
مقابر جماعيّة جديدة في ليبيا تنكأ جراح الحرب... وتعقّد التسويات
January 8, 2023
المصدر:
النهار العربي القاهرة-أحمد علي حسن
يمضي عمال في مدينة ترهونة (غرب ليبيا)، في تفتيش باطن الأرض لاستخراج جثث قتلى من مقابر جماعية، في مشهد يعكس الثمن الباهظ الذي دفعه الشعب الليبي جراء الصراع المستمر منذ عام 2011، والمعضلات التي تواجه المصالحة الوطنية.
وأعلنت السلطات الليبية، مطلع الشهر الجاري، العثور على مقبرة جماعية جديدة في مكبّ النفايات العام في ترهونة، ضمن سلسلة مقابر تعمل على استخراج رفات منها في المدينة التي شهدت قبل عامين معارك مسلحة طاحنة.
وكانت ميليشيات اللواء التاسع، المسمى بـ"الكانيات"، والموالية لقوات "الجيش الوطني" الليبي، تُسيطر على ترهونة من عام 2012 حتى انتزعت قوات موالية لحكومة العاصمة طرابلس السيطرة عليها مطلع عام 2020، وفرّ عناصر "الكانيات" منها تاركين إرثاً مروعاً، ينتظر التحقيق ومعاقبة مرتكبيه.
مقبرة جديدة
ومنذ حزيران (يونيو) 2020، يواصل عمال "الهيئة العامة للبحث والتعرّف إلى المفقودين" الحكومية، اكتشاف مقابر جماعية وأخرى فردية في ترهونة، وانتشال جثث ورفات مجهولة الهوية. وأفادت الهيئة، في بيان الأحد الماضي، بأن فرقها تمكّنت من اكتشاف مقبرة جماعية جديدة في مكبّ النفايات العام في المدينة.

وفي نهاية العام المنصرم، أشارت منظمة "هيومن رايتس ووتش" إلى أنه "في أثناء سيطرة ميليشيات الكانيات على ترهونة، اعتقلت أشخاصاً في أربعة مراكز احتجاز على الأقلّ، وعذّبتهم أو أخفتهم أو أعدمتهم".
وكان المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان، قد تجول في ترهونة في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، ضمن زيارته ليبيا على رأس بعثة رسمية، قبل أن يُقدم إحاطة إلى مجلس الأمن قال فيها إنه حصل على "أدلة مرتبطة بالجرائم التي يُدّعى أن جماعات مسلحة ارتكبتها في ترهونة".
مع ذلك، فإن الشكوك تُسيطر على سكان المدينة في إمكان تحقيق العدالة، خصوصاً في ظل الانقسام الحاد الذي تعانيه البلاد، وإمكان أن تلعب التوازنات دوراً في التغاضي عن جرائم ارتُكبت في الماضي.
مطالبات بالتحقيق والمحاسبة
وتتجمع أُسر القتلى والمفقودين في ترهونة باستمرار في الميدان الرئيسي للمدينة، التي لا تزال تحمل مبانيها آثار الحرب والدمار، للمطالبة بالتحقيق في عمليات القتل الجماعي ومحاكمة مرتكبيها.
ولا يقتصر اكتشاف المقابر الجماعية على ترهونة، فمدينة سرت (شرق ليبيا)، التي كان يسيطر عليها تنظيم "داعش"، قبل تحريرها على يد "الجيش الوطني" الليبي، في كانون الأول (ديسمبر) عام 2016، تحوي العديد من المقابر التي اكتُشفت خلال السنوات الأخيرة.
وأعلنت "الهيئة العامة للبحث والتعرف إلى المفقودين"، الأحد الماضي أيضاً، استخراج 18 جثة محترقة مجهولة الهوية، عُثر عليها الأسبوع الماضي في مقبرة جماعية تقع في منطقة السبع في مدينة سرت، حيث نُقلت الجثث إلى مستشفى محلي.
وكان "المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان" قد دعا إلى تسريع عمليات المساءلة عن جرائم القتل والإخفاء القسري والتعذيب التي شهدتها مدينة ترهونة ومناطق جنوب العاصمة طرابلس. وقال في بيان أصدره نهاية الشهر الماضي: "استخرجت فرق الهيئة العامة للبحث والتعرف على المفقودين حتى 11 آب (أغسطس) الماضي، 286 جثة من نحو 100 موقع دفن سري في مدينة ترهونة وبعض المناطق جنوب طرابلس، حيث نجحت في التعرف إلى هوية 154 من الضحايا من خلال مطابقة الحمض النووي، ولا تزال الجهود جارية لتحديد هوية مزيد من الضحايا".
وقالت الهيئة إنه منذ سيطرة ميليشيات "الكانيات" على ترهونة عام 2015، أُبلغ عن اختفاء 338 شخصاً على الأقل من السكان. وأشار رئيس الهيئة كمال السيوي إلى أن غالبية المفقودين في ترهونة فُقدوا خلال المعارك التي اندلعت بين نيسان (أبريل) 2019، وحزيران (يونيو) 2020. وأوضح أنه منذ حزيران استخرجت الهيئة نحو 120 جثة، من بينها بعض النساء والأطفال، من مواقع مقابر لا تحمل علامات في ترهونة وحولها.
وكانت كل من المقابر التي حفرت تحوي بين جثة و12 جثة، وفي بعض الحالات أجزاء من الجسم.

وأضاف أنه عُثر على بعض الجثث مكبلة اليدين وأن معظمها في مرحلة متقدمة من التحلل، ما جعل التعرف إليها صعباً جداً. وتأخذ الهيئة عينات الحمض النووي من كل جثة يتم استخراجها، ومن أقارب الأشخاص الذين أعلن فقدانهم. وعزا السيوي تأخر التعرف إلى الجثث المستخرجة إلى نقص الموازنة اللازمة لشراء تجهيزات تشغيل مختبر الهيئة لتحليل الحمض النووي، وحاجة بعض موظفيها إلى تدريب إضافي.
تصفيات!
ولفت المرصد الأورومتوسطي إلى أن أكثر ما يبعث على القلق هو محاولة التخلّص من بعض المسؤولين عن تلك الجرائم من دون خضوعهم للإجراءات القانونية الواجبة، والتي من شأنها أن تساعد في الكشف عن تفاصيل أكثر حول الجرائم التي حدثت في تلك المدة أو الأشخاص الذين تورطوا فيها، إذ قَتل مسلحون، لم يتم التحقق من هويتهم بشكل مستقل، في تموز (يوليو) 2021، محمد الكاني، قائد ميليشيات "الكانيات" المسؤولة الأساسية عن الأفعال التي قد ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية في عدد من المناطق الليبية، وخصوصاً ترهونة. وقبلها بأشهر، اغتال مسلحون مجهولون القائد العسكري البارز في قوات "الجيش الوطني الليبي" محمود الورفلّي، وهو أحد المطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب في ليبيا.
الباحثة في الشأن الليبي في "هيومن رايتس ووتش" حنان صلاح، لفتت إلى الصعوبات التي تواجه العائلات التي فقدت أحبتها في ترهونة في مواصلة حياتها. ودعت السلطات إلى اتخاذ خطوات مناسبة للتعرف إلى الجثث وتقديم المسؤولين عن الانتهاكات إلى العدالة.
Posted byKarim Haddad✍️



