
المملكة العربية السعودية تعيد تموضعها
June 25, 2022
المصدر:
النهار
أعلنت شركة #أرامكو #السعودية أنها ستزوّد بعض المشترين الصينيين بخام أقلّ ممّا طلبوه الشهر الماضي، مع تلبية طلبات العديد من العملاء الآخرين في آسيا بعد تعهّد منظمة أوبك بلاس بتسريع زيادات الإنتاج.
فبحسب ما أوردته وكالة بلومبيرغ، ستحصل كل من اليابان وكوريا الجنوبية وتايلاند والهند على كمّيات النفط التي طلبتها، حتى إن البعض سيحصل على إمدادات إضافية. وعادة لا تعطي شركة أرامكو التي تديرها الدولة، للمشترين سبباً لخفض مبيعاتها لهم.
بالتوقف عند العملاء الذين تنوي شركة أرامكو مضاعفة تلبيتهم يتبيّن أنهم حلفاء الولايات المتحدة في منطقة المحيط الهادئ، وهم أيضاً أعداء للصين على حدّ سواء. فهل خطوة أرامكو هذه أتت تحت عنوان تثبيت المملكة ضمن الاصطفافات الحليفة للولايات المتحدة؟ أم بات العملاء الصينيون أكثر استجراراً للنفط الروسي لكسر العقوبات الغربية على روسيا، على قاعدة ما أفاد به التلفزيون الصيني الرسمي، بأنّ "الرئيس الصيني شي جين بينغ أكّد للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، دعم بكين لسيادة وأمن روسيا"، وفق ما نقلت الصحافة الفرنسية (أ.ف.ف.)؟
قد يكون الطلب المتزايد على النفط السعودي، يعود إلى سعي المشتري الآسيوي إلى بدائل للأصناف الروسية، بسبب ارتفاع هوامش التكرير لديها نتيجة العقوبات المفروضة عليها. وقد يكون أيضاً إرضاءً للولايات المتحدة في سياسة الاحتواء التي تمارس اليوم على روسيا، وغداً حتماً الصين.
قرار شركة أرامكو يبدو غريباً، ولا سيما أن المملكة كانت قد اتخذت موقف الحياد في الحرب الدائرة في أوكرانيا. فمن جهة هي بحاجة إلى علاقة متينة مع روسيا، الحليف الرئيسي لإيران في المنطقة، لعلّها تمارس الضغط على استمرار الهدنة مع الحوثي في اليمن. بالمقابل، هي لا تستطيع خسارة موقعها كحليف للولايات المتحدة في المنطقة، بعد اتفاق كوينسي في 14 شباط 1945، الذي حصل على متن الطراد يو أس أس كوينسي، بين الملك عبد العزيز آل سعود مؤسس المملكة العربية السعودية، والرئيس الأميركي فرنكلين روزفلت، وكرّس السعودية حليف أميركا الرئيسي في البلاد العربية.
صحيح أن العلاقة بين السعودي والأميركي ليست على ما يرام، وأن الرئيس الأميركي جو بايدن لم يلتق ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، إذ لم يقم منذ توليه سدة الرئاسة في البيت الأبيض بأي زيارة للمملكة، إلا أن الأميركي لن يتخلى عن السعودية كشريك رئيسي في المنطقة، كما أن المملكة تعلم جيداً أنها لن تستطيع كسب صداقة روسيا والصين على حساب حلفها مع الصين.
في إطار كسر الجمود بين الولايات المتحدة والمملكة العربية، وكي تقطع الطريق على كل من يريد الاصطياد في الماء العكر، أفادت مصادر مطلعة الأحد 12-6-2022، بأن الرئيس بايدن سيزور السعودية، ومن المقرر أن يلتقي الملك السعودي ولي العهد الأمير بن سلمان. وكانت شبكة C.N.N. الأميركية قد ذكرت في وقت سابق أن بايدن وبن سلمان كانا يخطّطان للاجتماع في نهاية شهر أيار كجزء من قمة أوسع لمجلس التعاون الخليجي.
هي زيارة استثنائية في ظرف استثنائي يعيشه العالم، إذ تهدف الى تعزيز العلاقات مع السعودية، رغم أنّها تحمل في طيّاتها حاجة بايدن إلى إرضاء بن سلمان لحثّ بلاده على الزيادة من نسبة إنتاجها من براميل النفط، في الوقت الذي يحاول فيه بايدن إيجاد سبل لخفض أسعار البنزين في الولايات المتحدة.
طبعاً ليس خفض أسعار البنزين في الولايات المتحدة هو السبب الرئيسي الذي دفع بالرئيس بايدن لتحدّي ذاته والتوجّه إلى المملكة، وليست السعودية الدولة التي لم تزل تؤدّي دور الطفل المطيع لسياسات الإدارة الأميركية. فما سمعه العالم وشاهده من رفض المملكة طلب أميركا في ما خصّ خفض سعر برميل النفط العالمي عبر زيادة إنتاجها، يدرك أن الموضوع تخطّى علاقة الخضوع والانصياع؛ بل للمملكة هواجس أمنية إقليمية، وتخوّفات حقيقية تحديداً في موضوع الملفّ النووي الإيراني، وعدم اطلاعها على المفاوضات القائمة، زادها تقرّباً من روسيا والصين على حساب الصداقة الأميركية.
تعلم الولايات المتحدة أن الوقت اليوم هو للمّ الشمل مع حلفائها التقليديين في المنطقة، إذ تعمل روسيا على إنشاء حلف إسلامي في الشرق الأوسط، يستطيع تضييق الخناق أكثر على مصالح أميركا في المنطقة، لا بل في آسيا ككل. فروسيا تلتزم الديبلوماسية والحوار مع تركيا، خصوصاً في ما يتعلق بالشمال السوري، كي تبقى على مسافة الاحترام بين أنقرة وموسكو، وهي حليفة لإيران رغم الخلافات التي ظهرت في الآونة الأخيرة في ما خصّ الوضع القائم في سوريا، إلا أن إدانة المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية للهجوم الأخير لإسرائيل على مطار دمشق بأشدّ العبارات، دلالة أكثر من واضحة على حزم الروس أمرهم بحماية مصالح إيران وحلفائها في سوريا.
في مقابل الحلف الذي تعمل روسيا على تشكيله، تتوجّه أنظار الولايات المتحدة لإعادة العلاقة مع المملكة العربية السعودية. فزيارة بايدن المتوقعة، تحمل في طيّاتها محاكاة هواجس المملكة في الشأن النووي الإيراني، عبر إنشاء حلف إقليمي رادع لتوسّع النفوذ الإيراني في المنطقة. وستكون زيارة يعلن فيها بايدن متانة العلاقة مع السعودية، ويرفع الحظر القائم على تسليمها الأسلحة التي تحتاج إلى شرائها، ويعيد منظومة الدفاع الصاروخية (الباتريوت) التي فكّكها الجيش الأميركي في وقت سابق من الأراضي السعودية.
أخيراً، في هذا الوضع المتأزم عسكرياً واقتصادياً على المستوى الدولي، لن يجد الأميركي مساحة له للمناورة مع المملكة، بل عليه تسريع الخطوات لضمان أمن السعودية من خطر المدّ للنفوذ الإيراني. هذا وأظهرت المملكة براعة في المناورة في ظلّ الصدام الدولي القائم، لتحسين موقعها المفاوض مع الغرب والشرق على حدّ سواء. لهذا قد لا يتوقع من المملكة التوجّه غرباً كما يريد الأميركي، ولكنها بالحد الأدنى ستزيد من نسبة إنتاجها للنفط الخام إرضاءً لزيارة بايدن، دون أن تدين روسيا في غزوها لأوكرانيا، لأنّها لم تزل في مرحلة الترقب لمسار الأحداث الدولية والإقليمية.
المصدر: "النهار"
جيرار ديب
Posted byTony Ghantous✍️



