تخطي إلى المحتوى

Thursday, 29 October 2026

مونتريال --°

بيروت --°

عاجل
عيد استقلالٍ بغياب الروحيّة وانهيار القطاعات

عيد استقلالٍ بغياب الروحيّة وانهيار القطاعات

November 22, 2021

المصدر:

النهار

تزداد الصعوبات التي يشهدها لبنان في ظلّ انهيار غير مسبوق يصارعه منذ سنوات، بما يشمل الاقتصاد والمرافق الحيوية والأسس التي كوّنت هويّة البلاد. "كلّنا نشعر بأننا غرباء في هذا البلد"، انطلاقاً من التعابير التي سرد من خلالها البطريرك مار بشارة بطرس الراعي الواقع المعاش. وتحلّ مناسبة #عيد الاستقلال اللبناني الثامن والسبعين حاملة معها أسئلة مطروحة بأحرف من هواجس، في غياب روحيّة الهويّة وتدهور المرافق الحيوية وانهيار غير مسبوق للاقتصاد. فهل يمكن لبلاد الأرز أن تستردّ ما خسرته على مدى السنين الماضية؟ 

استطلعت "النهار" في مقارنة أجراها المؤرّخ الدكتور عماد مراد أبرز المقوّمات التي كوّنت هويّة الكيان اللبناني، والتي باتت اليوم تواجه خطر الزوال وسط الصعوبات التي يواجهها لبنان. ويروي مراد المميزات التي طبعت الهوية اللبنانية والتحديات المحيطة بها، كالآتي:

الحريّة

اعتبر جبل لبنان تاريخيّاً موطن الجماعات المضطهدة الباحثة عن حريّتها. وسكن الموارنة جبل لبنان منذ زمن الفينيقيين، واعتنقوا المسيحيّة في القرن الرابع ميلاديّ. ونشأت علاقات وطيدة بين الشعوب الوافدة إلى جبل لبنان على أساس حرية المعتقد والأنشطة الاقتصادية الحرّة. وعرفت الحقبات التاريخية تكافلاً بين الجماعات التي قطنت جبل لبنان، على أساس التمسّك بالأرض ومساعدة المضطهدين كإحدى سمات هذه الشعوب الأساسية. وفي السياق، اشتهرت مقولة البطريرك مار نصرالله بطرس صفير المؤكّدة أنّه "إذا خيّرنا بين الحريّة والتعايش، نختار الحريّة" باعتبارها مسألة مقدّسة لدى اللبنانيين عموماً. بدأ لبنان يفقد ميزته التاريخيّة المبنيّة على الحريّات التي تتراجع تدريجاً، تزامناً مع بداية فقدان المواطن الأمل واختياره وجهة الهجرة واحتكامه إلى بيع الأراضي في ظلّ الأزمة الاقتصادية غير المسبوقة.

الانتماء

اضطلع لبنان بدور أساسي في تأسيس جامعة الدول العربيّة في مؤتمر الاسكندرّية سنة 1945، حيث كان أحد المؤسسين الرئيسيين إلى جانب 6 دول أخرى. ودعم لبنان القضايا العربية في المحافل الدولية. وحرص بشكلٍ دائم على تأكيد عروبة انتمائه وعدم الدخول في الصراعات العربيّة - العربيّة، حيث فضّل لبنان الرسميّ البقاء على حياد في غير محطّة شهدت فيها العلاقات بين الدول العربية صراعات أو اشتباكات. ابتعد لبنان اليوم عن انتمائه العربيّ وأصبح خارج سكّة العلاقات السويّة في ظلّ أزمة مسبوقة مع دول الخليج نتيجة السياسات العامّة المرتبطة بمحور "الممانعة"، في وقت تمثّلت آخر تجليات الأزمة في تصريحات وزير الاعلام جورج قرداحي التي تناولت حرب اليمن.

المدرسة 

 

يعود تاريخ التميّز اللبناني على الصعيد التعليمي إلى نهاية القرن السادس عشر مع تأسيس المدرسة المارونية في روما سنة 1584، حيث كان الموارنة يسافرون للتعلّم في روما قبل عودتهم إلى لبنان ونشرهم العلم في القرى اللبنانية، حتى بدأت تنتشر المدارس البدائية في القرى. وبرع طلاب المدرسة المارونية في تفسير الانجيل والكتب القديمة، إذ درجت مقولة "عالمٌ كمارونيّ" تيمّناً بالنجاحات المحققة في دول الانتشار. وتزامناً، بدأت الإرساليات الأجنبية تأتي إلى لبنان في عهد الأمير فخر الدين المعني الكبير، إذ أتى الكبوشيون في بداية القرن السابع عشر، ثم تبعهم الكرمليون واليسوعيون. وقد ساهم تقرّب فخر الدين من الغرب في مجيء الإرساليات. وانعقد المجمع اللبناني في دير سيدة اللويزة ببركة بابوية سنة 1736. وطلب المجمع اللبناني تعليم أبناء الطائفة المارونية مجاناً وإلزامياً. وتوسعت رقعة انتشار المدارس في الشمال وجبل لبنان. ثم شهدت بيروت منتصف القرن التاسع عشر نهضة اقتصادية وعمرانية كبيرة تكلّلت بافتتاح الجامعة الأميركية في بيروت كأول جامعة في الشرق الأوسط سنة 1866. وازدهرت دور النشر والطباعة بين جبل لبنان وبيروت. وبلغ عدد المنشورات الصحافية المئات في بيروت مع نهاية القرن التاسع عشر. أما اليوم، فيعاني لبنان من انهيار شمل القطاع التربوي الذي شهد تراجعاً في المستوى مقارنة مع الدول العربية، مترافقاً مع هجرة غير مسبوقة للمعلمين.

المستشفى

 

لطالما عرف لبنان بمستشفى الشرق مع تقدّم القطاع الاستشفائي المرتبط بازدهار التعليم وبدء الإرساليات افتتاح كليات الطب في نهاية القرن التاسع عشر، ثم تطوير المناهج وتطور المدارس في مرحلة الانتداب الفرنسي. وانتشرت المستشفيات التابعة للرهبانيات، حيث شهد لبنان تطوراً في القطاع الصحي طوال قرن من الزمن. انعكس الانهيار الاقتصادي الذي يواجهه لبنان اليوم على الاستشفاء، بما شمل صعوبات كبرى تواجهها المستشفيات التي تسعى إلى الصمود. وانعكست الأوضاع على أسعار الأدوية التي شهدت ارتفاعاً غير مسبوق في الأيام الماضية، بما يؤثر على حياة المواطنين الذين منهم ليس باستطاعتهم شراء الأدوية.

المصرف

 

شكّلت بيروت سابقة في نهاية القرن التاسع عشر مع انتشار المصارف وفق النموذج الغربي، في وقت لم يكن هناك انتشار للمصارف في العالم العربي. واشتهر بنك فرعون الأول الذي تأسس سنة 1869. انتهى القرن التاسع عشر مع انتشار عدّة مصارف وتحقيقها النجاحات. وساهمت الثورة النفطية في ستينات القرن الماضي بازدهار أكبر للقطاع المصرفي في عهد الرئيسين فؤاد شهاب وشارل حلو، حيث أودع الأشقاء العرب أموالهم في المصارف اللبنانية. انهار القطاع المصرفي اللبناني اليوم وفقدت الثقة به. وهناك من بين المودعين الذين ينتظرون الحصول على أموالهم، من عمدوا إلى مقاضاة مصارف لبنانية في محاكم عالمية.

العملة

 

اشتهر عهد الرئيسين كميل شمعون وفؤاد شهاب بفترة من البحبوحة الاقتصادية، حيث كان كلّ عامل باستطاعته شراء منزل وسيارة وادخار الأموال في ظلّ الازدهار الاقتصاديّ وقوّة الدولة. وأقيمت المهرجانات والمسارح وتطور القطاع الفني. وتكلّلت هذه الفترة بإدراج الليرة اللبنانية في أشهر الفنادق العالمية وتداولها في محال الصيرفة كإحدى أقوى العملات في الخمسينات والستينات. فقدت الليرة اللبنانية في المرحلة الحالية أكثر من 90% من قيمتها في ظلّ الانهيار الاقتصاديّ، مع تراجع الثقة بها ودخول البلاد في مراحل متدحرجة من التضخم.

جواز السفر

كان جواز السفر اللبناني يعتبر من ضمن الأهم على امتداد دول العالم. وبرزت أهميته بشكل خاص في عهد الرئيس كميل شمعون. بات لبنان يحتل اليوم مراتب متأخرة على صعيد قوّة جواز السفر من جهة، وعدم سهولة دخول اللبنانيين إلى عدد من الدول من جهة أخرى. وانتشرت في الأيام الماضية ظاهرة طلب اللجوء وسط الصعوبات المعيشية غير المسبوقة التي تواجه اللبنانيين.

الضيافة

تختصر عبارة كرم الضيافة تاريخ لبنان الذي شهد ازدهار السياحة والخدمات على أراضيه. واستقطب لبنان سياحاً من البلاد العربية والعالم على مدى السنين. وعُرفت المائدة الكبيرة التي ارتبطت بانتاج الأرض. تعصف الأزمات المعيشية بلبنان اليوم مع تراجع الخدمات والبنى التحتية وإقفال عدد كبير من المطاعم والمنتزهات. وتشمل التحديات لقمة عيش المواطن في ظلّ هواجس من أزمة رغيف تطال الفقراء. وتغيب ثقافة المائدة الكبيرة عن يوميات المواطن بما في ذلك نوعية المأكولات، بما يجعل لبنان يفتقد تدريجاً لقبه المرتبط بسنوات ذهبية: "كرم الضيافة".

المصدر: "النهار"

مجد بو مجاهد

Posted byTony Ghantous✍️

للمشاركة :
Style auto
Voyages Galleon