
"دفاتر لميا" مرآة مجتمعنا "المقنّع" على مسرح مونو: حكاية حقيقةٍ مرجح تكرارها في ظل التحكم البطريركي بمصير النساء
June 14, 2022
المصدر:
النهار
تعنينا كثيراً مسرحية "#دفاتر لميا" على مسرح مونو لأنها تطرح بعمق التمييز ضد المرأة ودور السلطة الأبوية في التحكم بالمسار التوظيفي لإحدى بنات العائلة واسمها لميا، وتقليص أحلام فتاة في الـ 13 عاماً وطموحاتها الى ما لا ترغب فيه، أي إحضارها من القرية الى المدينة لتعمل خادمة عند عائلة محترمة حتى وفاتها.
يكشف هذا العمل لفرقة "مسرح شغل بيت" السلطة الأبوية المطلقة المتحكمة بزمام الأمور الى درجة اغفال تام لدور الأم في المشاركة في اختيار مصير بناتها، أي عدم التحاقهن بالدراسة وصولاً الى إبقائهن في دوامة السعي الدائم للزواج، مقابل سعي الأب نفسه الى تعليم أبنائه الذكور بحجة أنه الأعلم بما يصلح لهم ولمستقبلهم.
ويُسجل أيضاً في مسار المسرحية التفاوت الطبقي والاقتصادي والعائلي بين عقليتي المدينة، أي عائلة مخدومي لميا الزوجة الست نور وبناتها، والقرية أي لميا وشقيقتها المعنّفة من زوجها، ومدى انعكاس كل منها على وجود المرأة وكيانها وحقها بالتعلم واختيار مستقبلها من دون أي سلطة أبوية.
حكاية لميا، التي ارادها المخرج الشاب ومؤسس فرقة "مسرح شغل بيت" شادي الهبر، هي القصة الحقيقية لعمته السيدة نهاد. هي صرخة محقة في وجه التمييز ضد المرأة، والتي قامت على تضحية لميا بعمرها كله من أجل التقيد بقرار والدها، الذي قضى بأن تعمل خادمة في منزل عائلة محترمة تعاطت معها بإنسانية وعطف.
النص للكاتب المسرحي ديمتري ملكي، متماسك جداً. يكشف فصولا عدة للتمييز ضد المرأة من خلال: أولاً الممثلة ريما الحلبي، التي أدت دوراً مميزاً جداً لشخصية لميا الخادمة، التي روت لابن أخيها شادي، الآتي لجمع أغراضها بعد مماتها، معاناتها مع قدرها الصعب في حضور مشهد خيالي بين الاثنين، تظهر لميا بعد موتها في غرفة نومها عند عائلة مخدوميها لتروي قصتها للمرة الأولى والأخيرة لابن أخيها.
ثانياً، كشفت شخصية لميا خيبات قدرها بدءاً من حديثها، الذي غابت عنه بطريقة فاضحة، أي دور لوالدتها في إدارة شؤون العائلة، أو حتى مشاركتها في أي قرار يعني أياً من أفرادها. بدأت أحلام لميا المتكسرة بتبريرها لجوء زوج أختها الى ضربها المتكرر بالكف على وجهها، بحجة خضوع المرأة لسلطة الرجل وتقليص رهبة هذا الاعتداء وفجاعته...
كما أنها تحدثت عن تهالك أحلامها الشخصية، ومنها وطأة الحرب المجنونة في المدينة، التي أضاعت فرصة ارتباطها بخضر، وهو شاب وسيم جداً كان يطرق باب العائلة لتوصيل الخضروات الى منزل مخدومها، مع عيشها ذروة الحب على أنغام أغنية عبد الوهاب الممتدة الى القلب...
يكشف هذا القسم من المسرحية انعكاسات الحرب على الناس، وفقدان التواصل مع الآخر، أي خضر، في ظل كمّ من الشائعات عن اختطافه أو موته أو حتى مروره قرب منزل مخدوميها من دون أي تواصل معها. نلاحظ هنا الحكم الجائر من المجتمع البيروتي على حق الخادمة في الحب والارتباط، الذي عاشته لميا في أحلامها وما أكثرها...
برزت من أفراد العائلة على خشبة المسرح الست نور، أي ربة المنزل، التي تؤدي دورها الممثلة مهى أبو زيدان، منتحلة شخصية المرأة الاريستوقراطية البيروتية، التي عكست أرقى المعايير في معاملة العائلة للميا من خلال السماح لها باللعب مع أولادها الثلاثة والتقرب من ابنتها الكبرى جنى، التي ساعدت لميا على كتابة اسمها في سطور دفاتر عدة في محاولة لكسر كابوس الأمية، الذي رافق حياة لميا... كما أن المسرحية عكست المقاربة الإنسانية في معاملة الخادمة كفرد من العائلة مع التشديد على تكبد تكاليف عيشها ورسوم مأتمها من عائلة مخدوميها في ظل غياب أي اتصال من ذوي لميا.
أما الممثل الشاب جميل الحلو، الذي يؤدي دور شادي ابن أخي لميا، فهو مرآة العقلية الذكورية وصورة الشاب المدلل في كنف العائلة. عكس بدوره فعلياً سمة الرجل، الذي لا ينساق وراء التعبير عن ألمه ومشاعره أو حتى قياس مدى تأثره عند سماع مأساة عمتها لميا.
غادر مكتفياً بأمرين: أخذ دمية عمته لميا، التي أعطتها إياها جنى الابنة المقربة لعائلة مخدوميها، ومجموعة الدفاتر التي كررت فيها عمته كتابة اسم لميا عليها، في محاولة لفك أسرها من عالم الأمية.
في المسرحية، تتكرر دراما حياة لميا بوجود خادمة صبية تعمل كبديل منها، ولاسيما عندما غلبها المرض وهي على فراش الموت. تؤدي هذا الدور طالبة المسرح في السنة الثالثة في الجامعة اللبنانية أنطوانيت الحلو، التي قد ترجح في حضورها تكرار تفاصيل حياة لميا مع توق افضل ربما الى التحرر بعض الشيء من السلطة الذكورية. الفتاة واعدة جداً إذا توافرت لها الفرص مستقبلا...
تبقى معلومة مهمة هي أن المسرحية، التي تُعرض السابعة والنصف مساء السبت 18 من الجاري على مسرح مونو، دقت ناقوس الخطر من أرجحية تكرار مأساة لميا اليوم أكثر من أي وقت في ضواحي بيروت وأطرافها أو ربما في العاصمة نفسها في ظل أزمة اقتصادية خانقة كرست الهوة بين الفقير والغني وولادة طبقة أثرياء الأزمة التي تفرض نفسها علينا أكثر من أي وقت...
فكم لميا مرشحة لتسير على خطى سلفها اليوم، ولاسيما أننا على يقين تام بأن العنف النفسي والجسدي والاقتصادي ضد المرأة ما زال قائماً وراء جدران عائلات عدة بصمت وخوف من مجتمع "مقنّع" ومكبل بمحرمات وموروثات هي في الحقيقة من نسج الخيال...
المصدر: "النهار"
روزيت فاضل
Posted byTony Ghantous✍️


