تخطي إلى المحتوى

Thursday, 29 October 2026

مونتريال --°

بيروت --°

عاجل

الاستقلال وقبلتي المسروقة والأجنحة المتكسّرة!

November 21, 2016

المصدر:

تبدو الكتابة عن الاستقلال كسرقة قبلة على خد صبيّة، ثمّ الابتعاد عنها والالتفات بعد خطوات لرؤية وجهها الأحمر خجلاً. كنّا نفعل الأمرين في مراهقتنا، الكتابة عن الاستقلال وسرقة القبلة. بعد النضوج، أقلعنا عن الأمرين، فلماذا نعود اليوم للكتابة عن الاستقلال؟

أنا من جيل الحرب. كنت طفلاً في حرب السنتين. لم أعرف بيروت القديمة وساحة البرج والشوارع التي قرأت عنها في الكتب. كنت أجتاز خطوط التماس مع والدتي وخَوْفي. سألني مرّة كاهنٌ في طفولتي "هل شاهدت مسلماً في حياتك؟". كان السؤال جائزاً حينها ليُطرح على صبيّ يعيش في ما كان يسمّى "الشرقيّة". عشت رعباً في زمن الحروب والانتفاضات والقصف والتفجيرات. قَصَفَ السوريّون منزلنا في ما سمّي "حرب التحرير". وهُجّرنا من منزلنا في ما سمّي حرب الإلغاء. سافرنا الى قبرص من مطار لا وجود إلا لجنود غرباء فيه، وكانت بيروت، كما بدت من الطائرة "كوجه ميتٍ شاحب غارق في المساند السوداء بين شموعٍ ضئيلة تحيطُ بنعشه" مثلما يصف جبران خليل جبران لبنانه في "الأجنحة المتكسّرة".


على الرغم من ذلك كلّه، كتبتُ أشياء جميلة عن الاستقلال في مواضيع الإنشاء في المدرسة، وساعدتني موهبتي الكتابيّة على استخدام ما في لغة سيبويه من تعابير وصور كي أتوهّم استقلالاً لم أعشه. وكانت لي استعادة، عند الحاجة، لإسمَي بشارة الخوري ورياض الصلح و"بطولات" رجالات الاستقلال. وكنتُ، ليكتمل المشهد الاستقلالي، أتمتّع بسماع فيروز، وهي عدوى عائليّة، وأصغي إليها وهي تنشد "خدني زرعني بأرض لبنان"، بينما الحقيقة أنّنا كنا نتمنّى حينها أن نُزرع في أرضٍ لا حرب فيها ولا قتل على الهويّة ولا خطف...
 

كنت أحلم حينذاك بالعمل في الصحافة للتعبير عن رأي الناس وإيصال صوت المظلومين، فإذا بي أنتهي ناقلاً لآراء السياسيّين وشاهداً على فسادهم. أكتب عن الفساد الذي لا يوفّر إدارة رسميّة في هذه الجمهوريّة. وعن الفقر الذي يسكن في منازل كثيرة. والأميّة كذلك. وعن السجون المكتظّة وبعض القضاء المتروك للقدر. وعن التسرّب المدرسي، وبعض المدارس، خصوصاً الدينيّة منها، التي باتت أشبه بمسالخ. وعن الطائفيّة التي تفتك بأفكارنا. وعن بقايا موائد الأغنياء التي تكفي لإشباع فقراء لبنان كلّهم...

لذلك، وبعد ما سبق كلّه، أعترف بأنّ الاستقلال لا يعنيني، ولا أجد فيه سوى مناسبة تَهدُرُ فيها البلديّات أموالَها على الأعلام واللافتات، ولو أنّ الأمر ليس هدراً بالمقارنة بما يفعله بعضها على أمورٍ أخرى. وأعترف بأنّ بشارة الخوري ورياض الصلح ليسا مثالي الأعلى، بل لعلّهما اقترفا من الأخطاء ما يضمّهما الى لائحة سياسيّي هذه الأيّام. وأعترف، أيضاً وأيضاً، بأنّ سرقة قبلة على خدّ فتاة كان، ولا يزال، أكثر متعةً من الكتابة عن الاستقلال...

By (داني حداد)

Posted by✍️

للمشاركة :
Style auto
إعلان