
2022 عام الهجرة المتواصلة... مسارات قديمة وأخرى جديدة عبر البلقان ووهران مُنطلقها لبنان!
January 2, 2023
المصدر:
النهار العربي خلدون زين الدين
ليس سراً. لبنان أيضاً مُنطلق للطامحين للوصول إلى أوروبا. أكثر من 90 رحلة سُجلت هذا العام وحده براً، بحراً وجواً. الأمور تتفلت بحكم الأرقام. ليست القصة قصةَ تهريب إلى "بلد الأرز"؛ هي فصول من تهريب البشر من لبنان لا إليه. هي أرقام مسار واحد... إنما المشهد لا يكتمل بذلك حتماً. التفاصيل تحمل معها الكثير بعد.
...كان هذا قبل عامين، كان لبنان محطةً رئيسة للعبور... وما زال، بتردّدات أشبه بموج البحر، يتسارع حيناً، يتباطأ أحياناً ولكن تبقى!! معطيات أمنية تستجد، مسارات تُطوّر، تخمد أو "تشتعل" بكلمة... في مقابل خطة أوروبية ظهرت اخيراً تهدف للحد من تدفقات الهجرة عبر المتوسط.
خلال العام 2022، استقى "النهار العربي" شهادات خاصة وحصرية ممن نجحوا في الوصول إلى أوروبا، ومن فشلوا واستسلموا، أو فشلوا وسيعاودون المحاولة مع أول فرصة. ثمة من قصد بيروت من العراق، ومن أتى من سوريا، وطبعاً من هم من المقيمين في لبنان والراغبين في المخاطرة بحكم مُبرم من الأزمة المعيشية. الأجهزة الأمنية اللبنانية تحاول جاهدة ضبط الوضع. الجيش اللبناني أنشأ غرفة متابعة خاصة لملاحقة مهربي البشر. أدقّ التفاصيل تُلاحَق. إفادات مُهرِّبين ومُهرَّبين تصبّ في إطار رسم صورة متكاملة للمشهد، ولكن محاولات الوصول إلى أوروبا... تبقى متواصلة. الوجهات تتعدد. لبنانيون، عراقيون، سوريون وفلسطينيون من دول الشرق الأوسط يعبرون إلى البلقان بحرأً وبراً، أو إلى وهران الجزائرية وليبيا جواً ثم براً مثلاً وهكذا.
شهادة خاصة
من شاطئ طرابلس اللبنانية حتى العبدة عند الحدود السورية. "هو ملعب للمُهربين" بحسب وصف مصدر أمني متابع تحدث الى "النهار الأمني". "المنطقة واسعة وصعب ضبطها أمنياً". أيضاً عاد مسار البلقان باعتباره الطريق الأكثر ازدحاماً نحو الاتحاد الأوروبي، وهو يبدأ عادة في تركيا أو اليونان، ويتحرك غرباً عبر أوروبا الشرقية. العام هذا نمت حركة عبوره بنسبة 168 في المئة مقارنة بالعام الماضي. مسار آخر، ينطلق من لبنان إلى مصر جواً، منها إلى ليبيا براً، فوهران الجزائرية وأوروبا.
"سلفان" (اسم مستعار) شاب كردي سوري ثلاثيني اختار المسار هذا. تحدث الى "النهار العربي" عن تفضيله المخاطر بالتوجه من الجزائر إلى إسبانيا على التعرض للاعتقال على أيدي القوات التركية أو مؤيديها في سوريا، ولو أن الطريق من تركيا أقرب جغرافياً.
يسعى الشاب للوصول إلى "دار السلام" كما يسميها قاصداً أوروبا "لنأخذ قسطاً من السلام المفقود في بلادنا". حتى لحظة كتابة هذه السطور لم يكن قد وصلنا ردّ من "سلفان" حول ما إذا كان قد وصل إلى إسبانيا أو لا. بعض المعلومات المسبقة زودنا بها مفادها أن "مهربين سوريين يتواجدون في الجزائر تحديداً في وهران وهم يسهلون كل شيء".
للانطلاق من بيروت "قد يتطلب الأمر أسبوعاً إلى عشرة أيام" لحين الاستحصال على جوازات سفر عاجلة من السفارة السورية "عن طريق وسيط"، لم يسمه "سلفان". الوجهة المقصودة أولاً هي مصر، "حيث يمكننا الدخول من دون تأشيرة"، وبعدها إلى بنغازي الليبية، قبل الوصول إلى الجزائر بحماية المُهربين، وهي في الحقيقة "شبكة مهربين وليس الأمر على صلة بمهرب أو اثنين"، يقول الشاب.
يعي "سلفان" ما ينتظره على المسار مع وصوله إلى الجزائر. "هناك تشديد في الإجراءات الأمنية، من سبقني قال لي إنهم متى علموا أننا سوريون قد يعمدون إلى تحييد هواتفنا وأموالنا على قلتها!! (يبتسم) شو بدّن ياخذو ما معانا إشي"، وسيكون علينا تبديل السيارات دوماً. سنرى. سبقني كُثر وسيأتي كثر من بعدي ايضاً (...)". بعد هذا انقطع التواصل. هل وصل إسبانيا؟ أين؟ ماذا؟ لا جواب.
...بيانات صادرة عن وكالة الحدود التابعة للاتحاد الأوروبي "فرونتكس"، بيّنت "اجتياز591 سورياً، على الأقل، البحر المتوسط من الجزائر والمغرب إلى إسبانيا عام 2022، ما يعادل 6 أضعاف إجمالي العام الماضي".
لماذا إيطاليا؟
لا يتردد مصدر أمني لبناني في الحديث الى "النهار العربي" عن "ثغر كثيرة على الحدود تسمح بعبور السوريين إلى لبنان. غالبيتهم يدفعون الأموال لتحقيق مبتغاهم وضمان عدم اعتقالهم لتهربهم من التجنيد مثلاً أو غير سبب. العملية يديرها بإتقان مهربون عارفون ومدعومون"، وفق تعبيره.
لماذا لبنان؟ لماذا إيطاليا؟ لماذا البحر؟
"الطريق إلى إيطاليا مُعقّد أكثر مقارنة بقبرص القريبة جغرافياً من لبنان مثلاً، ولكن الإجراءات القانونية لاحقاً هي الأهم" بالنسبة الى طالبي اللجوء. ثمة اتفاقية بين قبرص ولبنان لمنع تهريب البشر، عليه، فهي تعيد كل المهاجرين إلى لبنان، حتى من يُعترضون منهم في البحر، وهذا ليس حال إيطاليا، "رغم وجود رئيسة وزراء يمينية متشددة". الإيطاليون يساعدون المهاجرين ولا يحتجزونهم، بل يسمحون لهم حتى بالتجول في الأراضي الإيطالية (...)".
للوصول إلى إيطاليا يتطلب الأمر ما بين 8 و10 أيام. قد تكون أطول أحياناً "نظراً الى الأحوال الجوية وحال البحر بخاصة خلال الشتاء، ومع الأخذ بالاعتبار أي أعطال للزورق أو مناورات للتفلت من الرقابة و... إلخ".
ضبط... ونجاح
حصل مراراً، وفق شهادات من خبروا التجربة هذه، أن يقوم قبطان الزورق بطلب النجدة من خفر السواحل الإيطالية من خلال أجهزة "جي بي أس"، ومع تلقيه الرد يبدأ بإغراق الزورق ويقفز الجميع في المياه "لإخفاء أي دليل على بلد منشأة الزورق ووجهة الانطلاق". في الغالب يُعطي الإيطالييون خياراً من اثنين للاجئين: "الأول تقديم طلب لجوء إلى إيطاليا ودخول النظام الخاص بالهجرة ويتم أخذ بصماتهم، أو يعطون مهلة لمغادرة الأراضي الإيطالية، وهو الخيار المفضل لدى الغالبية منهم".
تفاصيل كثيرة تدخل في الاعتبار ضمن سيناريوات التهريب من لبنان. من المنزل المستأجر في الشمال، إلى شراء المُهرب زورق الصيد وهو ما يصبح زورقاً للتهريب، إلى تفاصيل أخرى من بينها تسجيل الزورق باسم أحد المسافرين مع حصوله على سعر تفضيلي من المُهرّب شرط تسجيل المركب باسمه بما يُبقي المُهرّب بعيداً من الصورة.
كلها معطيات تتوافر في حوزة الأجهزة الأمنية اللبنانية... ومن هنا يُعمل على محاولة ضبط هذا الملف، خصوصاً مع تسجيل العام 2022 حوادث غرق. المصدر الأمني يكشف لـ "النهار العربي" عن ضبط ست وأربعين عملية تهريب في العام 2022، مقابل نجاح ثمانٍ وثلاثين عملية. توازياً سجل غرق مركبين، وإنقاذ مركب واحد تعطل في عرض البحر".
رأي متابع
"طبعاً، عام 2022 كان عاماً صعباً آخر على اللاجئين وخصوصاً القادمين من الشرق الأوسط وبالتحديد من علقوا على حدود روسيا مع بولندا ودول البلطيق، حيث عانوا من البرد الشديد وظروف غير إانسانية وقد توفي بعضهم"، كما يقول لـ "النهار العربي" الصحافي المتابع لشؤون اللجوء في أوروبا، والمحرر في موقع "مهاجر نيوز" عارف جابو.
يُضاف إلى الفئة الأولى، يقول جابو، العددُ الكبير من المهاجرين الذين غرقوا اثناء محاولة عبور البحر المتوسط من شمال أفريقيا، وبخاصة من ليبيا إلى إيطاليا، ومن حاولوا عبور البحر من تونس، وقد ازداد عدد طالبي اللجوء التونسيين خلال هذا العام. يضاف إليهم أيضاً من حاولوا العبور من تركيا إلى اليونان وغرق منهم من غرق أو قضوا على الحدود".
"يمكن القول بشكل عام إن عام 2022 كان عاماً صعباً للاجئين من الشرق الأوسط -يقول جابو- هذا ناهيك بأن هناك من يقول إن لدى أوروبا اهتماماً أكبر باللاجئين القادمين من أوكرانيا، اذ تشير الأرقام إلى أكثر من ثمانية ملايين لاجئ أوكراني غادروا بلادهم باتجاه أوروبا ما يشكل عبئاً على أوروبا، ولا نغفل عن القادمين من دول أخرى سواء شمال إفريقيا أم دول جنوب الصحراء أم من الشرق الأوسط".
العراق والأرقام المرعبة
الهجرة مستمرة من العراق بمعدلات شبه ثابتة بحسب الأرقام التي تعلنها مؤسسات تتابع أوضاع اللاجئين. "مسارات الهجرة شبه ثابتة منذ أشهر"، يقول سامان نوح، الباحث السياسي والمتابع من قرب لملفات الهجرة لـ "النهار العربي".
"تتم كل المحاولات عبر الحدود التركية باتجاه اليونان وبلغاريا. العبور عبر الطرق البحرية يتسبب عادة في إغراق المهاجرين بسبب قوارب الموت الصغيرة، أما الهجرة عبر البر إلى بلغاريا فهي خطرة جداً ويتعرض فيها اللاجئون للكثير من الانتهاكات بحسب شهادات من تم اعتقالهم وإعادتهم"، يضيف.
المؤشرات والأرقام تؤكد أن الهجرة مستمرة، وهي في تزايد ومن مختلف المكونات العراقية، بخاصة من الأيزيديين، كما يقول سامان نوح. 40 في المئة من الأيزيديين يرفضون العودة إلى مناطقهم السابقة مصرين على البقاء في المخيمات بسبب غياب بيئة آمنة حيث كانوا، و 75 في المئة من هؤلاء يتطلعون إلى الهجرة... وهذا رقم كبير جداً ويؤشر إلى أن الأغلبية الساحقة من الشباب تبحث عن طرق يمكن أن توصلها إلى اوروبا، وفق الباحث العراقي.
الواقع المسيحي مخيف
نوح يتحدث عن أحوال المسيحيين. الأرقام تظهر أن 1 في المئة فقط من المسيحيين عادوا إلى مدينة الموصل، البقية إما هاجروا وإما يفضلون البقاء في مناطق استقرارهم الجديدة، بخاصة في إقليم كردستان. هناك عائلة واحدة مسيحية تقريباً تُهاجر يومياً، بحسب الأرقام التي ينقلها رجال دين مسيحيون ومنظمات معنية بمتابعة أوضاع المسيحيين. هناك عشرون عائلة مسيحية تهاجر شهرياً إلى خارج العراق، يقول.
كانت هناك أكثر من 5000 عائلة مسيحية في الموصل الآن سبعون عائلة فقط عادت إليها، والبقية إما قرروا الهجرة أو هاجروا فعلاً. بالتالي الموصل صارت مدينة شبه خالية من الوجود المسيحي وهي مدينة كان يعيش فيها منذ قرون عشرات ألوف المسيحيين.
يختم نوح مستنداً إلى إحصاءات حديثة غير الرسمية، بالقول: "تراجع عدد المسيحيين من مليون ونصف إلى 260 ألفاً فقط في العراق بسبب الهجرة المستمرة (...)".
خلافات أوروبية وتوقعات للـ 2023
يشير عارف جابو إلى الخلافات بين الدول الأوروبية بسبب سياسات اللجوء. "عقدت اجتماعات عديدة لم تتوصل إلى توحيد السياسة تجاه اللجوء واستقبال اللاجئين، مع تسجيل توافق أكبر بين الدول الأوروبية متى تعلق الأمر باللاجئين من أوكرانيا أكثر منه بشأن القادمين من الشرق الأوسط".
...بالنسبة للعام 2023، يقول جابو: "ليس هناك مع الأسف ما يُبشّر بأنه سيكون أفضل لكن ستستمر حركة اللجوء من شمال إفريقيا أو الشرق الأوسط أو أوكرانيا ما دامت الأزمات موجودة سواء الصراعات المسلحة أم الاقتصادية.
Posted byKarim Haddad✍️



