
مشروع الراعي نحو التحقيق: تحرير الدولة من كل مَن يعرقل أداءها
March 1, 2021
المصدر:
حبيب شلوق
في قراءة هادئة لخطاب البطريرك مار بشارة بطرس الراعي في سبت بكركي، يتبيّن أن للبطريركية المارونية خطاً ثابتاً، تنطلق منه كل المواقف، وهو خط أرساه البطريرك القديس يوحنا مارون والتزمه البطاركة الستة والسبعون من بعده.
صحيح أن لكل بطريرك أسلوبه وشخصيته، ولكن لهم كلهم "ثوابت بكركي" التي لا تتزحزح ، وإن خمدت في مرحلة فإن مرد ذلك إلى مرحلة هدوء واسترخاء. والقاسم المشترك في مواقف الـ76 بطريركاً هو الحرية وحقوق الإنسان والسيادة والإستقلال.
وفي عودة إلى كلام البطريرك الراعي فهو كلام كل اللبنانيين ــ في سرّهم ــ إلى أي طائفة انتموا. فجميعهم مع لبنان الواحد والموحد والسيد والمستقل والحر والقوي ومع تنفيذ القرارات الدولية المتخذة نتيجة تعديات على لبنان، وضد التوطين ومع إعادة اللاجئين السوريين إلى ديارهم آمنين، ومع التمسك بحدود لبنان بلا تعديل ومع "أن نعيش حياة حرة كريمة في وطننا"وبالتأكيد مع طرحه "أن لبنان للجميع أو لا يكون، و "أن الجميع للبنان أو لا يكونون".
إلا أن نقطة الخلاف الأبرز ظاهراً هي في دعوته إلى مؤتمر دولي"لتثبيت الكيان المعرّض جدياً للخطر"، وهو مؤتمر يبعد لبنان عن أن يكون "ضحية الصراعات والحروب وأرض الإنقسامات"، و يسمح ببسط سلطة الدولة من دون أي شراكة ويكون الجيش هو المدافع الوحيد عن لبنان، وتكون السلطة اللبنانية الشرعية هي مَن يمسك بقرار الحرب والسلم"، إذ "لا نريد جيوشاً ومعسكرات".
ويزيد في حدة الخلاف "تمترس"كل فريق بدولة خارجية تدعمه مما يجعل لبنان ساحة إختبار للأسلحة في ضوء الإنقسام الإقليمي والدولي الراهن وشد الحبال لرسم حدود سياسية وجغرافية جديدة وتسارع تطورات السلام الحاصلة بين عدد من الدول العربية وإسرائيل.
والواضح أن المعارضة الأبرز هي من بقايا حلفاء "سلطة الوصاية" الذين ما زالوا بمعظمهم في موقع القرار الرسمي اللبناني، فضلاً عن اتساع دائرة مؤيدي الجمهورية الإسلامية الإيرانية في لبنان وتنامي النفوذ التركي في عدد من المناطق الأخرى، مع وضوح التنافر بين النفوذين.
ولعل الأبرز في كلمة الراعي التي ينعدم الشك في منطلقها الوطني الجامع ــ ولو حاول البعض عن غير اقتناع البحث عن ثغرة لينتقدها ـــ هو الإنتقاد الشديد للسلطة "المعطَّـلة والمبعثرة والمصادرة" بكل مسؤوليها ومؤسساتها، وهي سلطة تشكل "حالة إنقلابية" على مختلف ميادين الحياة العامة. ورؤيته أن المؤتمر الدولي قادر على مساعدة لبنان كما حصل مع وثيقة الطائف التي أقرّت برعاية عربية ودولية، واعتباره "أن الجماعة السياسية لو تمكّنت من إجراء حوار مسؤول لمعالجة الثــُغـَـر في الدستور لما طالبنا بمؤتمر دولي برعاية الأمم المتحدة"، وانتقد السياسيين الذين "لم يجرؤوا على الجلوس إلى طاولة واحدة لحل الأمور ــ بما فيها تشكيل حكومة ـــ وهم يعترضون على طلب الحياد"، وعلى مؤتمر دولي خاص بلبنان لإنقاذه، مؤكداً "أن لبنان كلما انحاز نحو أي طرف خارجي انقسم الشعب واندلعت الحروب"، مطالباً بــ"تحرير الدولة من كل مَن يعرقل أداءها".
واللافت في الخطاب أن البطريرك ينحو في وضوح إلى الثورة على "الحالة الإنقلابية" أو إلى الإنقلاب على الإنقلاب ، داعياً إلى أن "لا تسكتوا على الفساد، وعلى سلب أموالكم وعلى الحدود السائبة وخرق الأجواء، ولا على فوضى التحقيق في جريمة المرفأ وعلى السلاح غير الشرعي وغير اللبناني، وعلى سجن الأبرياء وإطلاق المجرمين، ولا على عدم تأليف الحكومة وعدم إجراء الإصلاحات ، داعياً إلى إقامة "الدولة المدنية الفاصلة بين الدين والدولة".
وإذ يصرّ البطريرك على التأكيد أنه "يطرح حلولاً لكل لبنان ولكل لبنانية، ولا يطرح مشاريع مشاكل"، إلا أن ثمة مسائل أثارت ردات فعل ربما "شعبوية" إذ أن المعنيين الأساسيين في الإنتقاد لم يسارعوا إلى التعليقات خشية التسرّع، وينتظر أن تتوالى بعد درس وتمحيص لتأتي في مستوى "الخطاب المشبَع درساً".
ربما المؤتمر الدولي لا يُعقد غداً ، لكنه مؤتمر مُنتظر على اعتبار أن الحل وُضع على السكة، تعزّزه سلسلة معطيات، منها:
1 ــ الإقتناع الدولي بضرورة وجود "لبنان الرسالة" كما سمـّاه البابا القديس يوحنا بولس الثاني، وهو ما تجلّى في الدعم الفاتيكاني للبنان والمبادرة الفرنسية والمتابعة الأوروبية والاهتمامين الأميركي والعربي بمعظمه من الخليج إلى مصر.
2 ــ الهدنة غير المعلنة على الحدود اللبنانية ـــ الإسرائيلية، وإقصار الأعمال العسكرية الإسرائيلية على الأهداف السورية والإيرانية في سوريا ولو استعملت فيها الأجواء اللبنانية.
3 ـــ اجماع دولي على اعتبار تفجير مرفأ بيروت عملاً اجرامياً، وتنصل الجميع من تبنّيه لعدم قدرتهم على تحمل مسؤوليته، وهو جريمة أجمع المجتمع الدولي على استنكارها واستهجانها .
4 ـــ المركز الدولي الذي يتمتّع به البطريرك الماروني، كل بطريرك ماروني، واعتباره رجل دولة في كل دولة حلّ فيها، والنظر إليه بأنه فوق شبهات السياسة، وهو أمر لمسته خلال مواكبتي البطاركة في أكثر من 60 دولة.
قليل من التفاؤل لكل اللبنانيين.
Posted byKathy Ghantous✍️

.jpg&w=3840&q=75)

