
مقاولو الحرب في سوريا: شركاء في الكارثة بعدما انهار عمرانهم كأكوام الملح
February 16, 2023
المصدر:
المصدر: النهار العربي
ليس من السهل إحصاء عدد الأبنية المخالفة في أيام السلم، فكيف بعد 12 عاماً من الحرب في سوريا، وأيام ما بعد الزلزال الذي جاءها قاسياً وأليماً لعوامل أبعد من كونه زلزالاً مدمراً وحسب؟
عوامل أخرى ترتبط بالحرب عينها، وليس بالفساد فحسب، فهو حالة أصيلة في سوريا، بل بحالة انعدام الأمن الغذائي والمائي والإنشائي والمجتمعي أيضاً، حقيقةً ما كان ينقص سوريا هذا الحدث.
وبالحديث عن تفاصيل الزلزال وشكله وما أدى إليه، ورغم ذكر أنّ الفساد في سوريا أصيل، ولكنه بلا شك تنامى باطراد خطير خلال سنوات الأزمة، لأسباب بينها: غياب الرقابة، غياب المحاسبة، ضعف النفوس، تورط بعض السلطة في الأمر.
صحيح أنّ عشرات آلاف الأبنية في سوريا تصدعت بفعل الحرب، ولكن ما ظلّ ثابتاً وسليماً معمارياً فيها، هل كان مرشحاً ليتهدم بهذه الطريقة وتصبح المباني كأنها أكوام من "الملح"؟
بل ولو كانت سليمة من الناحية الفنية، هل كان الزلزال ليحصد هذا الكم من المباني التي سقطت وتحولت إلى دمار تام؟ الجواب هو لا، فببساطة غياب المخططات التنظيمية والفساد في دوائر الإدارة المحلية وأشكال البناء والتحالف الإداري الرسمي مع المقاولين جعلت آلاف الأبنية ذات مظهر غريب إنشائياً.
يعلم سكان حيٍّ ما مثلاً أنه مسموح بإعمار ثلاثة طوابق في حيّهم فقط، وفعلاً كان الأمر سارياً قبل الحرب على ذلك، وأحياناً يتم التجاوز في بعض الأبنية والسماح ببناء ملحق إضافي، ويكون مخالفاً بطبيعة الحال، أما اليوم فحيّ مسموح فيه بثلاثة طوابق تجد أبنيته أصبحت سبعة طوابق وأكثر.

في حمص
حي المهاجرين الشعبي في مدينة حمص مثلاً، والذي يفترض أن يكون سقف الإعمار فيه ثلاثة طوابق، اليوم بكل بساطة بالكاد يوجد بناء فيه أقل من خمسة طوابق، وصولاً إلى ثمانية أو تسعة، ومثله أحياء مختلفة في حمص، واللافت أنها كلها توصف بأنّها أحياء "عشوائيات"، أي أنّها من الأساس غير مقامة على دراسات هندسية، فعلام يراهن سكانها وقد قاربت أبنيتهم أن تصير أبراجاً؟
سألنا هذا السؤال لصاحب أحد تلك الأبنية، وكان جوابه أنّ كثرة "عياله" فرضت عليه التوسع العمودي في البناء: "لم أفكر يوماً أنّه يمكن أن يحدث زلزال في سوريا، أنا اليوم خائف جداً، ولكن حتى الأمس كنت لا أبالي، ماذا سيحدث مثلاً؟ كل حارتنا أصبحت أبنيتها طوابقها عالية".
في ريف دمشق
وإلى مدينة جرمانا في ريف دمشق، والتي تشهد الاكتظاظ السكاني الأعلى في المنطقة، هنا يمكن مشاهدة بناء من طابقين، قبالته بناء من تسعة طوابق، وبينهما بناء من خمسة طوابق، وهكذا دواليك.
وإذا اعتبرنا أنّ في حمص الأمر مركب قليلاً، لكون المدينة كانت ترزح تحت وطأة حرب عنيفة، فغابت الرقابة وسادت ثقافة الجشع، ولكن ماذا عن هذه المنطقة في ريف دمشق، وهي التي ظلت آمنة طوال الحرب؟ هنا يبدو أنّ الفساد قد توغل واستشرى وتمترس وضرب بكل القوانين عرض الحائط عبر مجالس بلدية متعددة تعاقبت على المنطقة خلال السنوات الماضية.
يعمل هذه الأيام المجلس البلدي في جرمانا بكدّ وجدّ للكشف عن احتمال تضرر الأبنية من الزلزال الأخير، "ولكنهم يتعامون عن البرجيات التي شيّدت حولهم وبجوارهم وفي مناطق سلطتهم"، يقول الشيخ سائر صيباتي لـ"النهار العربي"، ويضيف: "والله كنا طابقين قبل الحرب، اليوم صرنا سبعة، منظر البناء لوحده مخيف، تشعر بأنه سينهار من دون زلزال، واشتكينا مراراً وتكراراً للبلدية ولكن من دون إجابة، فالذي عمّر وباع الشقق فوقنا واحدة تلو الأخرى شخص نافذ وله معارفه".
ومثل جرمانا يتكرر الأمر في دمشق نفسها ودرعا والسويداء، وغيرها، ولعلّ هذه الأمثلة البسيطة هي بمثابة "إنذار" لأبنية قد تسوى بالأرض في حال حصل أي زلزال في المستقبل، سواء أكان الأمر مستبعداً أم لا.

في مدن الفاجعة
أما في حلب واللاذقية، حيث تركزت الفاجعة، فهناك يمكن القول ببساطة إن تلك الأبنية التي انهارت لم تكن تستوفي بأي طريقة شروط السلامة الزلزالية، وليس المقصود القول إنّ الأبنية لن تسقط في الزلازل، وإنّ ما حصل هو استثناء خاص وغير مسبوق، بقدر ما نهدف للقول إنّ تدعيم المباني ومراعاتها للشروط العمرانية السليمة كان سيخفف من وطأة الكارثة، وتركيا القريبة التي تشارك سوريا مصيبتها، ورغم أنّه لا حرب فيها، فحتى اليوم تم اعتقال أكثر من 130 مقاولاً بتهم تتعلق بالفساد الإنشائي، فكيف الحال بسوريا إذاً؟
وبحسب رأي المهندس المدني مازن سليقاني فإنّ المقاولين وتجار الأزمة يتحملون وزر الأبنية المخالفة وجزءاً كبيراً مما حصل من دمار، "لا يعقل أن يصمم مهندس بناء قابلاً للسقوط، نحن درسنا وتعلمنا ونعمل بوضوح ونراعي الشروط السليمة في البناء، على عكس التجار الذين يتقاضون الأموال ويقومون بإنجاز طبقات تجارية قابلة للانهيار مع أي حدث طارئ وغير متوقع، وبالتأكيد لم يكونوا يتوقعون أن تعري الطبيعة فعلتهم... أنا أطالب بمحاسبة جميع المتورطين، من التجار والمتنفذين الذين سهلوا لهم البناء، برخصة أو من دونها".
يقول مقاول من حلب لـ"النهار العربي" فضل عدم الكشف عن اسمه: "يأتيك شخص ما يقول لك أملك هذا السطح ومعي مثلاً فقط عشرون مليون ليرة وأريد أن تعمر لي بيتاً، ماذا أفعل؟ إن رفضت سيقبل غيري، ومن كان يتوقع أن يحصل زلزال في سوريا؟ ورغم ذلك أحاول أن أقدم الأفضل ضمن المبلغ المتاح لي، الحق هنا على صاحب المال وليس عليّ، أنا أخبره بأنّه لن يحصل على أفضل نتيجة بهذا المبلغ، وهو حر إن قبل أو رفض، علماً أنّ الجميع يقبلون".
وحين سؤاله إن كان يخشى المحاسبة بعد هذا الزلزال، تبسم بطريقة ما وأجاب: "ليحاسبوا الرؤوس الكبيرة، نحن عمال صغار".
أما المقاول حيدر حمور من اللاذقية فيقول لـ"النهار العربي": "من غير المعقول تحميلنا مسؤولية كل هذا السوء العمراني، صحيح أننا لسنا مهندسين، ولكن لنا خبرتنا أيضاً، وليس من المعقول أن ننفذ بيوتاً غير مدعمة وآيلة للسقوط، الموضوع يتعلق بالضمير".
وبين ضمير هذا المقاول وانعدام ضمير آخرين، يبقى أنّ سوريا بعد الزلزال دفعت ثمن عشوائياتها وبناها التحتية السيئة آلافاً من القتلى والجرحى ودماراً واسعاً بات معه أكثر من نصف مليون سوري على الأقل مشردين.
قد تكون الحكومة اليوم غير قادرة على إيجاد حلول فورية، ولكنها على الأقل قادرة على تخفيف حدّة اللامبالاة التجارية بأرواح الناس، ليستوجب السؤال... هل سيجرؤ أحد على فتح تحقيق بملف البناء الذي عرّته الكارثة؟
Posted byTony Ghantous✍️
.jpg&w=3840&q=75)


