
هل سيسقط القيصر عن صهوة جواده... أم ماذا؟
April 21, 2022
المصدر:
النهار
كتب الأكاديمي الأميركي ذو الأصول اليابانية فرنسيس فوكوياما عام 1989 مقالًا عنوانه "نهاية التاريخ"، في مجلة "ناشونال إنترست"، ثم نشر كتابًا عام 1992 بالإسم نفسه، قال فيه إن "عصر الاستبداد والنظم الشمولية قد ولّى وانتهى دون رجعة مع انتهاء الحرب الباردة وهدم سور برلين، لتحل محله الليبرالية وقيم الديموقراطية واقتصادات السوق".
اعتبر فوكوياما أن المجتمعات الإنسانية وضعت حدًا لتطور الأفكار الايديولوجية بانتشار قيم الليبرالية الديموقراطية، وأن الحرب الباردة انتهت بانتصار الغرب، وهذا ما أعطى دفعة قوية لإيمان النخبة الأميركية بأن نهاية الحرب الباردة تمثل انتصارًا لليبرالية. فهل ستسقط حرب #أوكرانيا القيصر الروسي عن صهوة جواده، وتثبت مقولة فوكوياما قبل 33 عامًا؟ أم أنها ستكون بداية لفرض واقع دولي جديد، قوامه حجز مكان للأنظمة الشمولية في النظام العالمي القائم؟
بعد مرور أسابيع على الحرب في أوكرانيا لم تستطع القوات الروسية تحقيق إنجازات ميدانية تشكل مؤشرًا الى أن الحسم سيكون قريبًا، أو على الأقل أن استسلام الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وفريق إدارته يلوح في الأفق، بل إن الأمر يزداد تعقيدًا، لاسيما وان الساحة الأوكرانية باتت مفتوحة لجميع من يريد أن يقاتل. لقد قال مدير وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية (سي آي إي) وليم بيرنز إن "الرئيس الروسي #فلاديمير بوتين أخطأ في تقديراته لغزو أوكرانيا"، مشيرًا إلى أنه "بعد أسبوعين على الغزو لم تتمكن #روسيا من السيطرة على العاصمة كييف". وتابع بيرنز أن "بوتين غاضب حاليًا، والأرجح أن يصعّد تحركاته لكنه لا يملك خطة سياسية طويلة الأمد للسيطرة على أوكرانيا".
كان المراقبون ينتظرون حسمًا سريعًا في ساحة المعركة من قِبل القوات الروسية، إلا أن المقاومة الشرسة التي أبداها الجيش الأوكراني كانت العنصر المفاجئ الأبرز. لذا، كلما تأخر موضوع الحسم السريع، يصبح الميدان في غير مصلحة روسيا، وهذا يعيد نظرية فوكوياما إلى الواجهة، خصوصًا ان الغرب يكون بذلك قد استطاع كسر روسيا الاتحادية على أرض أوكرانيا، من خلال الدعم العسكري واللوجستي لها، ومن خلال العقوبات الإقتصادية والمالية التي يفرضها الغرب بشكل غير مسبوق على روسيا.
صحيح أن الروسي دخل أوكرانيا لحماية أمنه القومي، عبر منع الأوكراني من الدخول في حلف شمال الأطلسي (الناتو) وإبعاد شبح نشر المنظومات الدفاعية على حدوده، إلا أنه في الوقت نفسه، لم يتوقع أن دخوله الحرب سيوحّد الغرب المشرذم، كما كان يسعى الفرنسي عبر إعادة إحياء فكرة بناء الجيش الأوروبي، بدل حلف الناتو، حيث إن خطابه قبل الحرب كان يرتكز على ضرورة اعتماد أوروبا على نفسها بعيدًا من الحماية الأميركية، تمامًا كما تفعل الصين.
ليس توحيد الغرب ووقوفه إلى جانب أوكرانيا في هذه الحرب هو من بدأ بدفع القيصر عن جواده، بل ان مواقف مَن كان يعتبرهم حلفاء له لم تكن كما يتمناها؛ فالصين والجمهورية الإسلامية في إيران، كانتا إلى جانب وقف الأعمال العسكرية، واللجوء إلى الديبلوماسية في معالجة الأمور. وعلى رغم حلفهما مع روسيا، إلا أنّ لكل منهما مصالحه بعيدًا من الإنغماس في الحرب الدائرة، فحاجة الصين إلى خلق استقرار عالمي يصبّ في مصلحة التعبيد لطريقها الحرير التي افتتحها رئيسها تشي جين بينغ عام 2013. كذلك الحليف الإيراني، المهتم بمفاوضاته مع الغرب في فيينا حول ملفه النووي، فهو بحاجة أيضًا إلى رفع العقوبات المفروضة عليه، لاسيما وان الروسي قد أظهر نيّاته من خلال ضمّ هذا الملف إلى مفاوضاته للضغط على الغرب، إذ على وقع الحرب الروسية - الأوكرانية، شهد الإيراني انقسامًا بين مؤيد وداعم للسياسة الروسية، وبين معارض يتهم موسكو بخداع الجانب الإيراني وعرقلة مفاوضات فيينا تمهيدًا لشن حرب على أوكرانيا. فقد اتهم الرئيس الأسبق للجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني حشمت الله فلاحت بيشه الروسي بالسعي لعرقلة مفاوضات فيينا ومنع التوصل الى اتفاق قبل أن تشن الحرب على أوكرانيا، مضيفًا أن "بلاده خُدعت بسياسة موسكو حيال مفاوضات فيينا النووية فيما كانت تحضّر لعملية عسكرية ضد أوكرانيا".
في هذا السياق، قالت صحيفة "التايمس" في تقرير أعده طوم بول، إن محلّلاً من داخل المخابرات الروسية "أف أس بي" التي حلت محل الجهاز الاستخباراتي في العهد السوفياتي "كي جي بي"، قارن حرب الروسي ضد أوكرانيا بانهيار ألمانيا النازية، ووصفها بالحرب الفاشلة. وقال إن عدد قتلى الجيش الروسي ربما وصل إلى 10000 جندي، ولم تعترف وزارة الدفاع الروسية بذلك.
قد تبدو الأمور على أرض الميدان متناقضة بين التقارير التي يصدرها فريقا النزاع، خصوصًا ان الحرب الإعلامية في هذا العصر تعتبر لاعبًا رئيسيًا في قلب موازين القوة من خلال ضرب معنويات جيش العدو وقلب المزاج العالمي، لكن المؤكد أن الأرض لم تقدم تطورًا ميدانيًا يعطي أفضلية لحسم الحرب لمصلحة أي من الفريقين، بل على العكس فهذا يرتد إيجابًا على الموقف الأميركي، من خلال تطويق روسيا اقتصاديًا، وضرب مشاريعها النفطية وسيلها الشمالي، الذي لم يستطع عرقلته في حثّ ألمانيا رغم الضغوط التي مارسها عليها، إلا أنّ ألمانيا أوقفت هذا المشروع بعد هجوم روسيا على أوكرانيا.
أخيرًا، قد لا تنتهي الحرب في المدى المنظور، لكنّ النتائج بدأت تظهر فشل الجيش الروسي في تحقيق أهدافه، وان القيصر سيسقط عن جواده، في ظل تحرر الغرب من غاز روسيا ونفطها عبر اعتماد برلمانات غربية قرار التخلي عن مصادر النفط الروسية وغازها، إلا إذا كان لتصريح وزير خارجية روسيا سيرغي لافروف بأن "العم سام لن يكون قادرًا على تدمير اقتصادنا مرة أخرى"، بُعد جدي قد يغير المعادلة، ويفرض واقعًا جديدًا على الغرب يرتكز على مبدأ الاحترام والتعاون بين الدول.
المصدر: "النهار"
جيرار ديب
Posted byTony Ghantous✍️


