تخطي إلى المحتوى

Thursday, 29 October 2026

مونتريال --°

بيروت --°

عاجل
الإمارات والتّخطيط للقرن المقبل... "المريخ-2117" نموذجاً

الإمارات والتّخطيط للقرن المقبل... "المريخ-2117" نموذجاً

December 6, 2021

المصدر:

النهار

بالتوازي مع احتفالات اليوبيل الذهبيّ، أعلنت الحكومة الإماراتيّة عن المبادئ الاستراتيجيّة التي ستستند إليها دولة الإمارات العربيّة المتّحدة خلال الخمسين عاماً المقبلة. وعلى ما في هذه المبادئ من إظهار للتخطيط البعيد المدى – وهو أمر سبق أن أكّدته القيادة خلال الخمسين عاماً الماضية على أيّ حال – يبقى أنّ المدى الزمنيّ الذي ينعكس فيه التخطيط الاستراتيجيّ الإماراتيّ يتعدّى نصف قرن من الزمن. في الواقع، استطاعت الإمارات وضع مشروع طموح، وربّما المشروع الأكثر طموحاً على الإطلاق للقرن المقبل: بناء مستعمرة بشريّة على المرّيخ في 2117.

 

كيف يمكن الردّ على المخاوف؟

يخشى معارضو مشاريع الاستثمار في الفضاء من تداعياتها على الأرض. فهي تزيد نسبة التلوّث بما يفاقم أزمة التغيّر المناخيّ. ويقولون أيضاً إنّ الأموال التي تُنفق على المشاريع الفضائيّة، يمكن تحويلها إلى مشاريع مكافحة الفقر ومحو الأميّة ومكافحة الأوبئة بل الاستعداد للأوبئة المستقبليّة بعدما تبيّن أنّ البشريّة ليست محصّنة إزاءها. لكن ينبغي على مقاربة هذه المواضيع ألّا تكون على قاعدة "إمّا/أو".

 

في ما يخصّ التغيّر المناخيّ، يستحيل الاستغناء عن الفضاء لتخفيف تداعيات التلويث الصناعيّ على الأرض. إنّ القاعدة البديهيّة الأولى التي تحكم "الكوكب الأزرق" تتلخّص في أنّ موارده ليست غير محدودة. عاجلاً أم آجلاً، سيحتاج الإنسان إلى إيجاد موارد جديدة تلبّي احتياجاته والكواكب القريبة من الأرض هي المصدر الأساسيّ لتلك الموارد. علاوة على ذلك، يرتبط اكتشاف الفضاء نفسه باقتصاد ما بعد البترول كما أوضح مدير برنامج "مسبار الأمل" عمران شرف. وكانت الإمارات قد نجحت في شباط (فبراير) الماضي بأن تكون أوّل دولة عربيّة وخامس دولة عالميّة توصل مسبارها إلى المرّيخ لدراسة غلافه الجوي. ولا يستبعد العلماء أن تصبح الإمارات مركزاً عالمياً لإطلاق المركبات والعربات والأقمار الاصطناعيّة في المستقبل.

 

أمّا في ما يخصّ تحويل الاستثمارات للتنمية البشرية، فتعدّ الإمارات من كبار المانحين الدوليين حيث يشكّل برنامجها للمساعدات الخارجيّة "أحد أضخم" هذه البرامج على مستوى العالم، قياساً بحجم دخلها القوميّ الإجماليّ، بحسب منظّمة "بورغن بروجكت" غير الربحيّة والهادفة إلى مكافحة الفقر المدقع. وتفيد المنظّمة أنّه منذ 2013، بقيت الإمارات واحدة من كبار المانحين الرسميّين حول العالم، وقد تخطّت مساعداتها باستمرار حاجز 0.7 في المئة من دخلها القوميّ، حيث وصلت في 2018 إلى عتبة 0.93 في المئة. وانخفضت هذه النسبة إلى قرابة 0.48 في المئة في 2020 بسبب الحاجة الداخلية لمواجهة تداعيات فيروس "كورونا". وللمقارنة التوضيحيّة، منحت الولايات المتحدة في 2020 فقط 0.17 في المئة من دخلها القوميّ كمساعدات للخارج. ومن بين ما تهدف إليه تلك المساعدات "إلغاء الفقر، دعم الأطفال، النقل، البنية التحتية، دعم الحكومات وتمكين النساء".

 

إذاً، ثمّة سعي إماراتيّ لتنويع المشاريع بين ما يخدم البشريّة في المدى المنظور كالمساعدات والمنح الأجنبيّة وحتى برامج مكافحة التغيّر المناخيّ. فقد استثمرت قرابة 16.8 مليار دولار في 70 دولة لبناء مشاريع عاملة على الطاقة المتجّددة. ومن المتوقّع أن تستضيف الإمارات مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ الثامن والعشرين (كوب-28) سنة 2023. بالمقابل، تعدّ الاستثمارات الإماراتيّة في الفضاء من المشاريع التي تخدم البشريّة في المدى البعيد. وبناء مستوطنة على المريخ بعد حوالي قرن من الزمن واحد منها.

 

ماذا عن المرّيخ؟

لو سارت الخطة كما هو متوقّع، فستكون الإمارات قد بنت مدينة تؤوي 600 ألف نسمة بحلول 2117. وانضمّت الإمارات إلى الولايات المتحدة وروسيا والصين ومجموعة من الدول الأوروبية، إضافة إلى الملياردير إيلون ماسك في رحلة إنزال الإنسان على سطح المرّيخ. وكان حاكم ولاية دبي ورئيس الحكومة الإماراتية الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم قد أشار إلى مشروع "المريخ 2117" في تغريدة منذ أربعة أعوام.

 

لكنّ هذا المشروع ليس مجرّد خطّة متروك تنفيذها لفترة معيّنة في المستقبل. فهو كأيّ مشروع آخر خاضغ لإشراف فريق متخصّص في "مركز محمد بن راشد للفضاء"، كما يخضع لمؤشرات أداء رئيسيّة خاصّة به. وحصل زوّار القمّة العالميّة للحكومات 2017 في دبي على محاكاة للواقع الافتراضيّ لما ستبدو عليه مستعمرة على المرّيخ، وقد تضمّنت مركبات وقباباً عملاقة ستستضيف الحضارات المبكرة على "الكوكب الأحمر".

 

كما كلّ مشروع فضائيّ، لن يكون "المريخ 2117" مجرّد نزهة. فقدَ المرّيخ معظم غلافه الجويّ الذي يحميه من الإشعاعات الكونيّة والشمسيّة الضارّة. ومعدّل درجة حرارته حوالي ناقص 63 درجة مئويّة. وانخفاض الضغط الجويّ على سطح الكوكب الأحمر (أقل بمئة مرّة مما هو عليه حول الأرض) يعني أنّ السوائل تتبخّر سريعاً، حتى أنّ دم الإنسان "سيغلي" على المرّيخ إذا لم يكن محميّاً. وثاني أوكسيد الكربون يعجّ في غلاف المرّيخ (95 في المئة). حتى الجاذبيّة أقلّ على المرّيخ ممّا هي على الأرض بحوالي الثلث (كتلة المرّيخ تساوي تقريباً نصف كتلة الأرض)، وهذا يفرض هندسة جديدة.

 

يملك الإماراتيّون تصوّراً عن التحدّيات التي يمكن تخطيها. قال مدير برنامج مشروع "مريخ-2117" حينها سعيد القرقاوي إنّه يمكن بناء المنازل من التربة المرّيخيّة باستخدام تكنولوجيا الطباعة الثلاثيّة الأبعاد وزراعة الفاكهة والخضار في البيوت البلاستيكيّة وبناء بعض البروتينات في المختبرات.

 

الطريق إلى المرّيخ طويلة، وهي بدأت مع "مسبار الأمل" وبرنامج الإمارات لرواد الفضاء وبناء "مدينة المريخ العلمية". وتخطّط الإمارات أيضاً لإنشاء "محكمة فضائية" تنظر في المسائل التجارية المرتبطة بقطاع الفضاء. ومن المتوقّع أن ترسل الإمارات مركبة متجوّلة إلى القمر السنة المقبلة، كما ستطلق مهمّة محاكاة مدّتها ثمانية أشهر لمساعدة العلماء الإماراتيين على تعلّم المزيد عن فيزيولوجيا وسايكولوجيا الإنسان من أجل إعداد البشر لرحلة المرّيخ.  

ما هي الاحتمالات؟

إنّ سيناريوهات المستقبل بالنسبة إلى هذا المشروع كثيرة. قد ينجح أو يفشل "مريخ-2117"، وقد تتمكّن الإمارات من بناء مركز صغير على "الكوكب الأحمر" بدلاً من مدينة كبيرة. وقد يتأجّل النجاح عقوداً أو ربّما قروناً إضافيّة. كثيرة هي العوامل المساعدة أو المعرقلة التي يمكن أن تطرأ على مشاريع كهذه، والتي يصعب، إن لم يكن يستحيل، استشرافها كلّها من اليوم. فالتحدّيات لا تكمن في صعوبة تمكين الإنسان من العيش على ذلك الكوكب وحسب، بل أيضاً في تمكينه من النموّ والازدهار عليه أيضاً.

 

لكنّ مركز أهمية مشروع "المريخ-2117" هو أنّه يعكس التطلّعات والطموحات الصحيحة التي تقدّمها الإمارات بشأن مستقبل البشريّة. لقد دعا العالم الفيزيائيّ الشهير ستيفن هوكينغ إلى ضرورة استيطان القمر والمرّيخ كـ"تأمين" في مواجهة احتمال تعرّض البشريّة للإبادة بسبب كوارث مثل الحروب النوويّة أو التغيّر المناخيّ أو النيازك أو الفيروسات المهندسة جينيّاً وغيرها. وفي 2017، قال إنّ أمام البشريّة حوالي 100 عام "فقط" لتحقيق ذلك قبل مواجهة خطر الانقراض. وبالنسبة إلى هوكينغ، ليس المرّيخ سوى المحطّة الأولى لرحلة البشريّة المقبلة. ويشدّد إيلون ماسك أيضاً على ضرورة تحوّل الإنسان إلى "نوع متعدّد الكواكب"، حيث يعمل أيضاً على خطة لجعل حوالي مليون إنسان يعيشون على المرّيخ قبل نهاية القرن الحاليّ.

 

إنّ انتشار البشريّة في الفضاء حتميّة تاريخيّة بالرغم من الشكوك. الحوافز كما الإمكانات متوفّرة لتحقيقه، وكذلك الإنجازات الوسيطة. قلّة من الدول والقوى حجزت مقاعد أماميّة وعلى الأرجح قياديّة في هذه الرحلة. الإمارات واحدة منها.

المصدر: النهار العربي

جورج عيسى

Posted byTony Ghantous✍️

للمشاركة :
Point7 Multimedia
Point7 Multimedia