تخطي إلى المحتوى

Thursday, 29 October 2026

مونتريال --°

بيروت --°

عاجل
منسيّون تحت الركام... أنطاكيا المدمّرة مدينة أشباح تواجه مصيرها وحيدة

منسيّون تحت الركام... أنطاكيا المدمّرة مدينة أشباح تواجه مصيرها وحيدة

February 9, 2023

المصدر:

النهار العربي سركيس قصارجيان

"ما أن ترى اللافتة الزرقاء التي كتب فيها "هاتاي" عند مدخل المحافظة، تشعر بأن الحياة قد انتهت على الأرض، أو أنك انتقلت إلى كوكب آخر غير مسكون. كل شيء هنا يشير إلى الموت". هكذا تصف الصحافية التركية بلين أوزكابتان الوضع في لواء اسكندرون، ولاية "هاتاي" بتسميتها التركية، على ساحل المتوسط في أقصى جنوب غربي البلاد.

يُجمع الأتراك على أن "هاتاي" تأتي في المرتبة الثانية بين الولايات التركية العشرة التي ضربها زلزال مرعش يوم الاثنين الماضي، والمرتبة الأولى لناحية التباطؤ في إرسال فرق الإنقاذ والآليات وشاحنات المساعدات، وسط سخط عمّ معظم أرجاء البلاد بسبب الإهمال الحكومي في تلبية نداء استغاثة المدينة المنكوبة.

 من لم يمت من الزلزال مات متجمّداً

يؤكد العديد من الصحافيين المتابعين لمستجدات الزلزال في مدن الولاية، الذين تواصل معهم "النهار العربي"، على تجاوز الدمار نسبة الـ 70 في المئة، وسط عجز تام عن تلبية المطالب الاسعافية لإنقاذ العالقين تحت الركام، والذين تتضاءل احتمالات نجاتهم مع مضي الوقت.

يقول المحامي توفيق أولوص أوغلو، وهو من سكان الولاية، لـ"النهار العربي": "مع تأخر وصول فرق الإنقاذ والإسعاف، فإنّ من لم يمت بفعل الزلزال، مات من البرد القارس والنزيف. أعداد الضحايا كبيرة جداً والأرقام المعلنة جزء بسيط جداً من الحجم الحقيقي للموت".

ويروي أولوص أوغلو، الذي يرأس مجلس إدارة جمعية لواء اسكندرون للثقافة والبيئة، قائلاً: "لم تدخل فرق الهلال الأحمر والدفاع المدني والطوارئ إلى الولاية لأكثر من 24 ساعة. الساعات الأولى بعد الفاجعة، والتي تعتبر الأهم لناحية إنقاذ الأرواح لم تتم خلالها أعمال إنقاذ جدّية سوى محاولات بدائية لشبّان باستخدام المعاول والمجارف اليدوية".

وأعلنت وزارة الصحة التركية وصول عدد الضحايا في الولاية إلى 1647 وتجاوز عدد الجرحى الـ 6000 بفعل تعرّض 2749 بناءً للهدم والانهيار الكامل، وفق المعطيات الرسمية، إلا أن المصادر الميدانية التي تواصل معها "النهار العربي" في مدن انطاكيا واسكندرون وأرسوز تؤكد أن الأرقام الحقيقية تتجاوز الموثّقة رسمياً بعشرات الأضعاف.

وفي المقابل أعلن رئيس بلدية انطاكيا لطفي سافاش في الأمس، أنه "على رغم أننا في اليوم الثالث للزلزال، إلا أننا للأسف لم نتمكّن من تغطية سوى 2 إلى 3 في المئة من الأبنية المدمّرة في المدينة... الدمار هائل والإمكانات معدومة".

أنطاكيا مدينة أشباح

تصف الصحافية بلين اوزكابتان أنطاكيا "وكأنها تعرّضت إلى قصف شامل"، فالأبنية المنهارة بجانب بعضها البعض تشكّل سجّادة من الركام تغطي المدن بالبياض.

تقول بلين: "عندما خرجت نحو هاتاي على أثر الأصوات التي كانت تتحدث عن عدم وصول أي نوع من المساعدات إلى مدنها، لم أكن أتخيّل هول الكارثة. الفاجعة كبيرة جداً هنا لا يمكن وصفها".

وأضافت: "باختصار، في أنطاكيا التي وصلت إليها على وقع أخبار عدم وصول المساعدات وعدم وجود أعمال إنقاذ فيها، واجهت مشهداً أكثر فظاعة مما يمكن وصفه بالكلمات".

هرع مئات المتطوعين إلى الولاية في محاولة لتقديم ما أمكن من المساعدة، بخاصة بعد ورود أنباء عن عدم وجود أي نوع من أعمال الإنقاذ أو الإغاثة بعد مضي اليوم الأول من الزلزال.

يستعرض ايتان اوموت أوغلو، القادم من اسطنبول، لـ"النهار العربي" ظروف العمل الإغاثي في المدينة قائلاً "نحفر الركام بأظافيرنا بكل معنى الكلمة، لا معدّات ولا كاميرات حرارية ولا كلاب مدرّبة ولا أجهزة استشعار. لا شيء هنا على الاطلاق عدا مئات الشبّان الذين جاؤوا لمساعدة هؤلاء المنسيين تحت الركام".

في ساحة الجمهورية وسط المدينة المدمّرة توزع بلدية أنطاليا التي نصبت الخيام وأقامت مطبخاً ميدانياً، الحساء على الناجين والمتطوعين المنهكين من "كشط الركام بالأيدي"... العمل في المدينة المنكوبة لا يتوقف ليل نهار، على الرغم من الظروف الجوية السيئة جداً، وفق ما يرويه المتطوعون.

ينتشر الشبّان على شكل مجموعات صغيرة جداً وفق خريطة مطبوعة من "غوغل" بمساعدة أحد أبناء المدينة للبحث عن ناجين تحت الأنقاض. يتم البحث، بحسب ما ترويه شولي، احدى المتطوعات القادمات من مرسين، بأكثر الطرق بدائية: "نقف أمام الحطام ونبدأ بالصراخ: هل من أحد يسمعنا، وفي حال سماع صوت من تحت الأنقاض نقوم بتعيين موقع البناء على الخريطة الموجودة بين أيدينا ثم يهرع أحدنا بحثاً عن آلية أو أي شيء يمكن أن يساهم في رفع الأنقاض". 

وأضافت أن "الكثير من الأصوات كانت تسمع عندما وصلت إلى المدينة مع إشراقة شمس اليوم الثاني من الزلزال، مقابل القليل جداً من وسائل المساعدة. للأسف هذه الأصوات نقصت تدريجياً، العمل الآن يتركز على إخراج الجثث من تحت الأرض".

بعد مضي 66 ساعة على الزلزال، نجحت إحدى فرق الإنقاذ في إخراج الطفلة انيتيزان أوغلو، من تحت الأنقاض في معجزة تحققت بفضل عناد الطفلة البالغة من العمر 7 أشهر فقط على التمسّك بالحياة، سبقها اخراج المسنّة قلّاب دكرمنجي البالغة من العمر 88 عاماً، بعد قضائها 62 ساعة تحت ركام منزلها.

تصطف الجثث الملفوفة بالبطانيات جنباً إلى جنب على طرفي الشارع في انتظار نقلها إلى مستشفيات المدن والمناطق القريبة، في ظل عجز مستشفيات المدينة شبه المدمّرة عن استيعاب الحالات الوافدة، فيما تقوم سيارات الإسعاف القليلة جداً العاملة في المدينة بنقل الحالات الحرجة للغاية فقط.

كما شهد سجن أنطاكيا عصياناً ومحاولة هروب للمساجين الذين حاولوا استغلال الفوضى العارمة للخروج من البناء الذي بقي بمنأى عن أضرار الزلزال المدمّر لمتانته، إلا أن القوى الأمنية عادت وسيطرت على الأوضاع بعد ساعات على اندلاع العصيان الذي أودى بحياة 3 مساجين وجرح 12 آخرين بعد تعرّضهم لنيران رجال الشرطة.

مدينة اسكندرون جزيرة عائمة

تأتي مدينة اسكندرون الساحلية في المرتبة الثانية لناحية شدة الدمار بعد أنطاكيا. وشهدت المدينة المنكوبة ارتفاعاً في مستوى مياه البحر التي غمرت الطريق الساحلي في منطقة "شاي" وساحة "ميتي أصلان" لتغرق كل المحال التجارية في المنطقة.

قامت السلطات التركية بداية بإخلاء المواقع والبنوك وكل المحال في الشارع، لتتبعها عمليات اخلاء المنازل المطلّة على الساحل نتيجة عدم انحسار المياه على الرغم من مرور ثلاثة أيام على الزلزال، وسط تحذيرات من المحافظة لأهالي المنطقة من دخول المنازل المتضررة والمخاطر المتوقّعة بسبب فيضان البحر، ما دفع بالناس إلى البقاء في الحدائق والأسواق المغلقة في المدينة.

بالتزامن مع ذلك، نشب حريق هائل في ميناء اسكندرون، الذي يعتبر أحد أكبر الموانئ التجارية على الساحل الغربي للبلاد، واستمر لساعات عدة قبل تمكّن سيارات الإطفاء الآتية من اسطنبول لنجدة الولاية المنكوبة من السيطرة عليه بشكل كامل بعدما تسبب بخسائر مادية كبيرة.

 

Posted byKarim Haddad✍️

للمشاركة :
Point7 Multimedia
Point7 Multimedia