
السعودية: السباق بين تحولات الطاقة العالمية وجهود تغيير بنية الاقتصاد
December 25, 2021
المصدر:
bbc news
هل دخلنا في عصر ما بعد النفط؟ هل وصلنا الى تلك المرحلة المفصلية التي يصل فيها الطلب العالمي على النفط إلى ذروته ثم يأخذ بالانحدار الى غير رجعة، فتهتز دول تعتاش من الذهب الأسود؟
التغيير المناخي ووعود الحياد الكربوني والمركبات الكهربائية، ظواهر وتقنيات وسياسات تتنافس على تسديد الضربة القاضية إلى النفط، أو هكذا يبدو.
فهل يحدث هذا؟ وما مصير الدول المصدرة للنفط، المعتمدة عليه في ميزانياتها ومعيشة مواطنيها، وعلى رأسها دول الخليج، وأبرزها السعودية، إذا تم بالفعل التحول إلى عالم جديد يفقد فيه النفط مكانته؟
الصفر الإجمالي
غالبا ما يحكى عن أفول عصر النفط بسبب مكافحة التغيير المناخي والتحول الكبير في مصادر الطاقة.
فقد استنتجت إحدى الدراسات التي نشرت حديثا في مجلة نايتشر أننا إذا أردنا تفادي أسوأ عواقب التغيير المناخي، فإن معظم ما تبقى من نفط وغاز وفحم على كوكبنا ينبغي أن يبقى تحت الأرض.
ما هو "الصفر الإجمالي"؟
السعودية تعتزم تخفيض انبعاثات الكربون إلى الصفر بحلول عام 2060
هناك اتجاه عالمي لإعلان الدول عن مواعيد لبلوغ هدف الصفر الإجمالي لانبعاثاتها الكربونية. وقد كانت الإمارات الأولى بين دول مجلس التعاون الخليجي التي أعلنت قبيل قمة المناخ هذا العام في غلاسكو عن سعيها للوصول إلى هذا الهدف بحلول عام 2050، ولحقت بها السعودية بإعلان نيتها تحقيق ذلك مع حلول عام 2060.
لكن هذا الاتجاه يشكل هاجسا بالنسبة لدول تعتمد اقتصاداتها على قطاعات تساهم في الانبعاثات الكربونية وهذا ما يظهر في محاولات هذه الدول التخفيف من الاندفاعة باتجاه استهداف هذه القطاعات تحت عنوان مكافحة التغيير المناخي.
على سبيل المثال، تحاول البرازيل والأرجنتين التخفيف من استهداف قطاع اللحوم، وتحاول أستراليا فرملة الاندفاعة باتجاه شطب الفحم كليا من إنتاج الطاقة. أما السعودية فهاجسها النفط.
تسريبات تكشف دولا سعت لتعديل تقرير المناخ من بينها السعودية
ففي مقابل أبحاث كتلك التي نشرت في نايتشر، تظهر رغبة سعودية عبّر عنها وزير الطاقة في المملكة عبد العزيز بن سلمان حين قال إن السعودية تريد استخراج كل نقطة من النفط موجودة داخل أرضها.
كيف إذا تعالج هذه المعضلة؟

صدر الصورة،مبادرة السعودية الخضراء /تويتر
التعليق على الصورة،
عقدت أعمال مبادرة السعودية الخضراء في الرياض في أكتوبر/تشرين الثاني الماضي
إضافة الى مشاريع الطاقة المتجددة والاستثمارات في الهيدروجين الأخضر الذي تأمل المملكة أن يكون له سوق كبير مستقبلا، تعمل السعودية جاهدة لبلورة رؤية خاصة حول الحياد الكربوني بحيث تحفظ لنفسها إمكانية استخدام ما تبقى لديها من نفط في العصر الجديد المنتظر.
لهذا فإن سياستها المناخية تختصر بثلاث كلمات: الاقتصاد الدائري للكربون.
الأساس هنا هو في التقاط وإعادة استخدام وتدوير أو تخزين الكربون، ما يتيح الاستمرار في استخدامه، دون أن تخرج انبعاثاته الى الغلاف الجوي.
غير أن كل هذا ليس هو مصدر التهديد الأساس للنفط. إذ يقول الدكتور أنس الحجي، مستشار التحرير في منصة الطاقة والخبير في أسواق الطاقة، إن كمية الكهرباء المولدة الآن من النفط في كل أنحاء العالم لا تتعدى 5 في المئة من إجمالي الطلب العالمي على النفط، وأنه في موضوع الطاقة المتجددة، مهما كانت السياسات المناخية راديكالية فان تأثير على النفط سيكون محدودا جدا.مسألة وقت؟
ما قد يوجه الضربة القاضية للنفط. إنها بطارية أيون الليثيوم، التي يعمل عليها هاتفك الذكي أو اللابتوب الذي تظهر على شاشته كلمات هذا المقال.
التكنولوجيا التي تعمل هذه البطارية بموجبها هي نفسها المستخدمة في المركبات الكهربائية، وإن كان حجم وتكلفة البطارية المستخدمة في المركبات أكبر بكثير من تلك التي تشغل أجهزتنا الإلكترونية اليومية.
لكن وفقا لبلومبرغ، فإن كلفة هذه البطاريات تنخفض مع زيادة الإنتاج، إذ تشير المجلة المختصة في عالم الاقتصاد إلى أنه في كل مرة يتضاعف فيها العرض العالمي للبطاريات، تنخفض كلفة إنتاجها بحوالي 18 في المئة.
اللحظة المنتظرة إذا هي تلك التي تصبح فيها المركبات الكهربائية قادرة على المنافسة الفعلية للمركبات التي تعمل بالوقود التقليدي (أي مركبات محرك الاحتراق الداخلي)، من حيث التكلفة والديمومة والمسافة التي يمكنها اجتيازها قبل الحاجة إلى إعادة الشحن.
وإذا خلعت المركبات الكهربائية تلك التقليدية عن عرشها، فإن الأثر على قطاع النفط في العالم قد يكون مدويا. وفقا لبلومبرغ يستهلك قطاع النقل أكثر من نصف النفط في العالم، ويتركز ثلاثة أرباع هذا الاستهلاك في مجال النقل البري.
بالنسبة لبعض المراقبين، فإنها مسألة وقت.
تحول الطاقة وتحول الاقتصاد

التعليق على الصورة،
تعتمد السعودية على النفط في 60 في المئة من وارداتها
يبدو مجال النفط مفعما بالمجهول والافتراضات غير الثابتة، وبكل ما يخطر في البال من أنواع الأخطاء في التوقعات والتحليلات. وهو حقل كلما غصنا فيه أكثر، ازداد منسوب ما نجهله عنه.
البعض الآن يتحدث عن ذروة الليثيوم (الذي يدخل في صناعة البطاريات)، مثلا، ليقابل بذلك الكلام عن ذروة النفط.
كذلك، فإننا حتى إذا سلمنا بفرضية ذروة الطلب على النفط، نبقى أمام اختلاف التحليلات والتوقعات بشأن سلوك الدول المنتجة للنفط. يشير الحجي مثلا إلى أنه في زمن انخفاض الطلب (الذي لا يراه ماثلا في الأفق أصلا)، هناك احتمال أن تزداد مجموعة أوبك بلاس تراصا، وأن تعمل جماعيا للحفاظ على أسعار عالية لبرميل النفط.
ثم إن العوامل المؤثرة في النفط تفعل فعلها في أطر زمنية مختلفة؛ بعضها يؤثر ببطء وعلى مدى عقود، كتطور البطاريات، فيما يضرب بعضها الآخر بقوة لكن بشكل آني قد يختفي بسرعة، كالوباء مثلا.
هذه التموجات تشوش الرؤيا. فالعام الماضي وصلت الأسعار إلى ما دون الصفر وبات السؤال هو كيف يمكن التخلص من كل هذا النفط، أما هذا العام، وصل الأمر بالولايات المتحدة إلى اللجوء إلى احتياطها الاستراتيجي، بعد فشلها في إقناع أوبك بلاس بضخ المزيد من النفط في السوق. ثم جاء متحور أوميكرون فأعاد خلط الأورق مرة أخرى.
لكن التغيير الكبير في السوق هو ما يعنينا هنا، فهو الذي قد يحول اقتصادات الخليج، وقد يمس استقرارها السياسي المبني، طوال عقود، على النفط وعائداته.
من الواضح أن السعودية لا ترى نهاية وشيكة وسريعة للنفط، لكنها في الوقت نفسه تعمل على أساس انها بحاجة إلى واردات غير نفطية مستدامة. وهي أيضا بحاجة إلى النفط وعائداته لإنجاز تحولها الكبير هذا، تحت عنوان رؤية 2030. لكن تحولات كهذه - حتى في حال نجاحها- تستغرق الكثير من الوقت؛ والوقت قد يكون جوهر المسألة.
هو سباق إذا بين تحولات الطاقة العالمية، وبين مسعى السعودية لتغيير بنية اقتصادها قبل فوات الأوان.
Posted byTony Ghantous✍️


