تخطي إلى المحتوى

Thursday, 29 October 2026

مونتريال --°

بيروت --°

عاجل
هل يتدخَّل الله في أحداث التاريخ؟

هل يتدخَّل الله في أحداث التاريخ؟

December 18, 2021

المصدر:

النهار

وقفتُ أمام #مغارة بيت لحم أتأمّل الطفلَ يسوع ملفوفًا بأقماطٍ بين مريم ويوسف وبعض الرعاة؛ ويقول لي إيماني إنّ هذا الطفلَ هو ابنُ الله الكلمة المتجسِّد، أي الذي يعبِّر التعبيرَ الكاملَ عن الله: "الله لم يره أحدٌ قط. فالابنُ الوحيدُ، الذي في حضن الآب، هو الذي أخبر عنه" (يوحنّا 18:1). إنّ ابن الله الذي يعبّر التعبير الكاملَ عن الله يقول عنه أيضًا بولس الرسول إنّه "صورةُ الله غيرِ المنظور" (كولُسّي 15:1). على مدى العصور راح الإنسان يحاول التعبيرَ عن صورة الله، فجاءت الصورة في كثيرٍ من الأحيان انعكاسًا لصورة الإنسان عن نفسه. فرأى فيه العهد القديم "إلهَ الجنود" الذي يحارب إلى جانب شعبه المختار. إنّ صورةَ الله الحقيقيّة قد ظهرتْ لنا في شخص #يسوع المسيح الذي وُلِد فقيرًا في مغارة، ومات عريانًا على الصليب، ومع ذلك فهو مخلِّصُ العالَم، لأنّه أظهر لنا صورةَ الله الحقيقيّة: "إنّ الله محبّة" (1 يوحنّا 16:4). فالله لا ينصر شعبًا على شعبٍ آخر، لأنّ جميع الناس هم أبناؤه وأحبّاؤه؛ ويسوع المسيح لم يحاربْ ولم يتقلَّدْ سيفًا ولم يقتلْ أحدًا، ولم يمتْ عن شعبٍ خاصّ، بل مات عن جميع الناس وجميع الشعوب. أمّا قولُ العهد القديم في كثيرٍ من المقاطع إنّ الله ينصر شعبَه على سائر الشعوب فهو تفسيرٌ إيمانيٌّ لأحداثٍ جرتْ في التاريخ وهي من مسؤوليّة الإنسان. فعندما كان الشعب ينتصر كان يعزو النصرَ إلى الله، وعندما كان ينهزم كان يُفسِّر هذا الانهزامَ بغضب الله على شعبه بسبب كثرة خطاياهم.

سنة 2006 عندما كانت الحرب دائرةً بين إسرائيل وحزب الله، كنتُ مطرانًا للروم الكاثوليك في الولايات المتّحدة الأمريكيّة، فلفتت انتباهي صورةٌ ظهرتْ بشكل "كاريكاتور" في صحيفةٍ في بوسطن: الله الآب وأمامه كيسُ البريد؛ ففتح رسالةً أولى آتيةً إليه من إسرائيل، وهي تقول: "يا ربّ، انصرنا على أعدائنا". ثمّ فتح رسالةً ثانيةً آتيةً إليه من حزب الله، وهي تقول: "يا ربّ، انصرنا على أعدائنا". فقلتُ في نفسي: لا شكّ أنّ الله قد مزَّقَ الرسالتين، وهو يُردِّد ما قاله بفم النبيّ أشعيا: "بِمَنْ تُشبِّهون الله، وأيُّ شِبْهٍ تعادلونَه به" (أشعيا 18:40). وإذا كان ثَمّةَ من نصرٍ لأحد الفريقين، فهذا النصر ليس "نصرًا إلهيًّا" بل مجرَّدُ نصرٍ بشريٍّ مرتبطٍ بأوضاعٍ عسكريّة معيَّنةٍ لهذا الفريق أو ذاك.

ونتساءل: إذا كان العهد القديم كتابَ وحيٍ من الله، فلماذا يُعطينا صورةً مشوَّهةً عن الله؟ جوابُنا هو أنّ الوحيَ في مفهومنا ليس إنزالاً حرفيًّا لكلام الله، بل هو تعبيرٌ بشريٌّ عن تصوُّر الناس لله في فترةٍ من الزمن، فعلينا أن ننظر، من خلال هذا التعبير البشريّ، عن جوهر الإيمان، وهو اعتقاد الناس بوجود الله وبحضوره في ما بينهم. لذلك عندما نقرأ مزاميرَ العهد القديم وكتابات بعض الأنبياء، ننذهل لكثرة الأدعية التي يُطلِقها كاتبُ المزامير أو الأنبياء "ضدّ أعدائهم". لكنّ آباء الكنيسة يقولون، في تفسيرهم للعهد القديم، إنّ الأنبياء، عندما كانوا يطلبون إلى الله أن "يدمّرَ أعداءَهم"، فإنّهم في الواقع يطلبون إليه أن يدمِّرَ الشرورَ التي تسيطر على أفكار وأعمال الأعداء. فالله إلهُ الحياة وليس إلهَ الموت، وما يريده إنّما هو إزالةُ الشرّ وليس قتلَ الناس، كما نقرأ في سفر الحكمة: "إنّ الله لم يصنعِ الموتَ ولا يُسَرّ بهلاك الأحياء" (حكمة 13:1). وقد أرسل ابنَه وكلمتَه يسوع المسيح "لكي لا يهلكَ كلُّ مَنْ يؤمن به بل تكونَ له الحياة الأبديّة" (16:3).

كم من صورةٍ خاطئةٍ لله لا تزال عالقةً في أذهان المؤمنين من مختلف الأديان، وكم من صلاةٍ وثنيّةٍ تصدر عن أفواههم. فإذا كان يسوع قد أوصانا بألاّ نطلبَ ما نأكل وما نشرب وما نلبس، لأنّ هذه الأمور كلّها يطلبها الوثنيّون، بل أن "نطلبَ ملكوتَ الله وبرَّه" (متى 33:6)، أي أن ينتشرَ على الأرض ملكوتُ المحبّة والرحمة والسلام، فكم بالحريّ يريد منّا أن نطلب إلى الله لا أن يُدمِّرَ أعداءنا بل أن يردَّهم إلى التوبة، ولا أن ينصرَنا عليهم في الحروب، بل أن يُلهِمَنا ويُلهِمَهم إيجادَ السبل الكفيلة بإحلال السلام بيننا وبينهم. فالله لا يتدخّل في أحداث التاريخ الخارجيّة بل يتدخّل داخل قلوب الناس.

تلك هي أمثولة المغارة التي انتشر صنعُها بمناسبة عيد ميلاد السيّد المسيح منذ القدّيس فرنسيس الأسّيزيّ، الذي هو أوّلُ من ابتدأ بهذا التقليد، وقد أراد به تذكيرَ الناس بأنّ الله ليس إلهَ الحروب ولا إلهَ القتل والدمار، بل هو إلهُ السلام المبنيّ على المحبّة كما تجلّتْ في شخص يسوع المسيح، الذي وُلِد فقيرًا في مغارة بيت لحم، وبذل ذاته حتى موت الصليب فداءً عن جميع البشر.

المصدر: "النهار"

المطران كيرلس بسترس

Posted byTony Ghantous✍️

للمشاركة :
Style auto
Voyages Galleon