
مسارات نزاعات ثلاثة في الشرق الأوسط
December 14, 2021
المصدر:
النهار
في العام المقبل ستحكم مسارات نزاعات ثلاثة وكيفية تطورها، ولو اختلفت درجة الحدة بينها وعناصر كل نزاع بين هذه النزاعات المؤثرة كل منها بالآخر بدرجات متمايزة، الاجندة الفعلية للنظام الاقليمي في الشرق الاوسط في العام المقبل، وستحدد اولوياته الحقيقية وانماط العلاقات والتفاعلات في الاقليم ومع الخارج الدولي. الاول هو مسار المفاوضات للعودة الى الاتفاق النووي الايراني مع القوى الدولية الست المعروف بـ "خطة العمل الشاملة المشتركة"، الذي تم التوصل اليه في تموز 2015 ، والذي انسحبت منه الولايات المتحدة في ايار 2018 نتيجة الرفض الكلّي للرئيس الاميركي حينذاك للاتفاق في منطلقاته وأبعاده. الرئيس جو بايدن الذي يريد العودة الى الاتفاق ولكن مع "معالجة ثغراته" يشترط رفع العقوبات بشكل تدريجي عن ايران رابطا ذلك بسلوكية ايران بشأن الاتفاق، وتحديدا سد ما يُعتبر ثغرات تحاول ايران استغلالها للافلات مما يراه قيودا ضرورية لانجاح الاتفاق. من جهتها، تصر ايران على رفع كل العقوبات وتوفير ضمانة اميركية لعدم الانسحاب من الإتفاق مستقبلا، كما حصل مع ادارة الرئيس دونالد ترامب، وهو ما لا يمكن للادارة الاميركية، كما تقول، قبوله لاسباب قانونية وسياسية. تصعيد متبادل يعتبره بعض المراقبين جزءا من لعبة المفاوضات لتحصيل صفقة افضل قبل اعادة إحياء الاتفاق الذي تريده كافة الاطراف المشاركة رغم المطالب والمواقف المختلفة. يثير البعض المخاوف من ان ايران مضت ولو سراً في تخصيب اليورانيوم الى اعلى من نسبة العشرين بالمئة التي اعترفت بها من دون ان تحدد كمية اليورانيوم المخصب لهذه الدرجة التي تمتلكها. وهنالك تقارير تقول ان ايران وصلت الى تخصيب بنسبة 60 بالمئة، وانه صار من السهل الوصول الى نسبة التسعين بالمئة التي تضع من يمتلكها على عتبة انتاج سلاح نووي في فترة قد تراوح ما بين ستة اشهر وسنة. ويعتبر ذلك بمثابة خط احمر للولايات المتحدة في ظل ازدياد التصريحات الاسرائيلية المهددة بعمل عسكري ضد ايران لمنعها من الوصول الى "العتبة النووية"، علما ان تقارير عدة تتحدث عن اعمال تخريبية عسكرية اسرائيلية لردع ايران عن الوصول الى باب النادي النووي. هنالك حالة سباق بين العودة الى المفاوضات واعادة احياء الاتفاق النووي من جهة، وبين الذهاب نحو المجهول من خلال تعثّر المفاوضات من جهة اخرى، وهو ما لا يريده اي من الاطراف المعنية رغم لعبة "عض الاصابع" القائمة. الاتفاق دونه الكثير من الصعوبات لكنه ليس مستحيلا باعتبار ان الاطراف المعنية ترى في مصلحتها الاستراتيجية ولو لاسباب مختلفة بين طرفي المعادلة الاساسيين (الاطراف الغربية وايران) التوصل الى احياء اتفاق مع تعزيزه، ولو ان كلا من هذه الاطراف يرى تعزيز الاتفاق بشروط مختلفة.
المسار السياسي الثاني يتعلق بالعلاقات الخليجية - الايرانية بشكل خاص، والذي شهد تقدما طفيفا كما ظهر عبر بعض التصريحات. ولكن لا يمكن البناء على ذلك بعد بقوة. حدث ذلك من خلال اتصالات بعضها على مستوى عال بين الاطراف المعنية، وبعضها الآخر كان على شكل مباحثات استكشافية وعلى مستويات "فنية" او عبر اطراف اخرى. هذا المسار يسمح اولا بخفض التوتر كما يحمل امكانية إحداث اختراق اذا ما تم التوصل الى اعتماد مجموعة قواعد وسلوكيات "دولتية" معينة، معروفة عادة في العلاقات بين الدول لتنظيم وادارة هذه العلاقات. يؤدي ذلك اذا ما حصل الى بلورة آلية لاحتواء الخلافات وبناء التفاهمات بغية تطبيع العلاقات بين الطرفين، وهو لمصلحة أمن هذه الاطراف ولمصلحة الامن والاستقرار في الشرق الاوسط.
المسار الثالث يتعلق بالعودة العربية (تحديدا عدد متزايد من الدول العربية) بسرعات وصيغ وأشكال مختلفة الى سوريا. يأتي ذلك تحت عنوان اعادة سوريا الى الجامعة العربية. ويقول البعض ان ذلك ممكن في القمة العربية المقبلة في آذار. فيما يرى آخرون ان الحديث عن العودة ما زال مبكرا ويجب ان تسبقه خطوات اخرى، من دون ان يعني ذلك عدم الاستمرار في التطبيع التدريجي وفق حسابات كل من هذه الدول. لكن يتفق مجمل هؤلاء على ان المطلوب هو ألا يبقى العرب غائبين، رغم غياب الموقف العربي الواحد، عن لعبة الصراعات والتفاهمات الجارية في سوريا وحول مستقبل سوريا نظراً الى اهمية موقعها الجيوستراتيجي في "قلب" المنطقة.
هذه المسارات الثلاثة في ديناميتها وتفاعلاتها بعضها مع بعض ستحكم الاجندة الاقليمية العام المقبل في ما يتعلق بالاولويات الفعلية للاطراف الناشطة والمؤثرة في علاقاتها المباشرة، وكذلك في النقاط الساخنة في الشرق الاوسط.
الكلمات الدالة
المصدر: "النهار"
الدكتور ناصيف حتي
Posted byTony Ghantous✍️

.jpg&w=3840&q=75)

