
مسيحيو دمشق يستعيدون تقاليد "الجمعة العظيمة" بـ"آمال القيامة"
April 16, 2022
المصدر:
النهار
عندما خرجنا من المنزل مع مغيب شمس يوم أمس الجمعة، كانت شوارع دمشق خالية كالمعتاد في مثل هذه الساعة من الأيام الرمضانية، حيث يتسابق الدمشقيون لحجز أماكنهم حول موائد الافطار قبيل سماع صوت الأذان ايذاناً بفك صيامهم الطويل.
لكن، ما إن دخلنا قوس باب شرقي في المدينة القديمة، حتى اختلف المشهد تماماً. فرق كشفية وموسيقية، ورهبان وكهنة وقساوسة، وجموع من المصلّين وحشود ومارة أجبرت المعنيين على اغلاق الشارع الرئيسي المؤدي إلى المكان والمسمّى بـ"الشارع المستقيم" بشكل كامل أمام السيارات.

لم ينقطع مسيحيو دمشق عن عبادات "الجمعة العظيمة" مع بعض التغييرات الاضطرارية في طقوس "درب الآلام" زمن الحرب. أما اليوم، وعلى الرغم من صمت المدافع، فإن صلواتهم النابعة من نفوس مثقلة ترتفع إلى السماء تضرّعاً لله لانفراج اقتصادي بات بالنسبة إلى البعض أهم من النجاة من الحرب نفسها.
البخور محى رائحة البارود والدماء
نشقّ طريقنا بين الجموع متّجهين إلى كنيسة القديس سركيس للأرمن الأرثوذكس الملاصقة لسور باب شرقي. على باب الكنيسة التاريخية الخارجي تستقبلنا سيدة متقدّمة في السن بابتسامة عريضة وذاكرة تتفوّق على تلك التي عندي بأضعاف، ترحّب بعائلتي من دون أن تغفل تذكيرنا بنبرة عاتبة بتأخّرنا، حيث خرج "الطابور" قبل وصولنا بدقائق.
و"الطابور" الذي تحدّثت عنه السيدة التي لم أفلح في تذكّر اسمها للأسف، وسلبني استقبالها الحار جرأة سؤالها عنه، هو الموكب الخاص بالجمعة العظيمة، حيث يسير الرهبان والمصلّين فيه كرمز لمسير المسيح على "درب الآلام" وصولاً إلى الجلجلة حيث تم صلبه، بحسب الإيمان المسيحي.

على الرغم من أن الكنيسة الأرثوذكسية الأرمنية هي جزء من الكنائس الشرقية وتتّبع التقويم الشرقي، حيث أنها تحتفل بعيد الميلاد في السادس من كانون الثاني (يناير) من كل عام، إلا أنّها تنضم إلى أخواتها الغربيات في عيد القيامة، في محاولة على ما يبدو لإرضاء الطرفين المنقسمين حتى في الفرح بميلاد المسيح وقيامته.
بخطى متسارعة نهّم إلى داخل الكنيسة الخالية، عدا من كبار السن، أو غير الراغبين في السير ضمن الموكب، الذي جرت العادة أن يلتفّ شارع "باب توما" الرئيسي قبل العودة إلى نقطة الانطلاق، مروراً، وللمصادفة الإلهية، بموازاة حارة اليهود، في الحي الدمشقي القديم، الذي سبق وأن شهد الاحتفال بأعياد الفطر والقيامة والفصح في اسبوع واحد ولمرّات عدة عبر التاريخ.
في الباحة، يروي العم أبو جورج، البالغ من العمر 72 عاماً، ذكريات "الجمعة العظيمة"، مستذكراً أصدقاء الطفولة وأولاد الحارة، الذين "تركوه وحيداً بعدما رحل من رحل منهم عن هذه الدنيا، وسافر من فضّل الهرب من معاناة الحرب أو نتائجها، وهم كثر" حسب تأكيده.
"لا يمكنك لوم أحد، حتى أولادي لم يعودوا بجانبي، الله يمد في عمر أم جورج وعمر الجميع"، ليصمت فجأة على وقع قرع اجراس الكنيسة المتواصل إيذاناً باقتراب الموكب، فيستطرد قائلاً: "في مثل هذا الوقت قبل 8 سنوات، كانت أصوات قذائف جوبر تغطي على قرع هذه الأجراس، الحمد لله أنها انتهت".

اضطر مسيحيو دمشق في أعوام الحرب إلى تغيير بعض طقوس "الجمعة العظيمة"، حسب ما يرويه أبو جورج وآخرون في الكنيسة، فقد "اقتصر مسير الموكب في عامي 2014-2015 بشكل خاص، على الالتفاف داخل الكنيسة" خوفاً من القذائف التي كان يطلقها المسلّحون المحصنون في أحياء الغوطة المواجهة لأسوار أحياء دمشق القديمة شرقاً، "لكن اليوم رائحة البخور أنست رائحة بارود القذائف والدماء الناتجة عنها"، بحسب الشاب ديكران العائد من الجيش حديثاً بعد تأديته للخدمة العسكرية لفترة تخطّت العشر سنوات.
موكب يليه آخر
مع وصول الموكب إلى أمام الكنيسة، تندفع القلّة الموجودة في الداخل نحو الشارع، لتكتشف أنّه عائد لكنيسة أخرى "فلكل كنيسة علمها الذي يدّل على ماهيتها" وفق جاك الستّيني، المتعمّق في اللاهوت وتاريخ الكنائس، ويقول: "في موكب درب الآلام، يتواجد العلم الكنسي، لكنه يكون منكساً تعبيراً عن الحداد".
على ألحان الفرقة النحاسية الكشفية الشجيّة يسير الموكب ببطء يتقدّمه نعش يستلقي فيه هيكل يجسّد المسيح المصلوب، وخلفه صفّ من الرهبان يتوسّطهم كبيرهم رتبة، يحييّ الجموع المتجمهرة على طرفي الموكب راسماً علامة الصليب في الهواء يميناً ويساراً، ومن خلفه جموع المصلّين السائرين.
تحاول فتاة سمراء رشيقة القوام، عشرينية العمر، متوسطة الطول، رفع هاتفها النقّال عالياً لتنقل الحدث لخطيبها المغترب حسب توقّعي، رغبة منها في احياء أجواء يبدو أنّه دأب على عيشها حتى الأمس القريب. يراقب الشاب، الظاهرة صورته على شاشة الهاتف المرفوع أمامي فوق رؤوس الحشد، الموكب بنظرات تمتزج بين السعادة والحسرة، قبل أن تعود إلى الحديث معه بكلمات غير مسموعة على وقع قرع الطبول.
ما أن يبتعد الموكب المذكور، حتى يطلّ الآخر العائد للكنيسة الأرمنية، يتقدّمه العلم السوري ويليه علم أرمينيا، وخلفهما الفرقة النحاسية التي تتقدم النعش المليء بالورود الملوّنة من دون هيكل المسيح، فـ"الكنيسة الأرثوذكسية الأرمنية لا تقوم بتجسيد حادثة الصلب والموت كغيرها، وذلك من منطلق عقائدي خاص بها" يوضح جاك "لذلك، النعش يكون عبارة عن ورود فقط".

يستقرّ النعش المحمول على أكتاف الشمامسة فوق عتبة باب الكنيسة الداخلي، ليمر المصلّون المحتشدون في الباحة أسفله بعد لمسه لنيل البركة على وقع صلوات رجال الدين المرافقين لهم، ومع مرور آخر مصلّ عبر النعش يتّجه الموكب نحو الهيكل مسدل الستارة. بعد انتهاء الصلوات، يتّجه المصلّون إلى النعش مجدداً فيقبّلون الكتاب المقدس الموضوع إلى جانبه، قبل الانصراف إلى منازلهم حاملاً كل منّهم وردة من داخل النعش.
"لم تكن الورود تكفي المصلّين سابقاً"، تقول صوصي، ربة المنزل الخمسينية، "لكن عدد الأرمن في دمشق اليوم لا يتجاوز ثلث ما كان قبل الحرب في أفضل الأحوال، الكنيسة بباحتها كانت تضيق علينا سابقاً، أما اليوم فالوضع مختلف، وأخشى ألا أرى تلك الحشود مجدداً".
ننصرف وفي حوزتنا وردتان من نعش يسوع، الذي يجد مسيحيي سوريا، كما غيرهم، في صلبه وموته وقيامته العزاء لآلامهم، والأمل بمستقبل خال من الأوجاع التي لم تنته بخمود نيران المدافع، في ظلّ واقع اقتصادي ضاغط. نسير في الأماكن ذاتها التي سار بها بولس الرسول، أحد تلامذة المسيح، يوماً، ليتعمّد على يد حنانيا الدمشقي. الفرق الموسيقية لا تزال تعزف ألحانها، والجموع متناثرة بين مصوّرين للفرق والأجواء ومرتادين للمطاعم والبارات على أرصفة "الشارع المستقيم"، التي تستعدّ لموسم عيدي القيامة والفطر المتتاليين.
المصدر: النهار العربي
سركيس قصارجيان
Posted byTony Ghantous✍️


