
لهذه الأسباب لن يُعيد الأردن ضمّ الضفة الغربيّة
November 11, 2021
المصدر:
النهار
أثارت مقالة لفورين بوليسي ردود فعل قوية، بعدما لفتت انتباهاً دولياً إلى قضية مثيرة للجدل لم تُناقش، عبر التاريخ، إلا داخلياً.
في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، نشر حسن إسميك، وهو رجل أعمال أردني يعيش في دولة الإمارات العربية المتحدة، مقالة في مجلة "الفورين بوليسي" يوصي فيها الأردن بإعادة ضم الضفة الغربية.
وشجع إسميك على إعادة توحيد الضفة الغربية مع الأردن على النحو الذي كان قائماً بين عامي 1950 و1967. الإجراء الذي يشمل إعادة الجنسية الأردنية إلى حوالي 3 ملايين من فلسطينيي الضفة الغربية، بالإضافة إلى منح الجنسية الأردنية لعدد كبير من اليهود الإسرائيليين الذين يختارون البقاء هناك.
افترضت مقالة إسميك أولاً، أن الأردن مستعد وقادر على إعادة ضم الضفة الغربية وإعادة توحيد ضفتي نهر الأردن في اندماج سياسي كما كان قائماً بين 1950و1967، وثانياً، أن الفلسطينيين يدعمون إعادة التوحيد مع الأردن، ويوافقون على العيش تحت السيادة الهاشمية، ويقبلون الجنسية الأردنية، ويتنازلون عن هدف إقامة دولة فلسطينية مستقلة، وثالثاً، أن إسرائيل ستتناول عن السيادة على الضفة الغربية للأردن، والمستوطنين الإسرائيليين الباقين يقبلون بالعيش تحت الحكم الهاشمي.
واجه اقتراح إسميك رود فعل أغلبها سلبي، لأنه اقتراح راديكالي ولا يحظى بدعم واسع بين الفئات المستهدفة الثلاث: الأردنيين والفلسطينيين والإسرائيليين، إلا أنه اقتراح لافت لكونه نقل نقاشاً غالباً ما يجري محلياً وباللغة العربية إلى الساحة الدولية.
وردّ الأردنيون، ومنهم عدد من المسؤولين البارزين، بسرعة وسلبية على اقتراح إسميك. فعلى سبيل المثال، رفض رئيس الوزراء الأردني السابق سمير الرفاعي اقتراح انتهاك الخطوط الحمراء الثلاثة للملك عبد الله الثاني: "لا للتخلي عن الوصاية على القدس والأماكن المقدسة، لا لحل الدولة الواحدة، ولا لأن يكون الأردن وطناً بديلاً للفلسطينيين". ويعتقد الكثير من الأردنيين أن "مؤامرة الوطن البديل" هي مؤامرة إسرائيلية لوأد القضية الفلسطينية وتحويل الأردن إلى دولة فلسطينية وزعزعة استقرار المملكة الهاشمية.
كما عبر الأستاذ الباحث حسن البراري عن رفضه لمقترح إسميك عبر تغريدة على "تويتر"، معتبراً أن هذا الطرح يمثل توجهاً نخبوياً هامشياً في الأردن يحظى بدعم داخل المملكة وخارجها. وأشار البراري إلى أن ضم الضفة الغربية يرضي "فكرة صهيونية تشبه الخيار الأردني الذي رفضه الملك حسين".
وندد أمجد المسلماني، النائب الأردني السابق في البرلمان بدعوات إسميك لضم الضفة الغربية، ووصفها بأنها خيانة للمبادئ الأردنية والفلسطينية، حيث كتب "الأردن للأردنيين وفلسطين للفلسطينيين".
أما الكاتبة الفلسطينية المخضرمة لميس أندوني فجادلت بأن تجديد الدور السابق للأردن في فلسطين سيُحدث تغييراً ديموغرافياً جديداً، من شأنه أن يؤدي إلى تفاقم الصراع داخل المملكة.
ومن شأن استيعاب 3 ملايين فلسطيني إضافي من الضفة الغربية، من وجهة نظرها، أن يقوض الهوية الوطنية الأردنية ويعزز المنافسة بين مختلف الهويات الفرعية، لا سيما الأردنيين من أصل فلسطيني والشرق أردنيين أو ما يسمون سكان الضفة الشرقية.
وقد تُلقي العلاقة الطويلة والمعقدة للأردن بالضفة الغربية الضوء على سبب ضرب هذه النقاشات على وتر حساس. فخلال الحرب العربية الإسرائيلية عام 1948، احتل الأردن الضفة الغربية والقدس الشرقية، وضم هذه الأراضي عام 1950. وعرض الأردن الجنسية على الفلسطينيين الذين يعيشون هناك، بمن فيهم اللاجئون، وحكم الضفة الغربية حتى خسرها لمصلحة إسرائيل خلال حرب عام 1967. وعلى الرغم من أنه تم دمج الضفة الغربية رسمياً داخل المملكة، إلا أن اتفاقية الضم لعام 1950 اشترطت الحكم الأردني باعتباره ترتيباً مؤقتاً يبقى على سبيل الوصاية حتى التوصل إلى حل نهائي للقضية الفلسطينية.
وحاول الأردن بعد حرب 1967، استعادة الضفة الغربية من خلال القنوات الدبلوماسية الخاصة والمحافل الدولية مثل الأمم المتحدة. وعام 1972، دعا العاهل الأردني الملك حسين إلى اتحاد فدرالي بين الضفة الغربية والأردن تحت اسم "المملكة العربية المتحدة"، والذي كان من شأنه أن يمنح الفلسطينيين حكماً ذاتياً. لكن الخطة فشلت. وفي ذلك الوقت، كانت الذكريات الفلسطينية عن الحكم الأردني لا تزال حية، واعتبرت جامعة الدول العربية "منظمة التحرير الفلسطينية" الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني عام 1974. ورفض الإسرائيليون والفلسطينيون الخطة، ومع ذلك استمرت جهود الأردن لاستعادة الضفة الغربية حتى قطع الحسين جميع العلاقات القانونية والإدارية مع الضفة الغربية عام 1988.
هدف التنازل عن مطالبات السيادة في الضفة الغربية لمصلحة "منظمة التحرير الفلسطينية" عام 1988 إلى تمهيد الطريق أمام الفلسطينيين لإقامة دولة مستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة. كما سعى فك الارتباط الأردني مع الضفة الغربية لتأكيد أن الأردن ليس فلسطين، وأن المملكة لن تقبل أن تصبح وطناً بديلاً للفلسطينيين.
ينظر الأردنيون إلى عدم إحراز تقدم في القضية الفلسطينية على أنه تهديد لأمنهم القومي. وبدون وجود زخم جاد نحو إقامة دولة فلسطينية مستقلة، يخشى الأردنيون من قيام إسرائيل بضم الضفة الغربية ومنع حل الدولتين دائماً، وإجبار الفلسطينيين في الضفة الغربية على الفرار إلى الضفة الشرقية، وإقناع المجتمع الدولي بالاعتراف بالأردن كوطن للفلسطينيين والدولة الفلسطينية الشرعية. وهذا يفسر لماذا قام بعض الأردنيين - بمن فيهم مسؤولون بارزون - من وقت لآخر بطرح خطط حول دور متجدد في الضفة الغربية.
فعلى سبيل المثال، ألقى ولي العهد السابق الأمير الحسن بن طلال عام 2012 خطاباً في مدينة نابلس بالضفة الغربية، قال فيه إن الضفة تنتمي قانوناً إلى الأردن، لأن المملكة لم تتخل رسمياً عن مطالبات السيادة. وأشار إلى المادة الأولى من الدستور الأردني التي لم يتم تعديلها منذ وضعها عام 1952 وتنص على أن "المملكة الأردنية الهاشمية دولة عربية مستقلة ذات سيادة مُلكها لا يتجزأ ولا ينزل عن شيء منه". يمكن لهذا البند أن يبرر بقاء الأردن مسؤولاً قانوناً عن مصير الضفة الغربية.
ويُعدّ الوضع السياسي المستقبلي للضفة الغربية موضوعاً حساساً، لأن الكثير من الأردنيين يخشون أن تسعى إسرائيل لفرض حلٍّ للقضية الفلسطينية على حساب الأردن. ويُنظر إلى إقناع الأردن باستئناف تولي مسؤولية الضفة الغربية قبل حصول الفلسطينيين على الاستقلال وحق تقرير المصير على أنه أمر خطير. لهذا السبب، يعارض مسؤولو الحكومة الأردنية حتى التطرق إلى الموضوع. وقالت المتحدثة باسم الحكومة جمانة غنيمات عام 2018: "مناقشة فكرة كونفدرالية مع مناطق الضفة الغربية غير ممكنة". وفي العام التالي، أكد الملك عبد الله أن "مستقبل القدس وفلسطين خط أحمر بالنسبة للأردن"، وأن المملكة ترفض مساعي إيجاد وطن بديل للفلسطينيين.
وبالنظر إلى الحق في تقرير مصيرهم السياسي، يبدي الفلسطينيون، من جانبهم، القليل من الاهتمام بالاتحاد أو إعادة إقامة صلات مع الأردن. فقد أظهر استطلاع للرأي أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية عام 2018 أن ثلثي الفلسطينيين يرفضون كونفدرالية فلسطينية - أردنية. وعلى الرغم من شعبية الملك عبد الله بين الفلسطينيين، وجد استطلاع عام 2019 أن أقل من 10% من الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية يدعمون الاتحاد أو الكونفدرالية مع الأردن.
ويبدو أن الإسرائيليين يعارضون بالقدر نفسه إعادة الضفة الغربية إلى الأردن. فعام 2020، أظهر استطلاع للرأي أجراه المعهد الإسرائيلي للديموقراطية، شمل 771 يهودياً وعربياً في إسرائيل، أن ما يقرب من نصف الإسرائيليين يؤيدون ضم جزء من الضفة الغربية. وعلى الرغم من تردد 20% ممن شملهم الاستطلاع، إلا أن سماح إسرائيل للأردن بإعادة ضم الضفة الغربية وموافقة الإسرائيليين على العيش تحت السيادة الهاشمية يُعد فكرة غير مجدية. وببساطة، وفي حين أن الإسرائيليين قد ينقسمون حول ما إذا كان سيتم دمج الضفة الغربية رسمياً بإسرائيل نفسها، أو الإبقاء على الاحتلال، أو منح جزء من الضفة الغربية لدولة فلسطينية مستقبلية، إلا أنه لا دعم شعبياً لإعادة الأرض إلى الأردن في أي اتفاق سلام مستقبلي.
ومع ذلك، وعلى الرغم من رفض المملكة الهاشمية إعادة ضم الضفة الغربية، فإن المواقف الأردنية تجاه كيفية تحرير الضفة من الحكم الإسرائيلي ليست متجانسة. فقد أصبح بعض الأردنيين، منذ ما يقرب من 30 عاماً، مع توقيع اتفاقيات أوسلو بين إسرائيل و"منظمة التحرير الفلسطينية"، قلقين على نحو متزايد من أن الفلسطينيين لا يستطيعون - على الأقل بمفردهم - إنهاء الحكم الإسرائيلي للضفة وإقامة دولة مستقلة.
وأدت تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق بنيامين نتنياهو الأخيرة حول خطط لضم جزء من الضفة الغربية، وكذلك خطة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب "السلام من أجل الازدهار"، إلى تفاقم مخاوف الأردن من أن إسرائيل ستحتفظ بالسيطرة الدائمة على الضفة الغربية وفرض حل للقضية الفلسطينية على الأردن من شأنه أن يقوض أمنه. كما يرى الأردنيون في استعداد بعض الدول العربية والإسلامية لتطبيع العلاقات مع إسرائيل دون إحراز تقدم في القضية الفلسطينية تهديداً لاستقرار المملكة الهاشمية على المدى الطويل.
وناقش الأردنيون في ظل هذه الخلفية السياسية، دورياً، ما إذا كان على النظام الأردني - الذي يعد أحد أشد المدافعين عن حل الدولتين وينظر إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة على أنه مصلحة حيوية للأمن القومي - أن يعيد تقييم موقفه الرسمي من القضية الفلسطينية.
وبالفعل، يتحدى بعض الأردنيين البارزين السياسة الرسمية بالقول إنه يجب أن يُعهد إلى الأردن، تحت رعاية دولية وقانونية، استعادة الضفة الغربية. وهم يزعمون أن الدستور الأردني، إلى جانب قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 242، يمنح المملكة الشرعية والسلطة لاستعادة الضفة الغربية من الحكم الإسرائيلي. ويقولون إن "منظمة التحرير الفلسطينية"، التي أثبتت عدم قدرتها على تحقيق تقرير المصير للفلسطينيين، يجب أن تعترف بهذا الحق وتفوض المسؤولية إلى الأردن.
ورغم حساسية هذه النقاشات وإثارتها للجدل في كثير من الأحيان، إلا أنها تحدث داخل المملكة وعادة ما تكون باللغة العربية فقط. وقد كانت مقالة إسميك في "الفورين بوليسي" فريداً من نوعه لأن نقاش علاقة الأردن بالضفة الغربية امتد إلى أحد المنشورات الأميركية الرئيسية وباللغة الإنكليزية. ونتيجة لذلك، تطور النقاش من قضية سياسية أردنية خاصة ومحلية سابقاً إلى نقاش رئيسي يدور أمام جمهور دولي.
وحتى لو قوبلت آراء إسميك برفض الحكومة ولم تحظ بشعبية، فإنها مهمة، لأنها تتبع نمطاً من الأصوات الأردنية التي تناقش وتتحدى حكمة قرارٍ اتخذه الحسين قبل 33 عاماً بفك الارتباط بالضفة الغربية. وبعبارة أخرى، فإن الردود على إسميك والأردنيين الآخرين الذين يطالبون بدور متجدد في الضفة الغربية ليست بأهمية انتشار هذه الآراء في الأصل.
وفي حين أنه من المستبعد أن تُحدث هذه المناقشات تغييراً في السياسة الهاشمية الرسمية تجاه الضفة الغربية، إلا أنها تعيد توجيه الخطاب عن غير قصد بعيداً من السرديات الإسرائيلية والفلسطينية المهيمنة تجاه الصراع. كما تسلط الضوء على أنه في حين أن الأردن ربما يكون قد تخلى عن مزاعم السيادة على الضفة الغربية، فإن المواقف والتصورات الأردنية تجاه هذه الأرض دقيقة وسلسلة وديناميكية.
عن الفورين بوليسي
بقلم: مايكل شارنوف، الأستاذ المساعد في مركز الشرق الأدنى وجنوب آسيا للدراسات الاستراتيجية بجامعة الدفاع الوطني
Posted byTony Ghantous✍️


