تخطي إلى المحتوى

Thursday, 29 October 2026

مونتريال --°

بيروت --°

عاجل
هروب إلى "المهدي" أو الى كانون الأول... ذعر فصائل إيران من كابوس الانسحاب الأميركي

هروب إلى "المهدي" أو الى كانون الأول... ذعر فصائل إيران من كابوس الانسحاب الأميركي

November 23, 2021

المصدر:

النهار

تغلّف العشوائية ـ وأحياناً السذاجة ـ الكثير من سلوكيات زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر وتصريحاته، ولا سيّما دعوته الأخيرة للفصائل المسلحة إلى تسليم أسلحتها.

 

اشترط الصدر في خطابه الأخير، على الأحزاب المسلحة "حلّ الفصائل أجمع، دفعةً واحدة، وتسليم سلاحها كمرحلة أولى إلى الحشد الشعبي، عن طريق قائد القوات المسلحة"، وهي الدعوة التي قابلها أنصار تلك الأحزاب بالكثير من التندّر والتأكيد أن الأسلحة لن تُسلّم إلا إلى "الإمام المهدي الغائب الذي يظهر في نهاية الزمان"، وفق المذهب الإسلامي الشيعي، مستندين في ذلك أيضاً إلى وصية من مرشد الثورة الإيرانية علي خامنئي بثها حسابه على "تويتر" بالعربية - بعد ساعات من دعوة الصدر - حذّر فيها من أن "العدو يريدكم أن تسلموا وتغفلوا عن أسلحتكم، بما فيها الطائرات المسيّرة والصواريخ لكي يهاجمكم". 

 

لم تكن مطالبة الصدر الفصائلَ بإلقاء السلاح، فكرة من "عنديّات" الرجل، بل ركوب، أو قُل تماشياً مع، تطلع شعبي مُلِح الى الانعتاق والتحرر من بضعة فصائل مسلحة تديرها شخصيات على عدد أصابع اليد، ترهن مصير العراق، لا سيما شيعته، إلى رغبات شخصية في الزعامة والثراء والإفلات من المحاسبة، وتُغلِق أفق البلاد أمام أي فرص لدخول شركات الاستثمار العالمية، والبدء بإزاحة خراب جاثم على صدور المدن العراقية منذ 3 عقود. 

 

لكنها كانت أيضاً مبادرة غارقة في الشعبوية، وهو ما دعا مراقبين سياسيين إلى الاعتقاد أنها طُرحَت للمناورة وكسب الوقت، وليس للتنفيذ، بينما أخذ ردّ الفصائل المسلحة عليها اتجاهين، الأول عبر رد المناورة بمناورة، والثاني بالهروب إلى الأمام. 

 

أولاً: اللّعب بالكلمات

مشروع سحب السلاح أو إلقائه، أو تسليمه، أو حتى نقله من كتف الفصائل إلى كتف هيئة "الحشد الشعبي"، كما نصّت المبادرة المتواضعة السقف، ليس مجرد كلمةً يُلقيها زعيم سياسي في خطاب مقتضب، بل يحتاج الى تفاهمات واضحة، وإلا تحوّلت المبادرة فرصة أخرى للتذاكي السياسي كما حصل بالفعل في تجربة سابقة. 

 

مطلع تموز (يوليو) عام 2019، أصدرت الحكومة العراقية برئاسة عادل عبد المهدي الأمر الديواني الرقم 237، والقاضي بتخيير الفصائل المسلحة بين الانتماء إلى الحشد الشعبي وقطع صلاتها السياسية، أو التحوّل أحزاباً سياسية وفق قانون الأحزاب الذي يحظر حمل السلاح.

سارعت الفصائل حينها إلى الترحيب بالأمر الديواني، ثم أصدرت سلسلة بيانات متشابهة، يعلن فيها كل فصيل مسلح، ببساطة، أنه قطع علاقته بحزبه السياسي، ثم بدأت فصائل مثل (العصائب والكتائب والنجباء) استخدام أرقام ألويتها العسكرية لتأكيد فكرة اندماجها في القوات المسلحة، وتدريجياً أصبحت تلك الألوية تُعرّف لاحقاً بعبارات مثل (لواء 45 كتائب، لواء 12 نجباء!) ليتم تفريغ محتوى الأمر الديواني وتحويله من هيكلة "الحشد الشعبي" وتحريره من الساسة والقرار الإيراني، إلى عملية ترقيم ألويته فقط.

وقد نص الأمر الديواني السالِف الذكر، على إغلاق مخازن الأسلحة وإخراجها من المدن السكنية إلى البراري، وهو المطلب الذي ركلته الفصائل إلى الأمام، عبر طلب موازنات مالية بذريعة إنشاء مقار خارج المدن. 

 

اعتقدَت الفصائل حينها أنها تمكنت بـ"ذكائها" من تفادي الموجة الشعبية الساخطة، لكن بعد نحو شهرين من الالتفاف على الأمر الديواني الذي أصدره رئيس الوزراء المفضّل لدى الفصائل، اندلعت أكبر تظاهرات عرفها عراق ما بعد 2003، وقادت إلى سلسلة تطورات قانونية وسياسية وشعبية انتهت بتلقي الفصائل ضربة انتخابية موجعة لم تستفق منها حتى الآن.

 

أما بعد دعوة الصدر، فقد اتخذ زعماء الفصائل، ومن بينهم الصدر نفسه، سلوكاً مشابهاً في مستوى المخاتلة، إذ أعلن الصدر حلّ لواء "اليوم الموعود" كبادرة حسن نية، برغم أنه سبق أن أعلن حلّه في وقت سابق، وبعبارة أخرى، أعلن الصدر حلّ لواء مُنحل، لتردّ "كتائب حزب الله" بإعلان حلّ لواءين مُنحلّين أيضاً، وقد تسببت المبادرة "المسلوقة" التي لم تخضع للتريّث أو الدراسة، بمأزق آخر، حين بدأت الفصائل تطالب هيئة الحشد الشعبي بتوفير درجات وظيفية لعناصر فصائل "المقاومة" الذين تزعم أنها ستنقلهم إلى ملاك الهيئة، وسيكون بإمكان أي فصيل أن يملأ آلاف الاستمارات بأسماء حقيقية أو وهمية، ويقدمها إلى الحشد الشعبي تنفيذاً لمبادرة الصدر، خاصةً أن الدولة العراقية بكل أجهزتها، لا تملك قاعدة بيانات لمقاتلي الحشد الشعبي ذاتها، فضلاً عن عناصر فصائل "المقاومة". 

 

ثانياً: الهروب إلى "الجهاد"

أما المسار الثاني الذي اتخذته الفصائل رداً على فكرة حلول أوان إلقاء السلاح، فكان التصعيد ـ بلا سبب ـ في خطاب "مقاومة المحتل" حتى وصل الأمر بفصيل "كتائب سيد الشهداء" إلى إعلان فتح باب التطوع لضم المزيد من المسلحين، وهي خطوة أثارت ارتياب الأوساط الحشدية قبل غيرها، حيث اتُهِم أبو آلاء الولائي بركوب الموجة ومحاولة التكسب المالي وابتزاز الممول الإيراني، عبر الإعلان عن ضم مزيد من المقاتلين من دون أن تتفق الفصائل على الحاجة إلى ذلك. 

 

كما حدد فصيل "سيد الشهداء" اليوم الأخير من كانون الأول (ديسمبر) المقبل موعداً لبدء العمليات العسكرية ضد القوات الأميركية، في تصعيد لم يكن مدفوعاً بأي مسوّغ ميداني أو سياسي، وهو ما ناقشه الباحث حارث حسن في مقالة اعتبر فيها أن الفصائل إنما تجهد حالياً في محاولة صناعة محتل وهمي، لا يراه العراقيون، لتقاتله، خاصة أن العراقيين اختبروا "بهلوانيات" تلك الفصائل، التي كانت تسارع إلى التبرؤ من قصف السفارة الأميركية، وتتهم طرفاً ثالثاً (مخابراتياً أو صهيونياً!) بقصف السفارة الأميركية.

 

التصعيد يأتي بالتزامن أيضاً مع تهديد جديد أطلقه سياسي على صلة بـ"كتائب حزب الله"، باستهداف سفارات دول الخليج في بغداد إلى جانب السفارتين البريطانية والأميركية. 

 

وبرغم أن ملف انسحاب القوات القتالية الأميركية وغيرها، المتمركزة في قواعد نائية عراقية، ولا تتجاوز بضعة آلاف جندي، قد حُسِم بتوقيع الحكومة العراقية اتفاقاً استراتيجياً يقضي بإنهاء الانسحاب في موعد أقصاه نهاية العام الجاري، إلا أن الفصائل وجدت نفسها مضطرة لنفخ الحياة في ملف محسوم لتحقيق غايتين، الأولى محاولة استقطاب أنصارها وشد عصبهم، والثاني التلويح للمجتمع الدولي والضغط عليه ليُبدي بعض الاكتراث لصرخات الفصائل الخاسرة انتخابياً. 

 

تأجيل معركة الحكومة لمصلحة مَن؟

طالب الصدر صراحة في خطابه الأخير بعدم المماطلة في تشكيل الحكومة المقبلة، إلا أنه قد يكون أحد كبار المستفيدين من المماطلة في دفع ملف تشكيل الحكومة إلى ما بعد الموعد المُفترض لانسحاب القوات الأميركية القتالية، وقد لمّح إلى ذلك بتأكيد أنه "ليس المتضرر من المماطلة"، لما سيوفّره تأجيل المواجهة إلى كانون الأول من مساحة للاستثمار، فإذا ما تمت مهمّة الانسحاب، فسيسارع الصدر على الأرجح إلى إعلان انتفاء الحاجة نهائياً لسلاح "المقاومة" وإحراج منافسيه في الفصائل ووضعهم تحت الضغط الشعبي، أو ما هو أبعد. 

 

لكن الفصائل تبدو هي الأخرى أكبر طرف يعمل حالياً على الاستثمار في المماطلة، عبر إطلاق بالونات من قبيل إلغاء النتائج وإعادة الانتخابات، في محاولة يائسة للهروب إلى الأمام، عسى أن يحصل تطوّر ما، يحرف الحوادث التي إن تُركت لحال سبيلها وفق المسار القائم، فإنها لن تقود إلا إلى تقويض سلطة السلاح وإعادته إلى جحور ما قبل حزيران (يونيو) 2014، أو حتى آذار (مارس) 2008 حين أزاحت الحكومة مسلحي الميليشيات من المدن الشيعية عبر عملية "صولة الفرسان".

 

الانسحاب الأميركي.. كابوس السّلاح الولائي

من "طرائف" الفصائل الإيرانية في العراق، أنها وإذ تزعم "المقاومة لطرد المحتل"، فإن مسلحيها كانوا يصمتون دهراً، ثم ينشطون مجدداً ما إن تبدأ القطعات العسكرية الأميركية بسحب دفعة جديدة من آلياتها إلى خارج العراق، لتبدأ "المقاومة" باستهداف الأرتال المُنسحبة، في محاولة مثيرة للشفقة لاستفزاز القوات الأجنبية ودفعها إلى البقاء في البلاد! 

 

إن كان تأجيل معركة تشكيل الحكومة إلى ما بعد كانون الأول بالنسبة الى الصدر خطة سياسية، ستحقق في النهاية مكاسب مضمونة، فإن تصعيد الفصائل عبر المماطلة لا يعدو كونه هروباً إلى الأمام ونحو المجهول، وبهدف كسب الوقت ليس إلا. لأن الوقت هو أكثر ما يحتاجه المسلحون في هذه المرحلة، فقرار الانسحاب الأميركي الوشيك، يبدو جاداً.

 وقد اختبر العراقيون في كانون الأول عام 2011 انسحاباً مماثلاً، حين أخلت القوات الأميركية قواعدها بالفعل، وسلّمت السلطة بكامل صلاحياتها الى العراقيين، الذين سارع رئيس حكومتهم آنذاك نوري المالكي إلى الفتك بخصومه، والشروع بتأسيس نواة ديكتاتورية جديدة قادت البلاد بعد بضع سنوات إلى انهيار كبير، تمثّل بسيطرة تنظيم "داعش" على ثلث مساحة البلاد، لتطلب الحكومة العراقية من جديد تدخل القوات الأميركية. 

 

ويدفع الانسحاب الأميركي من العراق، الفصائلَ إلى حالة من الضياع، لذا تحاول أوساط السلاح السياسي منذ أشهر، اختلاق "أعداء احتياط" يتولون تبرير الاستمرار بحمل السلاح إذا ما استفاق العراقيون صبيحة رأس السنة، على بلاد بلا أميركيين "يقاومهم المقاومون".

 

من بين "المحتلين تحت الطلب" القوة التركية المتمركزة في إحدى القواعد في إقليم كردستان العراق أقصى شمال البلاد، أو ترويج فكرة أن "الانسحاب الأميركي غير مُكتمل لأن عملاء الأميركان ما زالوا في الداخل". ويعتقد زعماء الفصائل أن مفردة "عملاء" واسعة ومطاطية، بالقدر الكافي الذي يسمح بإطلاقها على أي جهة موجودة أو مُتخيلة، وبالتالي بث الدماء من جديد في قصة سلاح "المقاومة".

 

لكن الفصائل الغارقة في الوهم، يفوتها أنها لم تتمكن من إقناع العراقيين بتبرير سلاحها الحالي، حتى مع وجود فعلي لبضعة آلاف من الجنود الأميركيين في قواعد متفرقة، وقد تحوّلت تلك المجاميع إلى تجربة "مقاومة" نادرة على مر التاريخ، حيث تستمد حركات المقاومة الشعبية الحقيقية وجودها ونضالها من الظهير الشعبي، ولم يسبق ـ إلا نادراً ـ أن وُجِدَت حركات مقاومة يُناضل الشعب للخلاص منها ومن سلاحها وتغطرسها، كما هي الحال مع الفصائل الولائية في العراق. 

 

وأصبح سؤال: "هل ستلقون السلاح بعد انسحاب الأميركيين؟" سؤالاً يومياً يواجه متحدثي الفصائل على شاشات التلفاز، ويُظهر ارتباكُهم في تقديم الإجابات مستوى الذعر من "كابوس" الانسحاب، وبينما يتوق المقاومون إلى إلقاء السلاح فور زوال الاحتلال في التجارب الصادقة، فإن تهرّب متحدثي الفصائل من الإجابة عن السؤال الصعب، يفضح يومياً الدوافع الحقيقية لتسلح تلك الفصائل. 

 

في المجتمع الشيعي، تُشير عبارة "عند ظهور الإمام المهدي القائم" إلى طول الأمد أو بُعد الموعد، وقد حدد المسلحون هذا الموعد اللانهائي للتوقف عن الاستقواء بالسلاح، في محاولة "احتياطية" ويائسة لمواصلة الهروب من الاستحقاقات الشعبية، فهم تارة يهربون إلى "ديسمبر" وأخرى إلى ما يُشبه "الأبد"، بلا أي خطة عمل واضحة يواجهون بها شعبهم، وشيعته قبل مكوّناته الأخرى.

 

الفصائل الولائية التي أنشأتها إيران في العراق، وعشّشت داخل أجهزة الدولة وامتصت خيراتها، تذوّقت نعيم حمل السلاح، واعتاد عناصرها وقياداتها على مستوى رفيع من الثراء والغطرسة التي وفرها ذلك السلاح، وهي مستعدة للقتال حرفياً من أجل هذه المكاسب حتى مع علمها أن هذا السلاح سيقودها إلى الهاوية، تماماً كما في جولة الانهيار الأولى التي كشفتها نتائج الانتخابات، وما لَم تنبر طائفة من المسلحين إلى إجراء مراجعة شاملة لخطة العمل، والانطلاق بخطاب تصحيحي جديد، يستعيد ثقة الشعب، ولا يكتفي بمغازلة مجموعة زبائنية متكسبة، فإنها تدفع معظم العراقيين إلى اتخاذ قرارات قد لا تكون متوقعة، أيسرها التفرّج على تساقط المسلّحين كما في صبيحة التاسع من نيسان (أبريل) عام 2003، وأقصاها اتخاذ انحيازات لا تؤمن عواقبها.

المصدر: النهار العربي

محمد السلطاني

Posted byTony Ghantous✍️

للمشاركة :
Point7 Multimedia
Point7 Multimedia