تخطي إلى المحتوى

Thursday, 29 October 2026

مونتريال --°

بيروت --°

عاجل
الجزائر تحجب الأغاني "الهابطة" رسمياً... ما مصير الراي؟

الجزائر تحجب الأغاني "الهابطة" رسمياً... ما مصير الراي؟

February 23, 2023

المصدر:

المصدر: النهار العربي

"واي واي"... قد تبدو الكلمتان غريبتين بعض الشيء، ولكن المؤكد أن الغرابة ستزول إذا ما عرفنا أنهما عنوان لأغنية تنتمي لصنف الأغاني التي صنعت "مجداً" استثنائياً، وأثارت جدلاً واسعاً، وحققت انتشاراً كبيراً في الجزائر منذ سنوات، بل وتعدت الحدود لتحتل شوارع بلدان مجاورة وقاعات حفلاتها وفنادقها وديسكواتها.

اكتسحت الأغاني "الهابطة" وفق تعبير أغلب الجزائريين، ساحة الفن و"الإبداع" الصوتي في البلاد منذ ما يربو على الثلاثين سنة أو أقل بقليل. فعلى رغم صوت الرصاص الذي لم يكن يعلو فوقه صوت خلال تسعينات القرن الماضي، أو ما يعرف بين الجزائريين بـ"العشرية الحمراء"، إلا أنها كانت المنطلق نحو انزلاق "فني" وغربة "إبداعيّة" انبعثت من الملاهي الليلية وتدرّجت نحو الشارع لتصل إلى البيوت من طريق الراديو والتلفزيون؛ ولا يكاد الجميع ينسى بث التلفزيون الحكومي، وعلى المباشر، أواخر سنوات تسعينات القرن العشرين، لأغنية اعتبرت "خادشة للحياء"، وهي أغنية خرجت من رحم "الكباريات" كما قال حينها معظم الجزائريين، معتبرين "سقطة" التلفزيون الحكومي آنذاك بمثابة تفريق لشمل العائلات الجزائرية التي كانت معتادة، في ذلك الوقت، على السهر

أمام جهاز التلفزيون لمتابعة ما تبثه القناة الوحيدة أمامهم، بخاصة أن الأغنية بُثت برقصات "متمايلة" لمؤديتها وهو ما لم يتعود عليه الجزائريون.

وزارة الثقافة: لا لأغاني "الابتذال"

وبعد ما يقارب الثلاثين سنة من "تلطيخ السمع" و"تشويه" ذوق الشباب على حد تعبير أحمد بلغالم، وهو أستاذ اللغة العربية بإحدى الثانويات العاصمة الجزائر، وفي وجهة غير متوقعة، راحت وزارة الثقافة والفنون تمنع بث ما وصفته بـ"الأغاني المبتذلة" أو برمجتها في كل النشاطات الثقافية. وجاء في بيان الوزارة الذي انتشر على نطاق واسع داخل الجزائر وخارجها، أن هذا القرار تم اتخاذه "بعد استفحال ظاهرة انتشار التجاوزات اللاأخلاقية في كلمات بعض الأغاني الجزائرية المسجلة والمذاعة بعشوائية، والمضللة لمختلف فئات المجتمع لا سيما الشباب من خلال نشر الابتذال والانحراف، وما إلى ذلك من آفات على غرار الأغاني التي تشجع على العنف والجريمة"؛ إضافة إلى "التحريض على تعاطي المخدرات والتشجيع على الهجرة غير الشرعية التي أصبحت بوابة للموت، وكذلك الوقوف على العديد من الظواهر السلبية والمشينة، ليس فقط للذائقة الفنية، بل أيضاً لما يرجى من الشباب الجزائري بغية رفع التحديات الكبرى في بلادنا".

 

وزيرة الثقافة الجزائرية صورية مولوجي.

وحذرت الوزارة المسؤولين في قطاع الثقافة والفنون من "برمجة وبث ونشر هذه الأغاني في الفعاليات الثقافية، بقصد وقف هذا التفلت والحد من انتشاره في أوساط الناشئة والشباب، حماية لهذه الشريحة أولاً، وحرصاً على الارتقاء بالذائقة الفنية من التشويه والتضليل، ودفعاً بشباب الجزائر نحو المواطنة الراشدة بما يخدم البلاد ويسهم في تنميتها وازدهارها"، مؤكدة أنها "لن تتهاون في سبيل ترسيخ هذا الإجراء، وذلك باستعمال كل ما يخوله القانون في هذا الشأن على غرار سحب بطاقة الفنان... وتطبيق كل التدابير القانونية السارية المفعول".

 

 

"الفن غالباً هو حالة من التحرر"

"من حق الجهات الرسمية المحافظة على المعايير الأخلاقية وعدم الاعتماد في حفلاتها ومهرجاناتها إلا على ما يراعي الذوق العام والفن"، تقول الكاتبة الصحافية سارة بانة، مشيرة إلى أن قرار وزارة الثقافة "يضعنا تحت طائلة الجدل أيضاً". وتساءلت في حديث لـ"النهار العربي"، "كيف ستُستغل هذه التعليمات؟ نحن أمام واقع يقول إن جيلاً كاملاً يستمع لأغاني غالباً معانيها فارغة، وهو أخطر في نظري من أن يكون هناك معنىً ثم نناقش محتواه، وهذا الأمر يجعل شرط إنجاح بعض الفعاليات الموجهة لجيل الشباب مرهوناً باعتماد الأغاني التي يسمعها".

الصحافية بانة ذهبت أبعد من قرار وزارة الثقافة الجزائرية، فأكدت أن مسؤولية تهذيب الذوق العام لا تقتصر على وزارة الثقافة بل تتعداها لتصل إلى المؤسسات التربوية عبر إلزامية تدريس الموسيقى وخصوصاً خلال المراحل الإعدادية، فهي المرحلة التي تعلم الطفل، إضافة إلى أبجديات الكتابة والقراءة، لتلقنه مبادئ التمدرس وأساسياته، وتهذّب سمعه وتركز أذنيه على تنقية كل ما تتلقاه.

وختمت بانة بالتأكيد على أن "الفن غالباً هو حالة من التحرر، وإذا ما تم الإفراط في الخطأ فإن الهاجس سيكمن في أن تفقد مؤسساتنا الوطنية القدرة على استقطاب شريحة الشباب وبالتالي تعرضه أكثر لما هو أسوأ".

من جانبها، تقول الروائية الجزائرية هدى أزيرا إن الرقابة أمر جيد لكن الأفضل هو طرح الأسئلة المناسبة لخلفيات مثل هذه القرارات، فالأجدر البحث عن الأسباب الدافعة للاهتمام الشبابي بمثل هذا النوع من الأغاني. سألها "النهار العربي" عمّا إذا كانت تعني أن قرار وزارة الثقافة لا طائل منه، فأجابت بسؤال آخر: "هل من بديل في الساحة الثقافية والفنية تقترحه الوزارة على آذان من يستمع لهذه الأغاني التي قيل إنها مبتذلة؟... وإن كان هناك بديل فما هي الطريقة الأمثل للترويج له؟!"، لتضيف: "في رأيي أن العمل الحقيقي الذي يجب أن يقوم به الفاعلون في الساحة الفنية والثقافية في الجزائر هو سد الفراغ الموجود الذي دفع الشباب لاستهلاك كل ما هو مبتذل، مع ضرورة الأخذ في الاعتبار أن هذه الفئة بحاجة إلى أعمال فنية تحاكي مشاكلها وواقعها المعاش. وحتى نكون إيجابيين أكثر دعنا نتفاءل خيراً من هذا القرار، آملين في أن يكون أولى خطوات تهذيب السمع العام"، تقول أزيرا.

الشابة ليزا: "واش رانا نسمعوا... كارثة"!

في حوار مقتضب جمع "النهار العربي" مع "الشابة ليزا"، وهي إحدى الفنانات الشابات المؤديات لأغاني الراي في الجزائر (طابع غنائي مصنف في منظمة اليونسكو كتراث غنائي جزائري)، أكدت أن قرار وزارة الثقافة والفنون بمنع بث "الأغاني المبتذلة" صائب ويخدم الأغنية الجزائرية حاضراً ومستقبلاً، مشيرة إلى أن طابع الراي الذي تؤديه لا يحمل في أصله كلاماً مبتذلاً ولا سوقياً "ومحترفو هذا الطابع من فن الراي الجزائري كالشاب خالد ومامي وغيرهما يعلمون ويدركون ذلك أفضل إدراك".

الشاب خالد.

وأضافت الشابة ليزا "أن الجرأة دفعت بعض الأصوات الشاذة إلى تحويل فن الراي الأصيل إلى أغانٍ تحمل كلمات تخدش الذوق العام، وتخدش حياء عائلاتنا المحافظة، بل وتفرق بين الأزواج وتسمي أغانيها زوراً وبهتاناً بأغاني الراي، وهو ما لم نتقبله ولم يقبله شيوخ ومحترفو هذا الفن الأصيل، أصالة وعراقة فنون الجزائر وتاريخها الثقافي".

الشابة ليزا التي لم تشأ أن تغوص كثيراً في موضوع أصالة فن الراي المشوه من بعض الأسماء الدخيلة عليه، قالت بلهجة جزائرية خالصة "كارثة واش رانا نسمعوا"، مضيفة: "نتمنى عودة الأغنية الأصيلة ذات الكلمات النظيفة واللحن الراقي وكفى".

دعوات لحجب بعض المنصّات

وعلى رغم أن قرار وزارة الثقافة الجزائرية اقتصر على فعالياتها ومديرياتها ومحافظاتها ودواوينها ومهرجاناتها التابعة قطاعياً لها، إلا أن الجدل وصل إلى محطات الإذاعة والتلفزيونات عامة كانت أو خاصة، فكثيراً ما أذاعت بعض المحطات الإذاعية أغاني صُنفت من البعض في خانة "المبتذلة"، وكثيراً ما تجرأت بعض القنوات في بث أغانٍ أو مقاطع اعتبرت أيضاً "خادشة للحياء العام".

وفي هذا الصدد، تقول الصحافية في إذاعة الجزائر الدولية حكيمي ذهبي إن "منع الأغاني المبتذلة في الجزائر ليس وليد اليوم، بل جاء ذلك في قرار سابق للرئيس الراحل هواري بومدين، الذي منع أغاني الراي المبتذلة من البث في الإذاعة والتلفزيون الحكوميتين الوحيدتين في الجزائر آنذاك، وذلك مع أن أغاني الراي كانت كلماتها محترمة بعض الشيء"، لكن سرعان ما تخلت الدولة تدريجياً عن هذا القرار في عهد الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد، الذي أقر التعددية والانفتاح نهاية ثمانينات القرن الماضي.

وتؤكد حكيمة ذهبي لـ"النهار العربي" أن "السقوط في المحظور توالى خلال السنوات العشرين الأخيرة، إلى أن بتنا نستمع لأغانٍ تشجع على تعاطي الممنوعات والهجرة غير الشرعية والانحلال الأخلاقي". ومع تأكيدها أن قرار وزارة الثقافة والفنون هدفه الأساسي استرجاع هيبة المؤسسات الثقافية العمومية، لكنها تعتقد أنه "لن يساهم في تقليل انتشار تلك الأغاني المصنفة مبتذلة أو خادشة للحياء، لأن هذا النوع شائع جداً في أوساط ووسائط مختلفة غير تلك التقليدية، كمواقع التواصل الاجتماعي مثلاً، وهي المواقع التي لا حسيب ولا رقيب على محتواها في الجزائر، ولا يمكن للدولة كحكومة أن تتحكم في ما تبثه أو تنشره، والأدهى أن ما يُعد مبتذلاً وقذراً من تلك الأغاني بات انتشاره كالنار في الهشيم عبر منصة تيك توك ذات الصيت الواسع والمتابعة المليونية اليومية".

ودعت ذهبي السلطات الجزائرية إلى "حجب بعض المنصات المروجة للابتذال والانحلال الأخلاقي والميوعة، مثلما فعلت الكثير من الدول العربية والإسلامية".

Posted byTony Ghantous✍️

للمشاركة :
Voyages Galleon
إعلان