تخطي إلى المحتوى

Thursday, 29 October 2026

مونتريال --°

بيروت --°

عاجل
"تبنين" الجنوبيّة.. حين تُفكك الإنسانية شفرة الحرب والطوائف

"تبنين" الجنوبيّة.. حين تُفكك الإنسانية شفرة الحرب والطوائف

May 31, 2026

المصدر:

تقرير: السيد علي هاشم خاص ــ ملتقى أبناء تبنين

لم تكن بلدة "تبنين" الجنوبية، المتربعة على أكتاف جبل عامل، مجرد نقطة جغرافية في جغرافيا المواجهة؛ بل تحولت، عبر تفاصيل تفاعلها مع العدوان المستمر، إلى نموذج استثنائي يُعيد صياغة مفهوم التلاحم الاجتماعي والإنساني في أوقات الأزمات، في مشهد أقرب ما يكون إلى "حكاية إنسانية" تتجاوز الحسابات الضيقة.

غارة الأحد.. الميدان يوحد الساحات

في ظهيرة يوم الأحد، الرابع والعشرين من أيار، اخترق هدوء البلدة دويّ غارة نفذتها مسيّرة إسرائيلية. دقائق معدودة كانت كافية لتتحول الهواتف إلى خلايا نحل للاستعلام والاطمئنان، قبل أن ينجلي الغبار عن خبر أليم: ارتقاء شهداء في الاستهداف المشؤوم، تبين لاحقاً أن أحدهم من أبناء البلدة.

مع انطلاق جهود الإغاثة، بدأت تتشكل ملامح مشهد فريد؛ حيث تداخلت سواعد "كشافة الرسالة الإسلامية" مع سواعد "الهيئة الصحية الإسلامية" في بقعة الاستهداف. لكن تفصيلاً واحداً استوقف الجميع عند البحث في هوية من واجهوا الخطر لرفع جثامين الشهداء، حين رُدد اسم شاب مسيحي من أبناء البلدة: "إيلي".

"إيلي وعلي".. ما وراء الطائفة

"إيلي"، الشاب المتطوع في جمعية الرسالة للإسعاف الصحي، ليس غريباً عن ميدان المخاطرة؛ إذ سبق للعدو الإسرائيلي أن أسره قبل أقل من عام أثناء أداء واجبه الإنساني في إنقاذ الجرحى على الحدود. يومها، عجزت عقلية الاحتلال عن استيعاب خلفيته الدينية، ولم تفهم كيف لشاب مسيحي أن يخاطر بحياته في بيئة مغايرة، متناسين أن الإنسانية في جنوب لبنان لا تخضع لخرائط التوزيع الطائفي.

عند التواصل مع إيلي لمعرفة تفاصيل الإخلاء، رفض الرجل حصر الفضل بشخصه، محولاً البوصلة بروح الزمالة إلى رفيقه في الميدان "علي"، الذي روى بدوره كيف تلاحمت الأكتاف في "ميدان الضمير".

في تلك اللحظة، لم يكن وجود إيلي إلى جانب علي والهيئة الصحية مجرد لقطة استعراضية أو شعار عابر للعيش المشترك، بل تجسيداً حياً للمبدأ الإنساني: "إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق". فالشهيد في تبنين لا ينتمي إلى فصيل أو عائلة فحسب، بل يرتفع ليصبح فقيد البلدة بأسرها.

جغرافيا النزوح.. التكافل العابر للحدود

إن العمق الحقيقي لبلدة تبنين لا يتوقف عند الصورة النمطية لـ "المئذنة المعانقة للجرس" في ساحة البلدة، بل يتعداه إلى سلوك اجتماعي أفرزته الحرب الحالية. فمنذ نحو ثلاثة أشهر، ومع اضطرار الأهالي للنزوح، لم تعد تبنين مجرد قلعة وتاريخ وشوارع ضيقة، بل تحولت إلى شبكة أمان ممتدة على مساحة الوطن كاملة (10452 كلم²).

خلال أسابيع النزوح القاسية، ظهرت النواة الصلبة للمجتمع التبنيني؛ حيث نشطت حركة تكافلية واسعة أدارها مغتربون ومقيمون، وجمعيات محلية، وأصحاب أيادٍ بيضاء:

 تأمين المأوى البديل للعائلات النازحة ومتابعة شؤونها.

 تأمين الأدوية والرعاية الصحية للمرضى في أماكن تواجدهم.

 رصد العائلات المتعففة وسد احتياجاتها بصمت ودون بهرجة إعلامية.

هذه المنظومة التكافلية جعلت من النادر جداً أن يشعر أي ابن من أبناء تبنين بالغربة أو العوز دون أن تمتد إليه يد السند من أبناء بلدته.

واقعية الطين لا مثالية الملائكة

هذه القراءة الإنسانية لا تسعى إلى إسقاط هالة من "المثالية المطلقة" على تبنين، أو تصويرها كبلدة خالية من العيوب؛ فالبلدة، كأي مجتمع بشري، تشهد تباينات سياسية، وحساسيات عائلية، وضغوطاً حياتية يومية.

لكن الميزة النسبية لتبنين تكمن في "القدرة على إدارة الاختلاف"؛ فعند الوجع يتبخر الانقسام، وعند الشهادة تنحني الرؤوس بخشوع موحد، وعند الحاجة تصبح البلدة بأكملها عائلة واحدة تتجاوز خلافات السياسة وحسابات الأحزاب.

إن وصف تبنين بأنها تعيش في "بلاد العجائب" ليس استعارة مستوحاة من الأساطير، بل هو رصد لواقع عجيب بمقاييس زمن الانقسامات. العجيبة هنا هي الإصرار على الحب والتكافل وسط ركام الحرب، وأن يبقى الإنسان ــ متمثلاً في مشهد إيلي وعلي فوق تراب الجنوب ــ هو القيمة العليا والوحيدة التي لا تقبل القسمة.

 

Posted byKarim Haddad✍️

للمشاركة :
Point7 Multimedia
Style auto