
مصاصة دماء نسوية إيرانية تنزع أنياب النظام الأبوي
November 2, 2021
المصدر:
النهار
زهرة خسروشاهي، زميلة ما بعد الدكتوراه في جامعة تورنتو تبحث في السينما الإيرانية وصناعة الأفلام النسائية.
حاز فيلم مصاصي الدماء "فتاة تمشي إلى المنزل وحدها في الليل " المصور بالأبيض والأسود، الذي أخرجته آنا ليلي أميربور عام 2014 على متابعة مجموعة يمكن وصفها بأنها "طائفة". وتدور أحداث الفيلم في مدينة أشباح إيرانية وهمية في مدينة باد سيتي (بالعربية: المدينة السيئة)، وتظهر في الفيلم مصاصة دماء شابة ترتدي الشادور وتتزلج على الألواح تُعرف فقط باسم "الفتاة"، تتجول في شوارع المدينة ليلاً لتتغذى على الرجال البغيضين.
للفتاة (التي تؤدي دورها شيلا فاند) أسنان مصاصي الدماء وهي تتمتع بقوى خارقة للطبيعة، وتُقوّض صورة المرأة المحجبة باعتبارها إنسانة خاضعة، وتقلب حالة الضحية التي يشير إليها عنوان الفيلم رأساً على عقب. إذ تسير هذه الفتاة وحيدة في الليل بلا خوف، بل هي التي يجب أن تُخشى، وهي حقيقة سيعلمها المشاهد مع سقوط الضحية الأولى.
قبل وقت قصير من ظهور "الفتاة" في الفيلم، نشاهد شخصيتين: سعيد (دومينيك راينز) وعطي (موزان مارنو) وهما يستقلان سيارة. يمثل سعيد دور القواد المبتذل المغطى بالوشوم التي لا معنى لها (مثل كلمة "جنس" المكتوبة على حنجرته و "القواد" على فروة رأسه). أما عطي، فهي عاهرة تعمل لديه، وهي ضحية لكل من سعيد والمجتمع الأبوي في باد سيتي. ويتخذ لقاؤهما مساراً عنيفاً عندما تطلب عطي حصتها من الأموال التي جنتها، فيرفض سعيد إعطاءها إياها، وبدلاً عن ذلك يسحبها بعنف خارج السيارة ويلقيها على الأرض، بينما تشاهد الفتاة لقاءهما وهي مختبئة في الظلام.
في المشهد التالي، تتبع الفتاة سعيد فيما يعود إلى شقته سيراً على الأقدام. ولم يقف الأمر عند عدم إبداء سعيد أي علامة على الخوف فحسب، بل أثار فضولها بدعوتها إلى منزله، مشيراً إلى رغبته في نزع حجابها. تعكس أميربور في هذا المشهد ديناميات القوة بين الفتاة والقواد، وتحطم صورة المرأة المحجبة كضحية وصورة القواد كحيوان مفترس (وهو موضوع يعززه ديكور منزل سعيد المملوء برؤوس الغزلان وجلد النمر). وعندما يقترب سعيد من الفتاة، تضع أصبعه في فمها بطريقة ذات إيحاءات جنسية.
يحدث بعد ذلك شيء غير متوقع: تبرز أنياب الفتاة، وتبدأ المرأة المحجبة "الطيبة" بمصّ الدماء من إصبعه، ثم تقضم الأصبع وتبصقه، تاركة سعيد الواثق من نفسه في حالة من الخوف والصدمة، ثم تهاجم ضحيتها وتقتله. هذه هي المرة الأولى التي يشهد فيها الجمهور تحول الفتاة إلى مصاصة دماء، ومن الواضح أنه ينظر إلى عنفها على أنه انتقام من عنف سعيد تجاه عطي، ما يؤكد، إلى جانب لقاءات أخرى في الفيلم، على أجندة مصاصة الدماء النسوية.
يُعدّ الشادور محور الأهمية البصرية لمصاصة الدماء هذه. إذ إنه يميز الفتاة بشكل واضح، ويعيد تعريفها على المسرح الدولي، ويمثّل رفضاً للصورة النمطية التي ترتبط غالباً بصورة المرأة المسلمة. وفي حين أن جسد الأنثى المسلمة عرضة على الدوام لارتداء الحجاب وخلعه، مُنهكاً بخطاب التحرر، تقدّم الفتاة شيئاً جديداً على الشاشة: شيئاً سحرياً ووحشياً ومتمرداً، حيث تجول بلا خوف في شوارع باد سيتي المظلمة على لوح التزلج الذي سرقته من صبيٍّ صغير، فتحطم الفتاة أي افتراضات بالشفقة تجاهها. ويسمح لها الحجاب، الذي يرفرف خلفها مثل رداء الأبطال الخارقين، بأن تظهر بمظهر القوة وأن تتخذ معنىً جديداً تماماً.
يتحدى الفيلم -مع غياب قيود الرقابة التي عادةً ما تحكم السينما الإيرانية- بعض المُثُل العليا للجمهورية الإسلامية. ففي مجريات الحياة في إيران ما بعد الثورة، يجب ترويض الأنوثة والجنس لدى المرأة والسيطرة عليهما، والحجاب هو الوسيلة التي تجري من خلالها محاولة ذلك.
ولكن ونظراً لطبيعتها، لا يمكن أبداً أن تؤيد الفتاة أو تروج لهكذا أيديولوجيات، إذ لا يمكن السيطرة على الفتاة أو ترويضها أو احتواؤها. فيقلب الفيلم رمزية الحجاب رأساً على عقب بعرض مصاصة دماء ترتدي الشادور على الشاشة، فتبرز أنيابها ويتقاطر الدم من فمها. إنها خطيرة ومحجبة وجنسية في آن واحد.
كما يقدم الفيلم لجمهوره الأميركي والغربي نظرة مختلفة عن المرأة المحجبة. فيُستخدم الشادور، باعتباره حجاباً خاصاً بإيران من الناحية الثقافية، لتحدي الافتراضات الغربية حول دور المرأة في المجتمعات الإسلامية.
يبدو الفيلم أميركياً من نواحٍ كثيرة. فعلى سبيل المثال، تعرّفنا المشاهد الافتتاحية بشخصية أراش (التي يؤديها أراش ماراندي) مرتدياً قميصاً أبيضَ وبنطال جينز، ويستقلّ سيارة من طراز فورد ثندربيرد الكلاسيكي، ما يستحضر النمط الجمالي لجيمس دين بشكل صريح. كما يترسخ الطابع الأميركي والغربي للفيلم بصورة أكبر من خلال موسيقى السباغيتي الغربية التي تُعزف في خلفية الفيلم كله. وتؤدي المؤثرات الموسيقية وظيفة نبض القلب للفيلم، فتضع هذا العمل ضمن الأعراف والتقاليد الأوروبية والغربية.
تستحضر شخصية أراش (على اليمين، ويؤديها أراش ماراندي) في الفيلم، الأسلوب الجمالي الكلاسيكي الأميركي على طريقة جيمس دين في فيلم (متمرد بلا قضية) لعام 1955.
تستعين أميربور من خلال الفتاة بالثقافة والسينما الأوروبية بوضوح. فهناك مشهد بارز لها في حوض الاستحمام بالكاد يحمل أي غرض سردي. وبدلاً من ذلك، فإن أهميته تكمن في إدخال الفيلم في حوارٍ مع نصٍّ غربي في أساسه، ليذكّر الجمهور بشخصية مصاص الدماء الكلاسيكية: دراكولا. وفي هذا المشهد، تنهض الفتاة ببطء، من أعماق مياه الاستحمام، لتذكرنا بشكل مخيف بدراكولا وهو ينهض من نعشه.
وفي الوقت نفسه، ومن خلال هذا المشهد القصير، تؤسس أميربور رابطاً بصرياً وموضوعياً بين دراكولا والفتاة، وتتحدى هوية دراكولا الأوروبية المميزة. وبذلك تضع المخرجة الفتاة في هذا العالم الأوروبي النمطي، لكنها تعطيها رموزاً بصرية وتعبيرات ولغة ومهمة خاصة بها.
يؤدي الشكل الهجين دوراً محورياً في الفيلم. فكما تحتل شخصية مصاص الدماء مساحة على عتبة الحياة والموت، فإن الفيلم أيضاً موجود ضمن مساحة حدّية بين عالمين. إذ تدور أحداث الفيلم الناطق باللغة الفارسية في إيران، ولكن تم تصويره في أميركا. ويتجلى هذا الإحساس بالتمركز في الوسط أيضاً في نوع الفيلم الذي يستعير قصص الرعب وموسيقى السباغيتي الغربية، وقصص البالغين، وحتى بعض الكوميديا. ويمتد ليشمل هوية المخرجة في الشتات بصفتها صانعة أفلام أميركية-إيرانية.
إذاً، فمصاصة الدماء التي تقدمها أميربور عبارة عن تجسيد لشخصية هجينة توجد في مكان ما بين المرجعية الثقافية لأميركا وإيران، وتقبع دائماً بين الحياة والموت.
عن فورين بوليسي
Posted byTony Ghantous✍️


