
الدكتور رجا شهيّب في حوار مع جريدة "الأخبار - كندا": "المؤسسة الدرزية جمعية خيرية وهدفها إجتماعي بحت"
November 20, 2019
المصدر:
إيلي مجاعص - الأخبار كندا
يؤمن الدكتور رجا شهيب إيمانا عميقا وراسخا بالقيم الإنسانية وبأحقية كل فرد في العالم في أن يعيش حياة كريمة، فكيف بالحري أبناء شعبه ووطنه الأم؟ ولعله انطلاقا من هذا الإيمان بالذات، قد رسم مسار حياته الخاصة توازيا مع مسار حياته المهنية، والمساران أرادهما متلازمَين في محبة الآخر، والانفتاح على الآخر، ومدّ يد العون متى وأينما احتاجها الآخر.
البروفيسور رجا شهيب طبيب وأستاذ محاضر في جامعة شيربروك، وصل الى كندا في العام 1972 حاملا شهادة في الطب، وتابع تحصيله العلمي فحاز شهادة تخصص في امراض القلب من الكلية الطبية الملكية الكندية. قام بتأسيس المؤسسة الدرزية في مونتريال عام 2003 ، وهو اليوم علم من أعلام جاليتنا اللبنانية وله بصمات إنسانية واضحة في عدد كبير من المبادرات الخيّرة والأعمال الخيرية. إلتقته جريدة الأخبار - كندا وكان لنا معه الحوار التالي:
* دكتور شهيّب، لقد وصلتَ إلى كندا في السبعينيات من القرن الماضي، صحيح؟
- صحيح، وصلت الى كندا في شهر حزيران من العام 1972 على وجه التحديد. وعلى غرار كل اللبنانيين، كانت تسكنني حسرة كبيرة لأنني تركت الوطن الأم. ولكن، مع مرور الوقت، نجحنا في الاندماج بالمجتمع وتمرسنا بعاداته. تابعت دراستي في الطب وتخصصت في أمراض القلب، ومن ثم قمت بإنشاء مركز للأبحاث الطبية، وهذا المركز يعنى بالأبحاث الخاصة بأمراض القلب والشرايين والكوليسترول وانسداد الشرايين وغيرها، وهو مستمر في عمله منذ أكثر من 15 سنة.
* لا بد من التطرق إلى موضوع المؤسسة الدرزية التي قمتَ بتأسيسها، كما يعلم الجميع، في العام 2003 ، وهي كانت حلما من أحلامك. ما أسباب وجود المؤسسة الدرزية ولماذا رغبتَ في تأسيسها منذ لحظة وصولك الى كندا؟
- بالفعل، تأسست المؤسسة الدرزية بموجب قانون من الدولة الكندية في شهر أيلول/ سبتمبر من العام 2003 وهدفها اجتماعي بحت، بعيدا عن الاحزاب وتوجهاتها واختلافاتها. وبالتالي، يمكننا القول ان مشروعها هو مساعدة المهاجرين في كل المجالات، وكلنا نعلم مدى معاناة المهاجرين الذين يفتقدون أهلهم وعائلاتهم ووطنهم. حاولنا ان تكون المؤسسة الدرزية البديل عما يفتقدونه، ومن خلالها يلتقي المهاجرون بأشخاص يعرفونهم وكذلك يتعرفون على اشخاص جدد من مجتمعات وجنسيات مختلفة، ويطورون ثقافتهم التي حملوها من بلدانهم، وتكون أيضا مكانا تجتمع فيه العائلات.
* وكأن المؤسسة هي بمثابة موجّه او بوصلة للقادم الجديد..
- بكل تأكيد. فنحن نعمل على توجيهه ثقافيا واجتماعيا، وكذلك نقدم له أي مساعدة يحتاجها، مادية وغيرها. فالمغترب، أو القادم الجديد لديه الكثير من الاحتياجات مثل تعليم الاولاد أو ربما يواجه مشكلة مع الدولة أو في إيجاد عمل الخ.. في كل هذه الامور يحتاج لمن يمد له يد العون. والمؤسسة تشارك أيضا في الافراح والاتراح وفي تنظيم الاجتماعات للشباب وللعائلات، وتساهم كذلك في الحفاظ على اللغة الام...كل هذه الامور تجعلنا نسير قدما ونتابع في هذا المسار، ونقدم كل ما بوسعنا لمساعدة أهل بلدنا.
* دكتور، كما نعلم، إن المؤسسة الدرزية هي من المؤسسات القليلة جدا التي تتمتع باستقلاليتها، فهي تمتلك البيت الدرزي اي العقار الذي تعقد فيه اجتماعاتها، هل لك أن تخبرنا كيف تمت عملية شراء البيت؟
- في الحقيقة، نحن بدأنا من الصفر، وقد قررنا منذ البداية انه لا بد ان يكون عندنا هنا "محط رحال" كما يقال، فيكون لدينا بيت يجمعنا، نلتقي في دفئه ونتصرف فيه بحرية وراحة وكأنه منزلنا، ويكون أيضا مكانا لإقامة المناسبات فلا نضطر إلى استئجار الصالات في الفنادق أو غيرها.. هذا القرار اتخذناه منذ البداية مع مجموعة صغيرة من الأشخاص الذين رافقوا انطلاقة المؤسسة الدرزية.
* كم كان عدد هذه المجموعة؟
- في الواقع، كنا عشرة أشخاص وعقدنا العزم على أن يكون لدينا بيت للمؤسسة، ومنذ العام 2003 ولغاية العام 2008 عملنا جاهدين لتحقيق هذا الأمر، واستطعنا في العام 2008 ان نشتري البيت، ودفعنا قسما من المبلغ من جيبنا الخاص، وسددنا القسم المتبقيٍ من عائدات الانشطة التي كنا ننظمها. بعد فترة من الوقت، توفر لدينا القليل من المال وبالتالي، استطعنا اعادة المبلغ الى اعضاء الهيئة الذين ساهموا معنا. واليوم، أصبح لدينا بيت قيمته تقارب نصف مليون دولار، يتضمن صالة كبيرة تتسع لـ 150 شخص تقريبا، بالإضافة إلى ثلاث شقق وموقف خاص للسيارات.. باختصار، يتمتع البيت باستقلالية كاملة.
* يمكن القول إنه أشبه بإمارة!...
- نعم، إمارة مستقلة!...
* نعلم أيضا ان لديكم مدافن خاصة.
- صحيح.
* وهذا يعني أنكم لم تفكروا فقط في الافراح والمناسبات السعيدة، بل فكرتم أيضا في الاتراح والمناسبات الحزينة. هلا تخبرنا عن مشروع المدافن، كيف تم تنفيذه، وما الهدف منه؟
- في الحقيقة كان الهدف من هذا المشروع أن نحافظ على كرامة الإنسان في حياته وكذلك في مماته. المدافن مهمة جداً بالنسبة إلينا نحن الشرقيين، حيث تراودنا دائماً في الغربة أسئلة على غرار: أين سندفن وهل ستكون طقوس الدفن مشابهة لطقوسنا في الوطن الأم، الخ؟ من هنا، قررنا شراء مدافن، واشرينا مدافن لـ 120 جثمان وبلغت تكلفتها أكثر من 100,000 دولار نقوم بسدادها تدريجياً، ونعتبر هذا إنجازا كبيرا، لأن تكاليف الدفن ومراسم العزاء، وكما يعلم الجميع، باهظة جدا هنا، حيث تصل لما يقارب العشرة آلاف دولار. وبمشروع المدافن التي اشتريناها، نخفف العبء عن كاهل العائلات، خصوصاً ذات الدخل المحدود لتحافظ على كرامتها في الحياة وكذلك في الممات.
* نعرف أيضاً أن هناك مهجرين يصلون الى كندا كقادمين جدد، ونعلم أنكم تولونهم اهتماما خاصا. هلا تخبرنا عن المساعدات التي تقدمونها لهم؟
- للأسف، الحروب المتتالية في الشرق الأوسط أجبرت الكثيرين على الهجرة بطرق مختلفة. بذلنا أقصى جهودنا لمساعدة أكبر عدد ممكن من الناس الذين قست عليهم الحياة، وساندنا حوالي 75 عائلة لدى وصولهم إلى كندا، وكلفنا لهم محامية لتتابع ملفاتهم وقمنا بتأمين وظائف ومساكن لهم، فكما تعلم، أكثر ما يحتاجه القادم الجديد هو المنزل. قمنا بتأمين المساكن المفروشة لهم ورحبنا بهم كعائلة واحدة، وهذا العمل الإنساني مدعاة فخر لنا. * وهل المهاجرون الذين استقبلتوهم كانوا فقط من الطائفة الدرزية ؟
- قطعا لا. قدمنا يد العون إلى عائلات من كل الطوائف وساعدنا الجميع من دون تمييز، فنحن نعتبر أننا جميعاً أخوة في الوطن العربي والجميع مرحب بهم. ولا بد هنا أن أثمّن جهود مؤسسات أخرى اهتمّت هي ايضا بشؤون المهاجرين. ونطلب من الله أن يعمّ السلام وتنتهي كل الحروب والمشاكل في الوطن العربي وفي العالم أجمع.
* الان وقد فرضت المؤسسة الدرزية وجودها مع البيت الدرزي الخاص بها، من الطبيعي ان تشهد حركة دائمة على أكثر من صعيد...
- في الواقع، وجود البيت ساعد على التفاف الناس حول المؤسسة وبالتالي، أصبح الاطلاع على حاجاتهم وتطلعاتهم عملية تلقائية. صحيح، المؤسسة تشهد حركة دائمة ونحن نقوم بصورة مستمرة بتنظيم أنشطة مختلفة، نذكر منها الجلسات الثقافية التي أقمناها أخيرا حول تاريخ الشرق الاوسط وكانت ناجحة جدا لان المحاورين كانوا من أصحاب الاختصاص. بالإضافة إلى الأنشطة التي ننظمها في الاعياد والمناسبات على مدار السنة حيث تجتمع العائلات وتكون على تواصل دائم مع بعضها البعض، ولدينا أيضا عدد من الأنشطة الرياضية.
* حدثنا قليلا عن الأنشطة الرياضية التي تعتبر اليوم في منتهى الأهمية نظرا لتأثيرها الإيجابي على صحة الإنسان الجسدية والنفسية ...
- الرياضة مهمة جدا في حياتنا التي اصبحت تتسم بالضغوط المختلفة وخصوصا بالنسبة إلى جيل الشباب فهي تملأ وقت الفراغ بطريقة مفيدة ولها تأثير إيجابي لا يوصف على صحة الجسد والعقل، وهي تبعد الانسان عن المشاكل النفسية مثل الكآبة والإحباط والتوتر وغيرها. بدأنا برياضة الغولف وهذا كان إنجازا كبيرا لأن هذه الرياضة لم تكن متاحة في منطقتنا.
* وهذه السنة قمتم بتنظيم الدورة السادسة عشرة في الغولف؟
- صحيح كانت الدورة السادسة عشرة، فنحن ننظم هذه الدورة كل سنة في أواخر شهر آب، ودورات الغولف مهمة جدا بالنسبة إلينا لانها مصدر تمويل، وقسم كبير من هذا التمويل يأتي من الكنديين المشاركين الذين تستهويهم هذه الرياضة، وهذه الانشطة هي مناسبة أيضا لنشر ثقافة اللبنانيين وإظهار مدى انفتاحهم على العالم وانخراطهم في المجتمع الكندي. لهذا السبب، تحقق هذه الدورات نجاحا متزايدا سنة بعد سنة.
* هذا ما لمسناه بالفعل، إذ كنا من الحاضرين في دورة هذه السنة ولاحظنا التنوع الثقافي من الاغاني العربية الى الرقص الكندي الخ... بالفعل جهودكم مشكورة.. قلتَ قبل قليل إن الغولف هو مصدر دخل للمؤسسة، هل لنا أن نعرف أين يذهب هذا المدخول؟
- الاشتراكات والتبرعات في المؤسسة قليلة جدا، ومدخول الغولف نضعه في صندوق المؤسسة لدعم كل الأنشطة الأخرى. نحن لدينا فريق كرة قدم ويحتاج إلى دعم مادي لتأمين استمراريته، وهناك ايضا الحفلات التي تقيمها المؤسسة. يهمنا جدا أن يشارك فيها الفقير قبل الغني ونحن نقوم بتغطية الخسائر. نحن لا ننظم اي نشاط بهدف الربح المادي. همنا الاول أن يشعر الناس بأنهم في بيتهم. فالمؤسسة هي جمعية خيرية وليست جمعية ربحية تتوخى تحصيل الأموال.
* بأي حال، هذا أمر يعرفه الجميع عن المؤسسة وعنك شخصيا...
- "تسلم" ....نحن، من خلال هذه الأنشطة، استطعنا أن نكفل 75 عائلة ونؤمن لهم وجودهم واستمراريتهم هنا، وخصصنا مبلغا من المال لمساعدة الطلاب في تحصيلهم العلمي، وأيضا دفعنا للمدافن ولا نزال نسدد ثمنها، ونحاول أن نغطي قدر الامكان تجهيزات الدفن للعائلات المحتاجة، هذا بالإضافة إلى المشاكل والمصاريف الطارئة. كل هذه مصاريف كبيرة ولكن، الحمدلله، الله دائما إلى جانبنا والمحبون والاصدقاء كثر.
* بالإضافة إلى الرياضة والاجتماعات والانشطة على أنواعها... هل تقيمون المؤتمرات في البيت الدرزي بهدف استقطاب اكبر عدد من الناس وخصوصا من جيل الشباب؟
- بالفعل، المؤتمرات مهمة جدا بالنسبة إلينا لجمع عدد كبير من الناس سواء من المنطقة او من خارج كندا. منذ فترة نظمنا نشاطا جميلا جدا لمدّ جسور التواصل بين الشباب، واستطعنا أن نجمع أكثر من 100 شاب من كل انحاء العالم، من استراليا واوروبا واميركا الجنوبية والولايات المتحدة وكندا. وكان الهدف من هذا اللقاء أن نمدّ جسورالتواصل بين هؤلاء الشباب، وأيضا أن نفتح أمامهم مجالات العمل. فإذا ذهب احدهم الى الولايات المتحدة، مثلا، يجد هناك مَن يستطيع أن يساعده على تدبير اموره من العمل الى الحياة اليومية الخ.. وكذلك يقدمون المساعدة لبعضهم البعض عن طريق وسائل التواصل والانترنت. هذا بالإضافة إلى التعارف بين الصبايا والشباب، فهناك 4 أزواج تعرفوا على بعضهم البعض وتزوجوا عن طريق هذه اللقاءات.
* وهنا لا بد من السؤال، هل تقتصر المؤسسة الدرزية على أخواننا الدروز ام هي منفتحة على كل الناس؟
- لدينا في المؤسسة الدرزية الاعضاء ولدينا أيضا المشاركون والاصدقاء من جميع الطوائف، ونحن نرحب بهم ونشكرهم فلولاهم لما وصلنا الى ما نحن عليه اليوم. الجميع اهلنا واصحابنا ورفاقنا، ونثمّن مساهمتهم في هذا العمل الاجتماعي والانساني الذي هو ملك لكل الناس. سميناها المؤسسة الدرزية ولكننا كدروز، منفتحون على كل الطوائف ونكنّ للجميع المحبة والتقدير، ويهمّنا أن يساهم الجميع في أي عمل خيري وانساني يجمع اللبنانيين على المحبة.
* تقصد القول انكم منفتحون على كل الجاليات وليس لديكم اي مشكلة مع أي كان؟
- بالضبط. لدينا علاقات مع كل الجاليات وكل الطوائف، وهذا أمر نفتخر به ونفتخر ايضا بثقتهم بنا وبالعلاقة التي تربطنا، وهذا يؤمن لنا الاستمرارية والانتشار وإقامة العلاقات الانسانية مع الجميع.
* بروفيسور شهيب، نشكرك من جريدة "الأخبار- كندا" على هذا الحوار الشائق، ونتمنى لك وللمؤسسة الدرزية وللبيت الدرزي المزيد من التألق والنجاح. هل من كلمة أخيرة تودّ أن تقولها في نهاية هذا اللقاء؟
- أنا أشكرك أخ ايلي، وأشكر أسرة جريدة الاخبار. انتم هنا صوت المهاجر في كندا. فخر لنا ان يكون لدينا وخصوصا في مونتريال، هذا الصوت الذي يعبر عن شعورنا وعن مشاكلنا وعن أحزاننا وأفراحنا، وعن تواصلنا مع بعضنا البعض. وأنت استاذ ايلي، لك اليد الطولى في هذا المجال، والجميع يحبونك فأنت مقرب من جميع الناس ولك قيمة ومحبة كبيرة عندهم ونحن نعتز بكم وبكل ما تقدمونه للجالية. كلمة أخيرة.. اتمنى ان يعم السلام بلادنا، وان يكون بمقدور جميع الشباب انهاء دراستهم في بلادهم قبل المجيء الى هنا. وأتمنى ان تسود اجواء الالفة والمحبة بين المهاجرين وان ينسوا الاحزاب وكل ما يفرّقهم، ويلتفوا بمحبة حول ما يجمعهم حتى تتمكن الجالية اللبنانية من متابعة تقدمها الى مستقبل زاهر. نحن أمامنا تحد كبير مع المجتمع الكندي ولدينا عدد هائل من الطاقات الايجابية التي يجب ان نعمل جميعا على إظهارها، ونساعد بعضنا البعض ونكافح لكي تكون للاجيال القادمة، أولادنا وأحفادنا، طريق ممهدة للتقدم والحضارة.
Posted by✍️



