تخطي إلى المحتوى

Thursday, 29 October 2026

مونتريال --°

بيروت --°

عاجل
مافيا البطاريات... احتكار الضوء في سوريا

مافيا البطاريات... احتكار الضوء في سوريا

December 5, 2021

المصدر:

النهار

"كلفتني بطارية صغيرة مع شاحن 135 ألف ليرة سورية، بالكاد تكفي لتشغيل بضعة أنوار "ليدات"، والليدات هي منجى السوريين من العتمة - وهذه قصة أخرى وطويلة - الأهم الآن أنني احتجت إلى ما يقارب راتب زوجي لشهرين لشراء هذه البطارية، وطبعاً فوقها ثمن أشرطة الليدات... القصة أنّني لم أشترِ ذلك بتوفير راتب شهرين دفعةً واحدة، هذا مستحيل، وإلا كيف كنا سنعيش في المنزل؟ وكيف نؤمّن طعامنا وشرابنا؟ ما فعلته أنّني كنت أوفر كل شهر مبلغاً من المال، عشرة آلاف، خمسة آلاف، خمسة عشر ألفاً، وهكذا، وطبعاً بدأت رحلة جمع المال منذ أشهر ليست بالقريبة، أتريد أن تضحك؟ كانت حينها البطاريات بأقل من نصف ثمنها الحالي، كنت أؤجل لأنّ البطارية القديمة لدينا كان بلا "نَفَس"، وهكذا، وكما كل شيء في البلد، كان يقفز سعر البطارية شهراً بعد آخر، العبرة بالخواتيم، الحمد لله، صار في منزلنا إضاءة"، تضحك أم علي وهي تخبر "النهار العربي" قصتها مع البطارية، وهي قصة يعرفها جيداً كل أولئك الفقراء، الجالسين في العتمة، أو الذين يسّر لهم القدر شراء بطارية ستعيش قصيراً قبل أن تتعطل، ذلك أنّ البضاعة في السوق بمجملها "ستوك" كما يصفها الناس.

 

وفي تعريف "الليدات" فهي أشرطة ضوئية فيها أزرار إنارة صغيرة، يأتي الشريط بطول يراوح عادةً بين المتر ونصف المتر، يعلق على الحائط بنوع من أنواع اللاصق، ثم توصل هذه الأشرطة إلى البطارية مباشرة، ولهذه "الليدات"، أنواع وأنواع أبرزها "بياض الثلج والأصفر والنيون كبير الاستهلاك"، وأكثرها رواجاً اليوم نوع يسمى "الميغا".

 

جرأة منقوصة

صحيفة "تشرين" الحكومية نشرت في وقت سابق تحقيقاً حول البطاريات، قالت فيه إنّ أسعار البطاريات والشواحن ارتفعت في يوم واحد فقط بمقدار 75 ألف ليرة. وأضافت نقلاً عن بعض بائعي البطاريات تأكيدهم أن السبب هو "استفراد تاجر واحد باستيراد هذا النوع من البطاريات، وإذا نفدت هذه الكمية من السوق فإن البائعين الصغار يقومون باحتكارها إلى حين ارتفاع سعر الصرف ثم إعادة طرحها في الأسواق بضعف سعرها"، وبالتأكيد فإنّ الصحيفة لم تسمِّ هذا التاجر، لم تجرؤ ربما.

 

 

 

الصحيفة الحكومية حالها حال بقية المؤسسات الرسمية التي تحاول الابتعاد قدر المستطاع عن القضايا الإشكالية، لا سيما تلك المتعلقة بملفات يصطلح على تسميتها بالحمراء، إلّا أنّ الغريب أنّ البحث عبر شبكة الإنترنت لا يوصل الى نتيجة عن المادة، إذ راح البعض يتساءل هل حذفتها الصحيفة التي تصدر إلكترونياً بعد قرار تحويل الصحف الرسمية إلى النشر الإلكتروني؟ هل فعلت ذلك إسوةً بصحيفة "البعث" التي نشرت في عام سابق مادةً توثق بيع الأعضاء البشرية في سوريا، وحذفتها بدورها، ليبرز سؤال آخر أكثر الحاحاً، هل تحاصر الرقابة هذه الصحف بعد النشر لا قبله لتضعها في مأزق أمام القراء، بيدَ أنّه في الوقت ذاته لا يمكن الجزم بأنّ المادة قد حذفت، ولكن ببساطة فإنّ البحث لا يقود إلى التحقيق الذي نشر في أواسط آذار (مارس) الفائت، أي قبل تسعة أشهر، وتداولته حينها مواقع ومنصات بالنقل الحرفي عن الصحيفة الحكومية.

 

في الربح غير النظيف

"النهار العربي" سألّ تجّار بطاريات في حمص عن بعض الأمور. الاختيار وقع على حمص لأنّ أسعارها بطبيعة الحال ستكون أرخص من العاصمة دمشق. المدينة الوسطى كانت تلقب "أمّ الفقير"، اليوم صارت عوناً للحياة على الفقير، هذا ما يمكن لمسه ببساطة خلال جولةٍ في أسواقها، وهذا موضوع شائك.

 

المهمّ أنّ التلاعب بالأسعار بلغ ذروته في عموم سوريا. صاحب محل لبيع البطاريات في حمص يقول لـ"لنهار العربي" إنّ نسبة الربح اليوم في البطارية الواحدة صارت تراوح بين 80 و120 في المئة، "نحن نربح، لا ننكر، وإلّا كيف سنعيش"، "النهار العربي" وضع جملةً اعتراضية في سياق حديث البائع: "على حساب الفقراء"، ليقول: "الأمر لا يقاس بهذه الصورة، ألسنا أيضاً فقراء؟ أساساً هل ظلّ هناك أغنياء إلّا من رحم ربي، نحن أيضاً نخضع للتجار الكبار، هم يسعّرون ويقطعون ويحتكرون ويمررون لنا البضائع بحسب ما يحلو لهم وبالأسعار التي يريدونها، ونحن بدورنا نبيع بتوحيد السعر ولو بشكل سري بين الباعة".رفض البائع ببساطة أن يسمي التجار الذين وصفهم بالحيتان: "لا أريد مشاكل مع أحد، ولكن الأمر معروف للقاصي والداني، اسأل الحكومة، من أنا ومن هم؟ هم كبار جداً بقدر ما نحن صغار".

 

 

 

 

ويقول بائع آخر: "بورصة البطاريات هي أنجح تجارة في الشتاء، ليس عليك سوى استغلال موسم البيع بشيء من الشطارة والمنطق في الوقت ذاته، فسعر الصرف المتقلب إما يجعلك تربح أو تخسر، وهنا تكمن خبرة التاجر وشطارته، والأساس هو الحفاظ على رأس المال".

 

مزيد من الاستهلاك

في حال رغب شخص ما في البذخ في استخدام البطارية الى حدّ استعمال شاشة التلفزيون أو شواحن الهاتف أو أشياء بسيطة فإنّه سيضطر لشراء بطارية بسعة أكبر، تحديداً من سعة 150 أمبيراً وصعوداً، أي بمبلغ مئتي ألف ليرة للبطارية شبه الجيدة وصعوداً، وبالطبع سيلزمه معها جهاز يسمى "انفرتر" ينظم إدخال الطاقة إلى الأجهزة المختلفة، وهذا الجهاز أيضاً يبدأ سعره بمئتي ألف ليرة وصعوداً، والشاحن الجيد من خمسين ألفاً وصعوداً أيضاً، أي أنّ السوريّ سيحتاج مبلغاً يفوق 450 ألف ليرة، وقد يصل إلى مليون أحياناً، أكثر أو أقل، لتشغيل أدنى متطلبات المنزل، وهذا طبعاً ومن دون نقاش لا يشمل الإلكترونيات الثقيلة، التي صار تشغيلها في منتهى الرفاهية غير المتاحة أو المسموح بها أو التي يمكن القول إنّها ممنوعة، فالترف ممنوع، فإذا ما ترفّه السوري سيفكر في أشياء أبعد من لقمة عيشه، وهذا بحدّ ذاته ممنوع.

 

سوق مفتوح على الغارب

"يشهد سوق البطاريات فلتاناً تثبته الأنواع والأشكال المختلفة من البطاريات، والأسماء التجارية غير المعروفة، وغالبيتها ذات جودة متدنية ويتم استبدالها في كل عام، ويؤكد المواطنون أنهم عرضة دائمة للغبن والتلاعب بالسعر والمواصفات التي لا يمكن التثبت منها، حيث يلعب الحظ الدور الرئيسي في شراء بطارية ذات تحمّل واستمرارية مقبولة، ويحمّل كثيرون أجهزة الرقابة المسؤولية الكاملة في بيع البطاريات "الستوك"، متسائلين: كيف تسمح وزارة الاقتصاد والجمارك باستيراد بطاريات من مخلفات مصانع الدول، ولا تحمل أي شهادة جودة بالحدود الدنيا؟!".

 

هذا ما قالته صحيفة "البعث" الرسمية في سوريا في معرض تحقيق تناول ملف البطاريات في سوريا، ليحمل التحقيق الوزارة مسؤولية الحال، على اعتبار أنّ "جسم الحكومة لبيس"، في عصر الانفتاح على المحاسبة "الصورية"، وهذا الانفتاح بطبيعة الحال مرتبط بـ"التنفيس"، وتالياً، تحويل الحكومة شماعة في ملفاتٍ كثيرة.

المصدر: النهار العربي

دمشق-طارق علي

Posted byTony Ghantous✍️

للمشاركة :
Style auto
Point7 Multimedia