تخطي إلى المحتوى

Thursday, 29 October 2026

مونتريال --°

بيروت --°

عاجل
الأكثريات النيابية: محطّات ناجحة وحقبات متعثّرة

الأكثريات النيابية: محطّات ناجحة وحقبات متعثّرة

April 26, 2022

المصدر:

النهار

أي دور للأكثريات النيابية في لبنان؟ وماذا تقول تجارب الحكم التاريخية؟ وأي أكثريات استطاعت أن تحكم فعلياً واتسمت مرحلتها بالنجاح؟ تنعطف هذه الأسئلة على عنوان كبير منبثق من إجابة مستقبلية حول قياس أهمية الفوز بالأكثرية النيابية في انتخابات 2022. يتيح السير بين صفحات العهود السياسية اللبنانية الأضاءة على محطات كفيلة بالإجابة. في التجوال فوق بساط صفحة أيلول 1943، استطاعت تجربة الأكثرية النيابية فرض إرادتها وتولّي مقاليد الحكم بعد فوز الكتلة الدستورية على الكتلة الوطنية بإرادة 53.6% من الناخبين في الانتخابات. ونجحت انطلاقة عهد الرئيس بشارة الخوري من خلال التعاون مع شخصيات كبيرة منها رياض وسامي الصلح وعبد الحميد كرامي وصبري حماده وأحمد الأسعد. وفي شهادة للرئيس رشيد الصلح الذي كان تلميذاً في كلية الحقوق عندما انتخب بشارة الخوري رئيساً للجمهورية قبل تعيينه قاضياً واستمراريته في السلك طوال عهده، يقول إنّه "استطاع أن يحكم وتعاونه مع رؤساء حكومة عهده كان ناجحاً وساهم في توفير جو من الأمن والطمأنينة والرخاء، وكانت له مواقف كريمة في ما يتعلق بجامعة الدول العربية". وإذ تبقى العين على الأكثرية النيابية هدفاً أساسياً للقوى السياسية بهدف إدارة الحكم، لكن أكثرية عام 1947 لم تستطع فرش طريق بشارة الخوري بالسجاد الأحمر خلافاً للانتخابات السابقة. وقد رُسمت علامات استفهام كبرى حول نزاهة الانتخابات وحصول عملية تزوير يومذاك. وثمة مقولة يسلّم بها معاصرو الحقبات التاريخية المحلية بأن اللبنانيين لا يحبّون أن يحكمهم شخص واحد لفترة طويلة، يل يحبّذون التغيير. أدّت أكثرية 1947 نتيجة عكسية عن التي كان ينتظرها بشارة الخوري. ولدت نقمة لدى الرأي العام، وأُعلن الاضراب في أنحاء البلاد. أشار الوزير السابق محمد صفي الدين في سرد المرحلة، إلى أن "الشيخ سليم" ساهم في تعميق الهوة بين شقيقه بشارة الخوري ورياض الصلح... وأن الشرخ تضاعف بعد إبعاد هذا الأخير عن رئاسة الحكومة.

 

ترجم نجاح الأكثرية النيابية في الحكم خلال حقبة الرئيس كميل شمعون بعدما أجرى الانتخابات سنة 1953، وهي الأولى بعد إقرار النظام الانتخابي الجديد الذي سمح للمرشحين بالفوز بأغلبية الأصوات. ويضفي المؤرخ عماد مراد أهمية على دور نتائج الانتخابات والحصول على الأكثرية التي استطاعت أن تحكم، حيث أشرف الرئيس شمعون بارتياح على المجلس النيابي وشكّل حكومة وعيّن سفراء. وتُجمع شهادات الذين عاصروا حقبة كميل شمعون على أنها كانت مميّزة في الحياة السياسية اللبنانية لاتسامه بالدينامية والنشاط وبالانجازات الكبيرة التي تحققت بعدما انطبع عهده بالازدهار والبحبوحة والمشاريع الاقتصادية التي انعكست ايجاباً على قطاعات واسعة وعلى دور لبنان. وشملت الانجازات النهضة العمرانية وإدخال بعض الاصلاحات الادارية، والعمل على تنشيط الحقل البلدي. وأسّس شمعون الجامعة اللبنانية وكان يشجع الادب والثقافة. وأقامت الدولة في عهده أول معرض لبناني للرسم. ويضيء مراد على الأكثرية النيابية الثانية التي نجح العهد في حصدها عام 1957 مع تبدّل قانون الانتخابات وتقسيمة عدد الدوائر الانتخابية. وعلى عكس التجربة السابقة، لم تستطع الأكثرية الجديدة أن تحكم، لكنها أدت دوراً من التوازن السياسي خلال كباش المحاور الاقليمية بعدما تحوّلت القضية صراعاً بين محورين وترافقت مع اضطرابات سياسية. 

 

إلى انتخابات 1960 النيابية التي فاز مرشحون مستقلون على أثرها بأغلبية المقاعد مع نسبة مشاركة بلغت 50.7%. وساعدت الأكثرية النيابية الرئيس فؤاد شهاب على الحكم جدّياً، على صعيد تحديث القوانين وتأسيس الادارات والمؤسسات بعدما أنشأ مجلس الخدمة المدنية المختص بتعيين موظفي الدولة وترقيتهم ونقلهم على أساس العلم والكفاية وبعيدا من مداخلات السياسيين. كذلك انشئت وزارة التصميم التي رسمت مناهج العمل للمستقبل. واشتهر الرئيس شهاب بتمسكه بالدستور وكان عندما يسأل عن مسألة معينة يجيب: "انا أعمل بما يقوله الكتاب، أي الدستور". وبحسب سرد العميد المؤرخ الراحل جوزف لبكي، فإن "عام 1964 شهد موجة عارمة ضد التجديد للرئيس شهاب. والاكثرية النيابية التي كانت تدعمه لم تكن تعني أكثرية شعبية، إذ كان الأمير هادئاً، رصيناً، ويتمتع بنظافة كف، لكنه لم يملك الشعبية الكافية لكونه بورجوازيا منغلقاً. وكان شهاب زاهداً بالحكم ولم يرغب في التجديد حتى عندما طالبه خصومه بذلك، وبرهن هذا الموقف عندما رفض إعادة انتخابه عام 1970". وفي المقابل، ساعدت الأكثرية النيابية على تحصين المكتب الثاني الذي توسع نفوذه انطلاقاً من عام 1961. ومن جهته، يعطف المؤرخ مراد قوّة المكتب الثاني على درع الحصانة التي تمتّع بها نتيجة أكثرية مجلس النواب على الرغم من عدد من التجاوزات التي ارتبطت بعمله. أما الدور الذي اضطلعت به الأكثرية البرلمانية قبل نهاية ولاية شهاب التي تشكلت من مستقلين مؤيدين له في غالبية مقاعده مع نسبة مشاركة بلغت 53%، فكان في دعم وصول رئيس جديد للجمهورية محسوب على المدرسة السياسية الشهابية نفسها، على أثر انتخاب الرئيس شارل حلو.

 

وفي مرحلة ما بعد الحرب اللبنانية التي انطبعت بحقبة الوصاية السورية، كانت أكثرية مجلس النواب تشكّل غطاءً رسمياً للحكم بين عامي 1992 و2000، على الرغم من أنها لم تكن تعكس تمثيلاً حقيقياً في ظلّ غياب التمثيل المسيحي الحقيقي نتيجة إقصاء غالبية الزعماء المسيحيين عن الحكم في السجن والمنفى. ولم يكتسب مجلس النواب دوراً في الحكم وقتذاك بل في اعتباره أداة سيطرة حكم النظام الأمني. وبعد بزوغ "انتفاضة الاستقلال" عام 2005 تشكّلت أكثريتان نيابيتان لمصلحة مشروع قوى 14 آذار لكنها لم تستطع أن تحكم تحت زخّ الاغتيالات التي نالت من أبرز الوجوه النيابية التي استشهدت وسط ما عرف بعملية الاقتصاص من الأكثرية النيابية وتصفيتها عددياً مدى سنوات، بما يؤكد من نظرة المراقبين الاهمية التي تكتسبها الاكثريات البرلمانية في رسم معالم الحكم في البلاد السوية. واستمر مسلسل الاغتيالات حتى انعقاد التسويات السياسية التي ضربت فكرة "أكثرية تحكم وأقلية تعارض". ثم وصلت أكثرية نيابية محسوبة على فريق "الممانعة" عام 2018، والتي عرفت تجربة تشكيل حكومة أكثرية لمرة واحدة برئاسة حسان دياب التي لم تتسم بالنجاح، بل اتخذت قرار وقف سداد الديون بما كان شكّل انطلاقة تدحرج الانهيار الاقتصادي والاجتماعي. وتتركز عين الأكثرية النيابية الحالية على تجديد حصولها على الأكثرية مدّة 4 سنوات اضافية، في مقابل سعي المحور السيادي إلى قلب الاكثرية لمصلحته وتولي مشعل قيادة الحكم. فمن يفوز بالأكثرية في 15 أيار 2022؟ وأي دور للأكثرية النيابية الجديدة في رسم معالم حكم 4 سنوات جديدة؟

المصدر: "النهار"

مجد بو مجاهد

Posted byTony Ghantous✍️

للمشاركة :
Style auto
Voyages Galleon