
التصحّر يكشف كنوز البحر الميت وينذر بمحو التاريخ
November 30, 2021
المصدر:
النهار
غدت منطقة وادي الأردن والبحر الميت، الأكثر تضرراً نتيجة انحسار المياه بسبب الجفاف، الأمر الذي ينعكس سلبا على قطاعات عدة، أهمها المياه والزراعة والسياحة.
وكشفت هذه التغيرات كنوزاً أثرية ومرافق تاريخية في المنطقة، أضاء عليها تحقيق نشرته صحيفة "هآرتس" العبرية.
واستغل باحثان أثريان في إسرائيل تراجع نسبة المياه في البحر الميت للقيام بمسح ميداني بهدف البحث عن كنوز أثرية أفضت لاكتشاف مراس ومرافئ تاريخية وسفن قديمة وحطام مقاتلة أردنية.
ولاحظ الباحث الأثري الإسرائيلي غدعون هداس خلال جولة في سواحل البحر الميت برفقة زوجته عام 2003، ظهور بعض الآثار نتيجة تبخر مياه البحر، منها مرساة معدنية من الحقبة الرومانية بحالة ممتازة رغم تغطيتها بغلاف من الأملاح.
وأوضح جدعون أن المرساة بدت "كرأس بصل عملاق يصل وزنه إلى 600 كيلوغرام وهي المرساة الأقدم التي اكتشفت في البلاد حتى الآن، وتعود للقرن السابع الميلادي".
واشار إلى أنه النشاط الذي طرأ في البحر الميت دفعه مع الباحث الأثري أساف أورون من جامعة حيفا للبحث عما يمكن اكتشافه نتيجة انحسار المياه والتصحر، كالأشياء التي سقطت في البحر في أزمان غابرة.
وبدأت الدراسة برعاية جامعة حيفا بين 2005 و2010، وشملت مسحاً ميدانياً من خلال التجول سيراً لمدة اسبوعين ابتداء من المنطقة التي يصب فيها البحر الميت بالقرب من مدينة أريحا إلى وادي تساليم في جنوب البحر الميت على بعد 80 كيلومتراً.
ولفت جدعون إلى أن هذا الشريط الساحلي كان حتى قبل عقود قليلة مغمورا بالمياه مشيرا إلى أن "الجولة البرية هذه هي نوع من الغطس بلا أدوات غطس".
ووجد الباحثان مراسي وقطعاَ نقدية وأواني فخارية وغيرها من الأشياء التي تروي قصة الملاحة داخل البحر الميت، رغم أن المشي في هذا الشريط الساحلي محفوف بمخاطر السقوط في آبار وحفر كونتها الطبيعة نتيجة انحسار المياه.
بقايا مقاتلة أردنية
وعثر المنقبان الإسرائيليان على بقايا طائرة حربية أردنية من طراز "هانتر" بريطانية الصنع استخدمها سلاح الجو الأردني في ستينيات القرن الماضي.
وبحسب "هآرتس" فإن الحطام يعود إلى طائرة موفق بدر السلطي، وهو طيار أردني مرموق سقطت طائرته في البحر الميت عندما كان يحاول تقديم المساعدة لقوات برية في تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1966 خلال اشتباك مع قوات إسرائيلية، ضمن عملية في مستوطنة قريبة من قرية السموع جنوبي الخليل، ووقتها لاحظ طيار إسرائيلي يدعى ران فاكر الطائرةَ الأردنية فاشتبك معها وأسقطها حيث وغرقت في البحر الميت.
وبحسب "هآرتس" فقد أبلغ الباحثان الإسرائيليان الجيش الأردني أنهما عثرا على حطام طائرة السلطي وسلماها له، وفي الشهر الماضي شيد هداس نصباً تذكارياً للسلطي داخل مقبرة مستعمرة عين جدي.
مرفأ عمره 2000 سنة
وفي موقع آخر شمالي البحر الميت، اكتشف الباحثان الإسرائيليان مرفأ صغيراً لحماية المراكب من الحقبة اليونانية القديمة، عمره أكثر من 2000 عام، وتم بناؤه عبر طمر المكان بآلاف أطنان الحجارة على بعد عشرات الأمتار من الساحل.
وعثر الباحثان على عشر مراسٍ قديمة وآثار مرافئ تاريخية من الفترة الفارسية في القرن السابع قبل الميلاد، ومراسٍ من الفترة الصليبية تعود للقرن الثاني عشر الميلادي.
وأشار هداس إلى أنه على عكس الآثار المكتشفة في البحر المتوسط، بقيت الموجودات الأثرية المعدنية والخشبية والحجرية بحالة ممتازة بفضل الملح.
وقال: "عثرنا على بعض كتل الزفت السوداء على الساحل والتي توقف البحر الميت عن لفظها عام 1969 لسبب لا يعلمه العلماء"، موضحاً أن "هذه المادة السوداء استخدمها القدماء في تحنيط الموتى وتحضير أدوية ومواد تجميل وفي بناء السفن ولذا بيعت بأسعار عالية في منطقة حوض البحر المتوسط طيلة آلاف السنين".
كما عثر الباحثون الإسرائيليون على موجودات أثرية تعود لمصانع البحر الميت الفلسطينية قبل نكبة 1948 في شمال البحر، وسلاح ألقاه جنود أردنيون على ما يبدو خلال انسحابهم عام 1967.
خريطة فسيفسائية
ويعتقد جدعون هداس وأساف أورون أن البحر الميت قد شهد في العصور القديمة "نشاطاً ملاحياً بغية نقل البضائع والمواصلات علاوة على تجميع كتل الزفت التي كانت تطفو على سطح البحر".
ووفق "هآرتس" فإن خريطة مادبا الفسيفسائية التاريخية من القرن السادس ميلادي، تشير لازدهار الملاحة في البحر الميت، حيث تظهر سفينتان تحمل الأولى ملحاً والثانية محملة بمواد داكنة اللون ربما هي الزفت أو الحنط
موت التاريخ
وقد استمر المسح الميداني عشر سنوات، وانتهى عام 2015، ومن وقتها تجرى دراسات على الموجودات المكتشفة تم نشرها في مقالات.
ولاحظ الباحثان خلال هذه التجربة، الأضرار البالغة الناجمة عن التصحر، خاصة انهيار سواحل البحر الميت والمساس ببنى تحتية، علاوة على محو التاريخ.
واستنتجا أنه طالما بقي البحر على حاله دون انحسار، فإن الموجودات الأثرية تبقى في قعره سالمة، وعند انكشافها تتعرض للتلف والتحطم نتيجة عوامل المناخ وارتطام الأمواج بها.
ويرجح الباحثان أن طبقة الأملاح المتحجرة في سواحل البحر الميت التي تتعرض للتصحر والجفاف في السنوات الأخيرة، باتت سميكة لدرجة أنه لم يعد بالإمكان الاطلاع على الموجودات الإنسانية الدفينة فيها، ولذا لا أحد يعلم حجم الأثريات التي تفتقد نتيجة لذلك".
المصدر: النهار العربي
Posted byTony Ghantous✍️
.jpg&w=3840&q=75)


