
شرط الأسد بـ"إنهاء الاحتلال" للتطبيع... هل هو تعجيز لأنقرة أم رفع لسقف التفاوض؟
January 17, 2023
المصدر:
المصدر: النهار العربي
اختلطت الأوراق من جديد حول مسار التطبيع بين سوريا وتركيا. وضعت الأولى "شروطاً تعجيزية" من شأنها عرقلة التقدم على المسار وهو ما ظهر جلياً من خلال عدم قدرة الأطراف على تحديد موعد للقاء وزيري خارجية البلدين. بينما قامت الثانية بتصعيد الموقف عسكريّاً من خلال التلويج بورقة العملية العسكرية البرية، وإرسال مزيد من التعزيزات العسكرية إلى نقاطها المنتشرة في محيط إدلب. وفي غضون ذلك سقط عدد من القتلى من جنود القوات السورية والتركية جراء استهدافات متبادلة على خطوط التماس، الأمر الذي أعطى انطباعاً بأن مسار التقارب قد تكون أمامه معوّقات خطيرة من الصعب تجاوزها.
وفي أوّل تعليقٍ له على موضوع التطبيع، أشار الرئيس السوري إلى "إنهاء الاحتلال" باعتباره شرطاً ضرورياً للتقدم في المباحثات مع الجانب التركي. وذهب البعض في غمرة التحليلات حول هذه النقطة إلى أن تشدد الموقف السوري جاء بإيحاء من إيران التي ترغب في عرقلة المسار ريثما تضمن وجود دور لها يوازي حجم النفوذ الذي اكتسبته في سوريا. وتزامن ذلك مع زيارة قام بها وزير الخارجية الإيراني إلى دمشق قادماً من بيروت ومن المتوقع أن يصل اليوم الثلثاء إلى أنقرة، وهو ما عزز الشكوك برغبة إيران في منافسة الوساطة الروسية أو على أقل تقدير أن تكون شريكاً فيها.
وما قاله الرئيس السوري حرفياً، وفق ما تناقلته وكالات الإعلام، في أعقاب استقباله المبعوث الروسي إلى سوريا في 12 الشهر الجاري إن "اللقاءات السورية - التركية برعاية روسيا يجب أن تكون مبنية على "إنهاء الاحتلال"، أي التواجد العسكري التركي، "حتى تكون مثمرة". والملاحظة الأولية في هذا التصريح أنه ذكر الرعاية الروسية للقاءات السورية - التركية من دون التطرق لذكر إيران أو الإشارة لأي دور لها في الوساطة.
وبعد يومين أي في 14 الجاري استقبل الأسد وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبداللهيان، ورغم أنه أشار في أعقاب اللقاء إلى "أن دمشق حريصة على التواصل المستمر وتنسيق المواقف مع إيران بشكل دائم بخاصة أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية كانت من أوائل الدول التي وقفت إلى جانب الشعب السوري في حربه ضد الإرهاب"، وشدد على أن "هذا التنسيق يكتسب أهمية قصوى في هذا التوقيت بالذات الذي يشهد تطورات إقليمية ودولية متسارعة لتحقيق المصالح المشتركة للبلدين" في إشارة إلى التطورات الجارية بين سوريا وتركيا، غير أن الأسد لم يشر في حضور عبداللهيان إلى أي دور إيراني في الرعاية أو الوساطة بل اكتفى بالحديث عن ضرورة التنسيق الثنائي فقط.
والسؤال الذي يطرح نفسه ما الذي يعنيه شرط إنهاء الاحتلال؟ وهل المقصود أن تسحب أنقرة قواتها من الأراضي السورية التي تسيطر عليها مسبقاً قبل انعقاد اجتماع سياسي بين الطرفين على مستوى وزراء الخارجية؟ أم أن دمشق تستخدم هذا الشرط كأسلوب تفاوضي يقوم على رفع سقف المطالب المطروحة على طاولة المفاوضات من أجل الحصول على أكبر قدر ممكن من التنازلات من الجانب التركي؟
تنتشر القوات التركية في سوريا على مساحة تقدر بضعفي مساحة دولة لبنان، وهي تشمل المناطق الثلاث: درع الفرات وغصن الزيتون ونبع السلام. وتدير أنقرة عشرات الآلاف من المقاتلين ضد الحكومة السورية وينتسب معظمهم إلى ما يسمى "الجيش الوطني السوري" وهؤلاء هم الذراع العسكرية الفعلية التي تعتمد عليها أنقرة في تكريس احتلالها للأراضي السورية بذرائع مختلفة بدأت من دعم الثورة ضد نظام الحكم وانتهت بضرورة إنشاء مناطق آمنة لإعادة اللاجئين السوريين من تركيا.
وتسيطر "هيئة تحرير الشام" على منطقة إدلب لخفض التصعيد التي تشمل أيضاً بعض أرياف حلب وحماة واللاذقية، وبموجب اجتماعات آستانا وبنود التفاهمات الثنائية مع موسكو أنشأت القوات التركية خلال السنوات الماضية عشرات القواعد والنقاط العسكرية التي تحيط بكامل هذه المنطقة مشكلة ما يرغب بعض المعارضين السوريين في تسميته بـ"حائط صدّ" لمنع تقدم القوات السورية.
فهل تطالب دمشق بانسحاب القوات التركية من هذه المناطق كلها بدءاً من رأس العين مروراً في تل أبيض وجرابلس وإعزاز ومدينة الباب وصولاً إلى إدلب وأرياف اللاذقية وحلب كخطوة مسبقة لإتمام التفاوض مع أنقرة؟.
ليس بين الأوساط السياسية في دمشق من يذهب باتجاه هذا التفسير، بل يعتبر بعض المراقبين للمشهد السوري أن أي انسحاب تركي مفاجئ من الأراضي السورية المحتلة سوف يؤدي إلى تداعيات قد لا يكون في إمكان القوات السورية ولا الروسية ولا حتى الإيرانية احتواؤها والسيطرة عليها. وذلك لأن القوات التركية تنتشر في مناطق مختلفة تتفاوت ظروفها العسكرية والسياسية بتفاوت الأطراف التي تسيطر على خطوط التماس معها، وبالتالي فإن حدوث أي فراغ تركي سوف يدفع العديد من القوى إلى التصارع من أجل ملئه.
ففي الشريط الممتد بين مدينتي رأس العين وتل أبيض، وهي المنطقة المسمّاة بـ"نبع السلام"، تسيطر "قوات سوريا الديموقراطية" (قسد) على خطوط التماس معها، وكانت تركيا انتزعت الشريط من هذه القوات أواخر عام 2019، وبالتالي فإن انسحاب القوات التركية من هذا الشريط الذي يبلغ طوله ما يقارب 100 كيلومتر سوف يدفع "قوات سوريا الديموقراطية" لمحاولة استعادة السيطرة عليه لا سيما أنها تشعر بأن التقارب السوري - التركي سوف يترك تداعيات بالغة السوء على مصيرها ومصير مشروعها في المنطقة، ومن غير المتوقع أن توفر أي جهد من أجل عرقلة جهود التقارب.
وكان زعيم "هيئة تحرير الشام" أبو محمد الجولاني سيطر على منطقة غصن الزيتون، مدينة عفرين، في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي خلال ساعات قليلة، برغم وجود القوات التركية في محيطها. وما زال الغموض يلف موضوع السيطرة في هذه المدينة التي مارست أنقرة ضغوطاً كبيرة لتسليمها إلى الفصائل الموالية لها، ولكن ما زال "جهاز الأمن العام" التابع لـ"هيئة تحرير الشام" يسيطر أمنياً بشكل مباشر وعسكرياً بشكل غير مباشر من خلال تعزيز قوة الفصائل التي تحالفت مع الهيئة مثل "فرقة الحمزة وفرقة العمشات وأحرار الشام- القطاع الشرقي، وبعض المجموعات من قوات نور الدين الزنكي".
ويبدو أن الجولاني لن يتراجع عن العمل على مد سيطرته نحو منطقة درع الفرات التي تشمل مدن الباب وجرابلس والراعي إذا شعر بأن القوات التركية على وشك تنفيذ أي انسحاب مفاجئ من هذه المنطقة.
وقد أعلن الجولاني عن معارضته الشديدة للتطبيع بين سوريا وتركيا واعتبره انحرافاً عن أهداف الثورة، ورغم أنه شدد على عدم رغبته في استعداء تركيا جراء ذلك لأنها الحليف الأخير للثورة السورية بحسب قوله، فإن الجولاني سيدفع من دون شك بأمواج اللاجئين إلى تركيا في حال شعر بتهديد حقيقي من قيام الجيش السوري بمحاولة وضع يده على هذه المناطق بعد انسحاب القوات التركية.
وعليه، يبدو أن شرط "إنهاء الاحتلال" الذي أعلنه الرئيس السوري قد فهم على غير النحو الذي قيل به، وربما تكون جهات مناهضة للتطبيع هي من تحاول حرفه عن سياقه لخلق عقبات من شأنها أن تبطئ التقدم في المباحثات بين الطرفين، لأنه من المستبعد ألا تكون دمشق على دراية بالتداعيات الخطيرة التي يحتمل حدوثها نتيجة أي انسحاب تركي غير مخطط له مسبقاً ومنسق بخصوصه مع جهات إقليمية ودولية فاعلة في الملف السوري.
وثمة نقطة في غاية الأهمية تتمثل في الإحراج الذي ستشعر به دمشق أمام الرأي العام السوري في حال اندفعت على مسار التقارب مع تركيا التي تعتبرها الأدبيات السورية العدو الرقم واحد الذي دمّر وسرق ونهب البلد، من دون وضع شروط مشددة أو على الأقل الادلاء بتصريحات قويةّ في الإعلام من شأنها أن تبرّد بعض الرؤوس الحامية في القيادة السورية أو لدى بعض الحلفاء لا سيما إيران التي قد يكون لها رأي مختلف في موضوع التطبيع.
Posted byTony Ghantous✍️

.jpg&w=3840&q=75)

