العراق، والتي صدرت اليوم الثلثاء، أنّ الصدر ما زال يتمتع بقاعدة شعبية واسعة، إذ فاز تياره بالكتلة الأكبر في البرلمان (73 مقعدا).
وبالتالي، سيكون رجل الدين المعمّم أكثر من أي وقت مضى، اللاعب الذي لا يمكن تفاديه في المفاوضات المقبلة لتشكيل حكومة في العراق.
وحقّق "التيار الصدري" تقدّماً ملحوظاً، من 54 نائباً في البرلمان السابق إلى 73 في البرلمان الجديد، من أصل 329.
وأطلق مقتدى الصدر عبر منصة "تويتر" رسائل سياسية عديدة ترافقت مع المفاوضات للتأسيس لتحالفات سياسية مع قوى أخرى. وعلى الرغم من أن له صلات وعلاقات في إيران، لكن تثير تعليقاته غالباً غضب أولئك المقربين من طهران.
وهو لا يتردد في المطالبة مثلا بحل "الميليشيات"، وبدعوة أنصار الحشد الشعبي، الفصائل الموالية لإيران التي رفضت نتائج الانتخابات، بعدما سجلت كتلة "الفتح" الممثلة لها تراجعاً كبيراً، إلى وقف الضغط.
وقال في تغريدة أخيراً: "لا ينبغي التدخل في عمل القضاء والمحكمة وفي تصديقها على النتائج التي يريد البعض تغييرها، ليتمكنوا من تعطيل حكومة الأغلبية التي استاؤوا من بوادر إشراقتها".
"احتلال الشارع"
ويعتمد الصدر على دعم جمهور لا يستهان به من الطائفة الشيعية، أكبر المكونات في العراق.
ويشرح الباحث في مركز "واشنطن إنستيتوت" حمدي مالك أنّ الصدر "قادر على احتلال الشارع، وليس لأحد القدرة على منافسته في هذا الميدان".
ويضيف أنّ الصدر "هو الشخصية المحورية في تياره، وهذا أمر مهم في العراق"، حتى لو أنه أحياناً يناقض نفسه ويبدّل مواقفه بين يوم وآخر.
وأرسل الصدر الآلاف من مناصريه إلى الشارع خلال الاحتجاجات الشعبية في تشرين الأول (أكتوبر) 2019، لدعم المتظاهرين المطالبين بتغيير الطبقة السياسية الفاسدة. لكنه سرعان ما دعا مناصريه لمغادرة الشارع... ليدعو بعد ذلك إلى "تجديد الثورة الإصلاحية السلمية".
ويشير الخبير في التيارات الشيعية في جامعة "أرهوس" في الدنمارك بن روبن دكروز إلى أنّ الصدر "يحاول موضعة نفسه في مركز النظام السياسي، مع أخذ مسافة منه في الوقت نفسه. موقعه كرجل دين يتيح له أن يوهم بأنه أكبر من السياسة".
وشكّلت ملفات مكافحة الفساد وإعادة إعمار العراق مواضيع حملته للانتخابات التشريعية المبكرة، فيما لعب أيضاً على الوتر الوطني.
"تسوية"
ولد الصدر عام 1974 في الكوفة، قرب مدينة النجف جنوب بغداد. وجهه مستدير ولحيته غزاها الشيب.
ينحدر من سلالة رجال دين شيعة، "أسياد (من نسل النبي محمد)"، كما يشرح حمدي مالك، لكن يردف أنّ "ذلك، وحده لا يكفي لتفسير مسيرته".
فهو ورث شعبيته الكبيرة من والده محمد صادق الصدر، أبرز رجال الدين الشيعة المعارضين للرئيس الأسبق صدام حسين الذي قتله مع اثنين من أبنائه عام 1999.
ومنح هذا النسب المرموق دفعاً شعبياً لمقتدى، فكان إحدى أبرز الشخصيات التي لعبت دوراً أساسياً في إعادة بناء النظام السياسي بعد سقوط صدام حسين عام 2003، وقاد إحدى أكثر الحركات الشيعية نفوذاً وشعبية في البلاد.
بدأت مسيرته بمعارك ضارية مع القوات الأميركية التي اجتاحت العراق عام 2003، وصولا الى نزاع حاد مع رئيس الوزراء الشيعي نوري المالكي الذي حكم البلاد بين عامي 2006 و2014.
حلّ بعد ذلك ميليشيا "جيش المهدي" المؤلفة من 60 ألف مقاتل، لكنه أعاد تفعيلها بعد اغتيال قائد "فيلق القدس" في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني مطلع عام 2020 في ضربة عسكرية أميركية في بغداد.
تبقى علاقة الصدر مع إيران إحدى أكثر المسائل إثارة للجدل. وفيما تبنى في أعقاب احتجاجات عام 2019 خطاً قريباً من الحشد الشعبي الموالي لإيران، بات الآن يدافع عن خط أكثر "وطنية".
ويرى دكروز أنّ الصدر "يسعى إلى تسوية مع إيران تسمح له بمنافسة حلفائها على الساحة السياسية مع الخروج في الوقت نفسه عن نطاق سطوتهم"، لكن طهران "لا ترى في الصدر شخصاً يمكن الاعتماد عليه".
ورغم أن شخصيته تحفل بالتناقضات والتقلبات، لكن الجميع، حتى معارضوه، يقرون بأنه لا يزال يحتفظ بقاعدة شعبية قوية تستجيب له. ولا يتوانى هؤلاء عن ملاحقة منتقديه على مواقع التواصل الاجتماعي.
ويقول مالك: "لم يسمح لأحد بأن يطغى عليه على رأس الحركة، ولذلك غادرها كثر وطُرد منها كثر".
Posted byKarim Haddad✍️


