
تونس... سعيّد يمهّد لـ"حوار وطني" وسط تحفظات وشكوك حزبية
April 10, 2022
المصدر:
النهار
لم يؤدِ إعلان الرئيس التونسي قيس سعّيد تنظيم حوار وطني إلى خفض منسوب الصراع السياسي الدائر في البلاد منذ تموز (يوليو) الماضي، فقد تحوّل بدوره إلى فصل جديد من فصول المواجهة بين مختلف المكونات وخصوصاً في ظل غموض تفاصيله.
وبدأ الرئيس التونسي الاثنين الماضي في 4 نيسان (أبريل) مشاورات موسّعة مع فعاليات سياسية عدّة تحضيراً لحوار وطني مرتقب، قال إنه سيستثني "الانقلابيين ومن تورطوا في الفساد وتسببوا في خراب البلاد" في إشارة بحسب مراقبين إلى حزب "حركة النهضة" الحاكم منذ 2011 وكل من تحالف معه.
والحوار الوطني مطلب ترفعه شخصيات سياسية عدة في البلاد حتى قبل أحداث 25 تموز (يوليو) الماضي، فمنذ بداية الصراع بين الرئاسة ومجلس النواب طالب كثيرون بضرورة الجلوس إلى طاولة الحوار لإيجاد حلول لأزمة البلد.
ولتونس تجربة سابقة مع آليّة الحوار، ففي سنة 2014 قاد اتحاد الشغل صاحب التأثير القوي في البلاد وثلاث منظمات أخرى حواراً انتهى بإبعاد "حكومة النهضة" عن الحكم والذهاب إلى الانتخابات، ونالت القوى الأربع من أجله جائزة نوبل للسلام.
"حوار صوري"
استقبل سعيّد خلال الساعات الماضية عدداً من الشخصيات غير السياسية، من بينها الأمين العام لاتحاد الشغل ونائب رئيس الهيئة العليا المستقلة للانتخابات ورئيس الرابطة التونسية لحقوق الإنسان ورئيسة الاتحاد الوطني للمرأة التونسية، وأعلن أنه سينظم حواراً وطنياً يستجيب لتطلعات الشعب.
لكن الغموض الذي يلفّ هذا الحوار يثير تحفّظ الكثير من الفاعلين في المشهد السياسي بما في ذلك الأحزاب المقربّة من سعيّد.
ولم يوجّه سعيّد بعد دعوات للمشاركة في الحوار المرتقب كما لم يعلن عن موعد انطلاقه، حيث أكد الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل نور الدين الطبوبي في تصريح اعلامي، أن اللقاء الذي جمعه مع الرئيس "كان لقاء بروتوكولياً ولم يتم التطرق فيه إلى الحوار الوطني".
من جهتها، أكدت رئيسة اتحاد المرأة راضية الجريبي لـ"النهار العربي'' أن الاتحاد لم يتلقَ دعوة للمشاركة في الحوار.
وفي السياق اعتبرت منظمة "أنا يقظ" في بيان لها توخّي سعيّد "لآليّة الحوار بالوضع الحالي والمشاركين الحاليين خطوة صوريّة جديدة".
وقبول سعيّد بإجراء حوار وطني بعد التشدد في رفض هذا المقترح يدفع كثيرين للتأكيد على أنه قد يكون ذهب إليه مجبراً في ظل الضغوط الدولية والداخلية المستمرة عليه منذ 25 تموز (يوليو) الماضي وعلى أن "هذه الخطوة ليست إلاّ مهادنة لكسب الوقت".
وطالبت دول غربية عدة في مناسبات متكررة الرئيس سعيّد بتنظيم حوار تشاركي لإيجاد حل سياسي للأزمة في البلاد.
لكن المحلل السياسي خليفة شوشان يؤكد في حديث لـ"النهار العربي" أن "الحوار الوطني يُطبخ على نار حامية هذه المرّة وليس هادئة بعدما بدأت ملامح المنظمات المشاركة فيه تتضّح إثر اللقاءات التشاورية التي عقدها سعيّد"، لافتاً إلى أن "الحوار الوطني التشاركي بين القوى الوطنية صار ضرورياً لتجاوز الأزمة الخانقة في ظل وجود مساعٍ لتدويلها ودعوات مفضوحة من منظومة 24 تموز (يوليو) بقيادة "النهضة" وحلفائها إلى التدخل الخارجي والضغط على الرئيس".
رفض للاستشارة الشعبية
يطرح سعيّد حواراً وفق قاعدة الاستشارة الشعبية التي نظّمها منذ أسابيع لكن أغلب الفعاليات السياسية ترفض ذلك، وتؤكد أن الاستشارة ليست بديلاً عن الحوار الذي يجب أن تطرح مخرجاته للنقاش.
وقال سعيّد: "قمنا بالاستشارة للتفاوض على أمر، ثمّ التفاوض أو النقاش لا يستبدّ به الرأي، ولكن قاعدة الحوار هي الاستشارة، وبناءً عليها يتمّ وضع مشروع تعديل للدستور أو يمكن أن يكون حتى دستوراً جديداً وثمّ بعد ذلك لا تنسوا الاستفتاء، لأنّ الكلمة النهائية ستكون للشعب".
ولم تعرف الاستشارة إقبالاً شعبياً كبيراً، إذ لم يتجاوز عدد المشاركين فيها 500 ألف تونسي ما يجعلها "غير كافية لتمثيل إرادة عموم التونسيين" بحسب أغلب المراقبين الذين يؤكدون أن الحوار سيكون محل رفض واسع بسبب ذلك.
وكان الأمين العام لـ"حزب الشعب" المقرب من سعيّد، زهير المغزاوي، أكد في تصريح سابق لـ"النهار العربي" أن الاستشارة الشعبية لا يمكنها أن تكون بديلاً للحوار الوطني.
من جهته، دعا الأمين العام لحزب "التيار الشعبي" زهير حمدي، الداعم لسعيّد، إلى القطع مع ما سمّاه "الحوارات الفوقية والتقليدية والذهاب إلى حوار شعبي أفقي" .
وفي السياق قال الطبوبي إن "أي حوار وطني يجب أن يقوم على مقاربات واتفاقات حول إدارة الحوار وما هي محاوره وأولوياته ومآلاته؟ ولكن كل هذا لم يحصل".
إشراك الأحزاب
لا يُعرف بعد إن كان سعيّد سيشرك الأحزاب في الحوار المرتقب ومن هي الأحزاب التي سيشركها وهو ما يزيد في تأجيج الجدل. ولا يخفي الرجل تبرّمه منها ومهاجمتها باستمرار، ويقول كثير من المراقبين انه يحمل مشروعاً سياسياً يقوم على هدم المنظومة الحزبية.
ولم يستقبل سعيّد أي شخصية سياسيّة منذ تموز (يوليو) الماضي، وكان صرّح في أكثر من مناسبة أنه لن يتحاور مع "اللصوص والانقلابيين"، في إشارة إلى المشاركين في الجلسة البرلمانية الافتراضية التي عقدها البرلمان يوم 30 آذار (مارس) الماضي والى كامل المنظومة التي حكمت تونس في السنوات العشر الأخيرة.
لكن اتحاد الشغل يشترط "إشراك القوى الحيّة في البلاد بما في ذلك الأحزاب السياسية"، مؤكداً أن "لا معنى لأي حوار من دون مشاركة الأحزاب"، وفق تصريحات الأمين العام المساعد سامي الطاهري لـ"النهار العربي"، "على أن ذلك لن يكون إلا على قاعدة عدم العودة إلى 24 تموز (يوليو) 2021 وما قبله" وفق تعبيره.
في المقابل، كتب الناشط السياسي عادل اللطيفي تدوينة على "فايسبوك" قال فيها: "يجب ألا يكون الحوار الوطني تزكية لمهزلة الاستشارة ويجب على المنظمات الوطنية ألاّ تكون شاهدة على ضرب الحياة السياسية والحزبية وهي أساس الديموقراطية في كل الديموقراطيات". وقال إن "الحزب الدستوري الحرّ"، أبرز الأحزاب المعارضة في تونس، لن يشارك في هذا الحوار.
ويطرح إقصاء حزب "النهضة" والأحزاب المعارضة لمسار 25 تموز (يوليو) 2021 بما في ذلك تلك التي شاركت في الجلسة البرلمانية الافتراضية، السؤال عن مدى قبول المشهد السياسي بهذا الحوار ومخرجاته وقدرته على حلّ الأزمة السياسية في البلاد.
المصدر: النهار العربي
تونس-كريمة دغراش
Posted byTony Ghantous✍️



