
هل عملية "الدمج" المرتقبة لـ"إيثريوم" ستؤثّر على العملات المشفرة؟
April 9, 2022
المصدر:
النهار
من المقرر أن تقوم "إيثريوم" في وقت لاحق هذا العام، بإجراء أكبر تغيير في تاريخها الذي يبلغ عقداً من الزمان تقريباً، في حدث من المؤكّد أنَّه سينتشر عبر كل الأنظمة التي تتعامل مع العملات المشفرة والأصول الرقمية.
"إيثريوم"، التي هي في الأصل برنامج كمبيوتر يستخدم ما يسمى بتقنية "بلوكتشين" لتوفير سجل رقمي لتسجيل المعاملات، باتت الأساس الأكثر شيوعاً لمجموعة متنامية من أصول وتطبيقات التشفير التجارية، بما في ذلك منتجات الإقراض والرموز غير قابلة للاستبدال (NFTs)، بالإضافة إلى رمزها الأصلي، "إيثر".
يعرف عن "إيثريوم" أنَّها ليست مملوكة لأيّ شخص، فقد تمّ إنشاؤها وصقلها من قبل مجتمع من المطوّرين، وهي تعمل من خلال شبكة من مراكز البيانات في جميع أنحاء العالم. تعمل مراكز البيانات هذه كـ"معدّنين" على الشبكة، وتطلب المعاملات التي يتم ترحيلها إلى السجّل الرقمي. في المقابل تتقاضى هذه المراكز أتعابها بعملة "إيثر". وقد أُطلق على هذا النظام اسم "إثبات العمل"، أو (proof of work)، وفق ما ورد في تقرير "بلومبرغ".
ويطرح المطوّرون الذين يعملون على تحسين برنامج "إيثريوم"، ترقيات دورياً، إلّا أنَّ أياً منها لم يكن بالحجم الكبير كالتي ستطرح بها ترقية هذا العام، والتي سُميت "الدمج" (Merge)، حيث سيحل فيها محلّ المعدّنين ما يسمى بـ"المودعين" (stakers). يطلب المعدّنون المعاملات عن طريق حلّ العمليات الحسابية المعقدة باستخدام الملايين من الخوادم القوية - وهو نظام تمّ انتقاده بسبب استخدامه الكثيف للكهرباء.
على النقيض من ذلك؛ سيطلب "المودعون" المعاملات عن طريق وضع "إيثر" الخاصة بهم على نظام جديد، كان قيد الاختبار منذ كانون الأوّل 2020. يمكن للأشخاص بالفعل استخدام محافظهم الرقمية لإيداع "إيثر" في نظام الاختبار هذا، الذي يسمى سلسلة الكتل "بيكون تشين" (Beacon Chain)؛ وبعد الدمج؛ سيبدأ اختيارهم عشوائياً، ثمّ يصبحون ما يُعرف بـ"المدققين" (validators)، ويطلبون المعاملات على السجل الرقمي في "إيثريوم" إلى كتل، ويتقاضون أتعابهم بـ"إيثر" الجديدة. وهذا ما يسمى "إثبات الإيداع" أو (proof of stake).
تعتمد القيمة السوقية لـ"إيثريوم" البالغة 415,3 مليار دولار، على سير عملية الدمج بسلاسة، وكذلك الأمر بالنسبة إلى آلاف الشركات التي تعمل على "بلوكتشين"، بالإضافة إلى ملايين المستخدمين. تمّ قفل نحو 121,5 مليار دولار من رأس المال في تطبيقات التمويل اللامركزي (DeFi) من "إيثريوم"، وفقاً للمتتبع (DappRadar). وتستخدم معظم الرموز غير القابلة للاستبدال - التي تبلغ قيمتها الإجمالية مليارات أيضاً - "إيثريوم".
يقول المحلل لدى شركة الأبحاث "ميساري" (Messari) تشيس ديفينس: "لم يحدث أبداً، في تاريخ شبكات بلوكتشين، تغيير حجم انتقال إيثريوم من إثبات العمل إلى إثبات الإيداع".
أخطاء متوقَّعة
سيكون الدمج مربكاً، لأنَّ أموراً كثيرة قد تسوء. قد تكون هناك أخطاء برمجية أو عمليات اختراق، أو يمكن للمعدنين إنشاء شبكة "إيثريوم" بديلة. خلال ترقية الشبكة لعام 2020؛ قسّم خطأ "إيثريوم" إلى قسمين، ما تسبب في فوضى في أنظمة التمويل اللامركزي الناشئ، والتطبيقات التي تتيح للأفراد التداول والاقتراض والإقراض من دون وسطاء مثل البنوك.
من المتوقَّع أن يتم وقف معظم عمليات تبادل العملات المشفَّرة المركزية وعمليات سحب وإيداع "إيثر"، خلال عملية الدمج كإجراء احترازي. قد تتوقف تطبيقات التمويل اللامركزي موقتاً أيضاً إذا حدث خطأ ما.
تقول مديرة الأبحاث في شركة "أركا" (Arca) لإدارة الأصول الرقمية كاتي تالاتي: "على المرء أن يتوخى الحذر عند حدوث كلّ الترقيات التقنية لجميع هذه السلاسل الكبيرة.. في نهاية المطاف نحن نتعامل مع تكنولوجيا غير معروفة".
مصدر المخاوف
إنَّ المعدّنين هم مصدر معظم المخاوف. قد يغادر الكثيرون الشبكة قبل الدمج مباشرةً معتقدين أنَّ بإمكانهم جني المزيد من المال عن طريق بيع معداتهم بدلاً من انتظار الحصول على آخر المكافآت. قد يؤدي الانخفاض الحادّ في قوّة التعدين في الشبكة، أو "معدل التجزئة" (hash rate)، إلى إضعاف أمان "إيثريوم"، ما يؤدّي إلى حدوث كارثة تدقيقية لرمزها المميز والتطبيقات المختلفة التي تستخدم الشبكة. خطط مطورو "إيثريوم" لهذا السيناريو. يقول تيم بيكو، عالم الكمبيوتر الذي ينسق عمل مطوري "إيثريوم": "إذا رأينا انخفاض معدّل التجزئة؛ يمكننا الدفع بعملية الدمج إلى الأمام.. لقد صمّمت كلّ البرامج مع خيار للطوارئ".
قد يختار المعدنون أيضاً تفريع "إيثريوم"، من خلال أخذ برنامج "إثبات العمل" الحالي والاستمرار في دعمه. سيؤدّي ذلك إلى إنشاء نسختين مختلفتين من "إيثريوم" تعملان بشكل متوازٍ: "إثبات العمل"، و"إثبات الإيداع".
يشرح داني جونغ، نائب رئيس "بي آي تي مايننغ" (BIT Mining)، وهي شركة مزودة للتعدين، تقوم أيضاً بتوسيع خدماتها لتشمل خدمات الإيداع: "نعتقد أنَّ (إثبات العمل) و(إثبات الإيداع) سيتعايشان لفترة من الوقت بعد التبديل".
في هذا السيناريو، يمكن أن تكتنف عمليات تبادل العملات المشفَّرة والمستخدمين، الإرباك والحيرة من أمرهم بشأن سلسلة "إيثر" التي يمتلكونها أو يتداولونها. سيعني وجود شبكتين أنَّ هناك المزيد من العمل أمام مطوري التطبيقات، كما يقول ديتر شيرلي، كبير مسؤولي التكنولوجيا في "دابر لابس" (Dapper Labs)، الشركة المصنّعة للعبة تربية القطط القائمة على "إيثريوم"، "القطط المشفرة" (CryptoKitties).
يعتبر شيرلي أنَّ "حدوث تفريع مثير للجدل، من المحتمل أنّ يسرّع خروجنا من أنظمة إيثريوم".
قد تفكر "دابر لابس" في نقل "القطط المشفَّرة" إلى "بلوكتشين" خاص بها، ولمسارها الخاص، كما يقول شيرلي.
من المحتمل جدّاً أن يحدث التفريع، أو على الأقلّ أن يتمّ إصدار الكثير من الانتقادات العامة؛ لأنَّ العديد من معدّني "إيثريوم" لا يعرفون على ما يبدو أنَّ الدمج مقبل. يتواصل مطوّرو "إيثريوم" حول الدمج على "ديسكورد" (Discord)، و"تلغرام"، وتطبيقات المراسلة التي لا يستخدمها العديد من المعدّنين بحسب بيكو.
يضيف أنَّ تجمعات التعدين، التي توفّر معظم طلبات المعاملات على "إيثريوم" اليوم، تأخذ نسبة مئوية من أرباح المعدّنين، ومن مصلحتها عدم إخطار أعضائها بعملية الدمج، إذ يستمر التعدين على الأقلّ حتى ترقية الشبكة.
يقول بيكو: "أنا أكثر قلقاً بشأن الأشخاص الذين لا يعرفون أنَّ هذا يحدث أيضاً، وهم يشترون مُعدن بقيمة 3000 دولار، وبعد ثلاثة أشهر سيتوقف عن العمل... إنَّ البدء في التعدين اليوم فكرة سيئة".
هل التأجيل وارد؟
لا يعتقد بعض المعدّنين أنَّ الدمج مقبل حقاً، لأنَّه تمّ تأخيره في الماضي.
يشرح بيكو: "هناك الكثير من الشكوك، لأنَّ (إيثريوم) وعدت بطرح (إثبات الإيداع) لمدة خمس سنوات. من الصعب إقناع الناس هذه المرة بأنَّها حقيقية".
سيؤدّي إغلاق السلسلة القديمة لـ"إيثريوم" إلى إرسال موجات من الصدمة عبر صناعة العملات المشفَّرة. ومن خلال البحث عن استخدامات أخرى لمعداتهم، سينقل المعدّنون أجهزتهم إلى سلاسل أخرى مماثلة مثل "دوج كوين"، و"لايت كوين"، و"مونيرو". يقول سام دكتور، كبير المسؤولين الاستراتيجيين في " بيتوودا" (Bitooda)، وهي شركة تكنولوجيا مالية للأصول الرقمية، إنَّ معدّل التجزئة سيزداد على تلك السلاسل الأخرى بمعدل 5 إلى 10 مرّات بين عشية وضحاها، ويمكن أن تنخفض الإيرادات الإجمالية لهذا النوع من التعدين بنسبة تصل إلى 90 في المئة، ما سيدفع العديد من المعدّنين إلى ترك العمل.
يوضح "دكتور"، إنَّ المعدنين في الولايات المتحدة سيتجهون نحو عملاء خارج صناعة التشفير، في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي وتسلسل الجينوم، لكنَّ أحداً منهم ليست لديه أي خبرة في اكتساب العملاء.
قد يستفيد المستثمرون من عملية الدمج. إذ يقول بيكو، إنَّ عدد العملات المشفَّرة الجديدة الصادرة على "إيثريوم" كمكافآت لطلب المعاملات سينخفض 50 في المئة إلى 90 في المئة، إذ ستقدّم سلسلة (إثبات الإيداع) مكافآت أقل.
وفقاً لمزوّد خدمات الإيداع "ستاكينغ" (Staking)؛ فإنَّه من المحتمل في العامين المقبلين أن تزيد كمية "إيثر" المستخدمة للتخزين من 8 في المئة إلى 80 المئة، وسيؤدي ذلك إلى تقليل تداول "إيثر"، ما قد يؤدي إلى ارتفاع قيمتها.
استخدام "إيثر"
سيتمكّن "المودعون" من استخدام عملة "إيثر" التي يتلقونها كمكافآت لإتمامهم طلب المعاملات، ولكنَّها ليست "إيثر" التي يودعونها حالياً، على الأقلّ حتى إصدار ترقية جديدة للبرنامج، والمتوقَّع صدورها بعد ستة أشهر أو نحو ذلك من الدمج. لذا؛ فإنَّ المودعين غالباً سيحتفظون بـ"إيثريوم" التي يملكونها لفترة أطول مقارنة بالمعدّنين، الذين سيحتاجون على الأرجح إلى بيع بعضها لتغطية تكاليف الكهرباء، كما يقول كايل سماني، المؤسس المشارك لشركة "مولتيكوين كابيتال" (Multicoin Capital).
بعد الدمج، يجب أن ينخفض استهلاك الطاقة لشبكة "إيثريوم" بأكثر من 99 في المئة. لطلب المعاملات على شبكة "إثبات الإيداع"، يمكن للمدقق استخدام كمبيوتر محمول متطور بدلاً من مصف الخوادم. من المتوقَّع أن تستهلك عملية إثبات "إيثريوم" بالكامل نحو 2,62 ميغاوات - أيّ ما يعادل استهلاك بلدة صغيرة فيها 2100 منزل أميركي. وعلى النقيض من ذلك؛ فإنَّ الإعداد الحالي لشبكة "إثبات العمل" يستهلك طاقة بلد متوسط الحجم.
يقول بن إيدنغتون، مالك المنتج الرئيسي في "كونسينسيس" (ConsenSys)، التي تبني البنية التحتية لـ"بلوكتشين" التي تستخدمها "إثيريوم": "حتى ابنتي، لاحظت هيستيريا صعوبة استعمال الرموز غير القابلة للاستبدال. أتوقَّع أنَّ تحرير أنفسنا من سلبيات (إثبات العمل) سيساعد بالتأكيد في جعل تطبيقات مثل التمويل اللامركزي والرموز غير القابلة للاستبدال أكثر قبولاً اجتماعياً، مما يؤدي إلى اعتماد سريع وأوسع نطاقاً".
سيعتمد الكثير بالطبع على ما إذا كانت عملية الدمج ستسير بسلاسة أم لا. يقول إيدنغتون: "إذا قمنا بعملنا جيداً؛ لن يلاحظ أحد اللحظة التي تنتقل فيها (إيثريوم) من (إثبات العمل) إلى (إثبات الإيداع)".
Posted byTony Ghantous✍️

