
تسريبات رفع الدّعم عن "الميسورين" في سوريا تستفز الشارع
December 15, 2021
المصدر:
النهار
"ما يتم تداوله عن شرائح اجتماعية يقال إنها ستحذف من لوائح الدعم هو مجرد جمع معلومات للدراسة. ولم يُتخذ القرار بمن سيستبعد من الدعم. وفي كل الأحوال، يمكن القول عموماً إنّ القادر على تسديد مبلغ 50 أو 75 ألف ليرة لوجبة طعام واحدة في مطعم لا يستحقّ الدعم ولا يجوز دعمه، على سبيل المثال. وتقاطع المعلومات يحصر هؤلاء. أمّا الموظّف أو العاطل من العمل أو من كان دخله ضعيفاً، فهو الأحقّ بالدعم وزيادة المواد المدعومة. هناك أكثر من 5 تريليونات ليرة من الموازنة مخصّصة للدعم. وهذه لا يجوز أن تذهب إلى المقتدرين".
ما سبق هو نص حرفي لمنشور وضعه وزير التجارة الداخلية وحماية المستهلك في سوريا الدكتور عمرو سالم على صفحته الخاصة في موقع فايسبوك في وقت سابق، وجاء رداً على صورة قرار تم تسريبه حول رفع الدعم ووصفه الشارع بـ"الصادم"، لجملة أسباب يلفها انعدام المنطق في ظل فوضى السياسات الحكومية المتتابعة خلال الحرب.
وجاء في نص الوثيقة الرسمية المسربة والموقعة في الأسبوع الثاني من الشهر الفائت من وزير الاقتصاد والتجارة الخارجية – رئيس اللجنة الاقتصادية الدكتور محمد سامر خليل، ضرورة التنسيق مع الجهات المعنية لاستكمال بيانات الشرائح الميسورة التي ستُستبعد من الدعم كمرحلة أولى، وتشمل: "كبار ومتوسطي المكلفين ضريبياً – كبار مساهمي الشركات – المقاولين – المصدرين والمستوردين – المخلصين الجمركيين – أصحاب السجلات السياحية – المقاهي والكافتريات – الأطباء منذ أكثر من عشر سنوات – أصحاب المقاهي الخاصة والمراكز الطبية والمخابر ومراكز التجميل – الصيادلة – مستثمري الصيدليات – أصحاب المكاتب الهندسية والقانونية والمحاماة ممن يمارس المهنة منذ أكثر من عشر سنوات – مالكي السيارات من طراز 2008 وما فوق وبسعة محرك أكثر من 1500"، والكثير من المهن والشرائح الأخرى التي جاءت الوثيقة على ذكرها.
في الحسابات
يجري سامر، الموظف الحكومي، مقارنة بسيطة للموضوع، يقول لـ"النهار العربي": "أملك سيارة نوع كيا ريو موديل 2008 محرك 1600، هل من المعقول أن يتم رفع الدعم عني، فيما يحظى صاحب سيارة مرسيدس أو أودي موديل 2007 بالدعم، علماً أنّ سيارته قد يعادل سعرها خمسة أو ستة أضعاف ثمن سيارتي، أين المنطق في هذا؟ يبدو أنّ المهم من القرار هو شرعنة الجوع أكثر، ونقل المواطن إلى دوامة جديدة من الفقر غير المبرر لا في مكانه ولا في توقيته، وكأنّه ينقصنا مزيد من التخبط والعشوائية في اتخاذ القرارات التي تحاربنا نحن الفقراء".
سامر يقول إنّه اشترى سيارته بالتقسيط قبل الحرب، حينها كان ثمنها بضع مئات الآلاف من الليرات السورية: "اشتريتها قبل الحرب بأقساط شهرية بسيطة ومريحة، حتى استكملت سداد ثمنها، وكان كل ذلك ضمن المستطاع، نعم، كان الموظف قادراً على شراء سيارة صغيرة قبل الحرب، ولكن، مجدداً أسأل نفسي، وهو سؤال يلفّ الشارع الآن: كيف يستوي صاحب سيارة النقل الصغيرة، مع صاحب السيارة الكبيرة المرفهة والباهظة الثمن؟ السيارة لم تعد رفاهية، هي حاجة ضرورية، ولكن يبدو أنّ الحكومة ستحرمنا حتى من الهواء قريباً!".
الدّمج مع السّوق السّوداء
في حال صدور القرار، وهو سيصدر، لا شك، ولكن ربما بصيغة أخرى تكون مخففةً عن التسريب إلى حد ما، ولكن المهم أنّ من سيرفع الدعم عنه سيضطر لشراء أسطوانة الغاز بمبلغ 30600 ليرة سورية بدلاً من أربعة آلاف وبضع، وربطة الخبز بـ1300 ليرة بزيادة أكثر من خمسة أضعاف عن سعرها الحالي، وليتر البنزين بـ2500 ليرة بدل 750 ليرة، وليتر المازوت بـ1500 ليرة بعدما كان بحدود 500 ليرة، وطبعاً تبقى الأسعار المدعومة كما هي للشرائح التي لن يُرفع الدعم عنها، بيد أنّ معظم هذه المواد موجودة بوفرة في السوق السوداء، بالسعر ذاته الذي ستكون عليه مع رفع الدعم، ليسأل سائل هنا: هل تأخذ الحكومة السوق السوداء باتجاه الشعب، بعدما أخذته هو باتجاه السوق السوداء؟
منزلان في محافظة
"مالكو أكثر من منزل في المحافظة ذاتها"، جملة وردت في القرار المسرب للشرائح التي سيُرفع الدعم عنها، يقول هاني لـ"النهار العربي" إنّه يملك منزلين في محافظة واحدة، "لديّ منزل في قريتي في الدريكيش، التابعة لطرطوس، وهو منزل العائلة ومسجل باسمي، ولديّ أيضاً منزل آخر اشتريته قبل الحرب في ضاحية دوير الشيخ سعد في طرطوس، وكلا المنزلين لا يعادل ثمنهما ثمن ربع منزل في محافظة أخرى، هل من المعقول أن أتساوى في رفع الدعم أنا ومن يملك منزلاً في المالكي أو مشروع دمر في دمشق مثلاً؟".
يسأل هاني: "هل لأجل قلة من الأثرياء يذهب الفقير بذنب الغني؟ لأقل إنني احتجت لأسطوانة غاز وثلاثين ربطة خبز شهرياً، لي ولعائلتي، سأحتاج قرابة 70 ألف ليرة في الشهر، أي ما يعادل بالضبط راتبي الحكومي من دون زيادة أو نقصان، هذا فضلاً عن مصاريف المازوت والطبابة والملابس والتعليم والطعام والشراب، هل هذا طبيعي؟ ما هذه السياسة؟ لو أُقرّ الموضوع كما ورد فهذه كارثة ستلقي بالمجتمع في هاوية أعمق من تلك التي يقبع بها الآن".
ضرائب الجياد
"لديّ عمل خاص، دخلي لا بأس به، ربما يمكن القول إنّ وضعي جيد، أنا أقطن في دمشق، وأهلي في وادي النصارى في ريف حمص، على الأقل أزورهم مرة شهرياً، وفي رحلة الذهاب والإياب أحتاج نحو أربعين إلى خمسين ليتر بنزين، فضلاً عن استهلاكي فوقها كل مخصصاتي المدعومة شهرياً وهي مئة ليتر"، يقول جورج لـ"النهار العربي".
ويكمل: "لنقل إنني سأحتاج فقط 150 ليتر بنزين شهرياً، فإذا ما رُفع الدعم عني، وهذا سيحصل، لأنّ سيارتي من نوع كيا فورتي موديل 2010 ومحرك 1600، إذاً، سأشتري ليتر البنزين بسعر 2500 ليرة سورية، أي سأحتاج شهرياً مبلغ 375 ألف ليرة فقط ثمناً للبنزين، أليس هذا أمراً لا يصدق؟ هل أبيع سيارتي التي تعتبرها الحكومة رفاهية وأتنقل في وسائط النقل العامة؟ في هذا البلد ثمة من يرغب في أن يعيدنا مئة عام للوراء، تحديداً إلى تلك الأعوام التي كان التنقل فيها على الجياد"، جورج يعتقد أنّه حتى في حالة الجياد ستجد الحكومة طريقة جديدة لفرض الضرائب.
الحلول
قدم الناس عبر مئات التعليقات على منشور وزير التجارة الداخلية حلولاً للدعم، يقول زيد جرجس: "توجيه الدعم وفق قاعدة الاستهلاك وشرائحه، أكثر علمية وصوابية، أي تشريح السعر وفق الاستهلاك، بهذه الطريقة لا يُحرم من يبدو بالمعطيات الجافة أنه ميسور وهو ليس كذلك، الاستهلاك هو الذي يحسم الأمر وليس عمر سجل التجارة أو مكتب المحاماة، أو غيرها". الوزير سالم رد على تعليق جرجس، بقوله: "لن نستخدم معطيات جافة".
فيما يقول سليمان عجور: "هناك محامون ومهندسون وتجار صغار يكافحون للاستمرار، وليسوا ميسورين، شطب حالة من الدعم بسبب عنوان وضعها المادي غير دقيق، وسيظلم الكثيرين".
أما يوسف بحاص فيقول: "لم يبقَ أمامكم سوى هذا المواطن لتجربوا عليه عبثية القرارات كما يجرّبون الدواء على الفئران البيض، خمسة تريليونات (قيمة الدعم الإجمالي الذي ذكره الوزير) لو وزعتها على أربعة ملايين بطاقة ذكية (عدد بطاقات الدعم في سوريا) لنال كل صاحب بطاقة مليوناً ونيفاً كانت تكفيه في العام لاستبدال الذلّ والطوابير بالكرامة".
لقمة الشّعب
يمكن قراءة عشرات الحلول على "فايسبوك" أو في الطرق، إلا أنّ الحكومة تصم آذانها عن سماعها، على قاعدة أنّها الأعرف والأكبر والأكثر تقديراً من الرعايا السذج، وكأن المهم هو تحويل الشعب وظيفياً إلى مجرّب عليه حتى الوصول إلى حلول شبه سليمة، لأن الحلول السليمة تبدو ضرباً من عبث، يقول المهندس فاتح الشيخ لـ"النهار العربي": "دلّني على قرار واحد اتخذته الحكومات المتعاقبة لمصلحة لقمة الشعب؟".
المصدر: النهار العربي
دمشق-طارق علي
Posted byTony Ghantous✍️


