
لقاء غلاسكو... وخيارات أردوغان لمواجهة تعنّت أميركي محتمل
October 28, 2021
المصدر:
النهار
مرة أخرى تتجه أنظار الأتراك وخصومهم إلى اللقاء المرتقب بين رجب طيب أردوغان ونظيره الأميركي جو بايدن نهاية الشهر الجاري، وسط تصاعد التوتر بين الجانبين خلال الأيام الأخيرة، خاصة غداة أزمة السفراء العشرة، التي ترافقت مع تحركات ميدانية تركية مزعجة لواشنطن في شمال سوريا.
وعلى الرغم من تهرّب الخارجية الأميركية من إعلان موقف واضح من إمكان عقد اللقاء من عدمه، يزيد تصريح المتحدثة باسم الخارجية الأميركية جين ساكي: "نحاول الانتهاء من تنسيق برنامج المحادثات الثنائية" من احتمالات حدوث اللقاء، الذي يبدو أنه سينعقد في مدينة غلاسكو الاسكتلندية، على هامش قمة المناخ، بدلاً من عقده في روما خلال قمة الـ20 كما أُعلن عنه سابقاً.
السّفراء العشرة واللّعب على حافّة الهاوية
تعزز الحملات السياسية والعسكرية التي قام بها أردوغان أخيراً من احتمالات نجاحه في جر نظيره الأميركي إلى اللقاء، الذي لطالما انتظر انعقاده خلال جلسات الجمعية العمومية لمجلس الأمن الشهر الماضي، وأعرب عن غضبه لاحقاً من عدم استجابة واشنطن لطلبه البسيط.
تواصل أنقرة عملية حشد قوّاتها باتجاه المناطق التي احتلّتها في الشمال السوري، بفضل عملية "غصن الزيتون" خاصة، وتسيطر عليها من خلال المجموعات المسلّحة التابعة لها مباشرةً تحت مسمّى "الجيش الوطني"، في إشارة واضحة إلى استعدادها للقيام بعملية عسكرية جديدة قد تكون مدينة "تل رفعت" في ريف حلب الشمالي وجهة انطلاقها، مستغلّة غياب الوجود الأميركي الميداني في المنطقة.
في الوقت ذاته، جددّ أردوغان تهديده بالتوجّه أكثر نحو موسكو على حساب الابتعاد عن أعدائها في "الناتو" والمنظومة السياسية والعسكرية الغربية عامةً، والتي أطلق شرارتها بشراء منظومة اس-400 الروسية والإصرار على اقتناء الدفعة الثانية منها.
تهديد أردوغان هذه المرة جاء من خلال الإعلان عن إعطائه تعليمات للخارجية التركية لطرد سفراء 10 دول غربية من البلاد، وذلك على خلفية مطالبتهم أنقرة بالتزام قرارات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بما يخص إطلاق سراح رجل الأعمال التركي عثمان كافالا القابع في السجن منذ 4 سنوات من دون صدور حكم قضائي بحقّه.
نجحت المساعي الدبلوماسية للخارجية التركية في نزع فتيل الأزمة التي كانت لتودي بأنقرة إلى الحضن الروسي في حال تفجّرها، بعد مبادرة شخصية من مولود جاووش أوغلو. مصدر دبلوماسي تركي لخص لـ"النهار العربي" تفاصيل الساعات الـ48 اللاحقة لإعلان أردوغان متحدثاً عن لقاء تم بين الرئيس التركي ووزير خارجيته الذي تبنّى حل الأزمة "سلمياً" قائلاً: "إذا طردنا السفراء فلن يكون هناك داع لوجودي" في إشارة منه إلى انتهاء مسار الدبلوماسية في تركيا.
تمثّل حل جاووش أوغلو الوسط، بعدم تنفيذ الخارجية تعليمات الرئيس التركي بطرد السفراء، بينما نشرت الخارجية الأميركية تغريدة باللغتين الإنكليزية والعربية عبر حساب سفارتها في تركيا، تؤكد فيها "مراعاتها للمادة 41 من اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية"، وتبعتها الدول التسع الأخرى بإعادة تغريد المضمون.
احتفل الإعلام التركي الموالي بـ"انتصار تركيا على الإمبريالية في معركة الهلال ضد الصليب"، وإجبار واشنطن على التراجع عن موقفها، فيما اعتبر الإعلام التركي المعارض والدولي ما حصل "تسوية موقتة" إلى حين انتهاء اللقاء المرتقب، مؤكداً عدم جواز الحديث عن تراجع أميركي بسبب عدم وجود اعتذار عن الإعلان، وهي الطريقة المتّبعة في العرف الدبلوماسي للإعراب عن التراجع في مثل هذه المواقف.
في هذا السياق، من المفيد الإشارة إلى أن تصريح السفراء الأجانب حول كافالا، والذي اعتبره أردوغان تدخّلاً في شؤون بلاده الداخلية، يتوافق مع المادة الـ90 من الدستور التركي، الذي يشير إلى وجوب امتثال تركيا لأحكام المحكمة الأوربية العليا، كما أنه ليس الأول في تاريخ تركيا المعاصر، إذ استقبل أردوغان نفسه، القنصل الأميركي في اسطنبول في نهاية تسعينات القرن الماضي حينما قام بزيارة تضامنية معه غداة صدور حكم بالسجن ضده نتيجة إلقائه قصيدة بمحتوى ديني، وكان يشغل منصب رئيس بلدية اسطنبول الكبرى، كما كشف الرئيس التركي السابق عبد الله غول عن طلب مساعدة 90 نائباً اشتراكياً في البرلمان الأوروبي في حينه لمواجهة قرار المحكمة التركية. لم يعتبر أردوغان في حينه تصريحات القنصل الأميركي والبرلمانيين الأوروبيين تدخّلاً في شؤون بلاده.
أنا ومن بعدي الطوفان
يبدو الرئيس التركي حتى الآن موفّقاً في اللعب على التناقضات بين موسكو وواشنطن، متسلّحاً بالمخاوف الغربية من خسارة تركيا التي تمثّل بوابة الناتو المفتوحة على الشرق الأوسط والمشرفة على إيران وروسيا، ضمناً مجالها البحري من جهة، وإحدى الدول الأكثر تأثيراً في المجتمعات الإسلامية والأقل كلفة بالنسبة للعمليات العسكرية من جهة أخرى.
وتأتي نتائج استطلاعات الرأي الأخيرة المؤكدة لتراجع شعبية أردوغان الداخلية، بمن فيها تلك الصادرة عن مراكز وشركات مقرّبة من السلطات التركية، لتعزز مخاوف واشنطن وحلفائها الغربيين، من تحول تركيا إلى أوتوقراطية مطلقة، وسط شكوك في استعداد أردوغان للتنازل عن السلطة حتى مع خسارته للانتخابات.
قد يمثّل استبدال الحلفاء الغربيين بموسكو خياراً جذّاباً لأنقرة في مثل هذا الظرف، مع الأخذ بعين الاعتبار ابتعاد اللغة الدبلوماسية الروسية عن الحديث في ملفات حقوق الإنسان والحريات عامة، كونها تعاني أيضاً من تبعات تسليط سيف حقوق الإنسان على رقبتها.
خيار استبدال الحلفاء ليس سهلاً بالنسبة لأنقرة، خاصة أن الاتحاد الأوروبي هو الشريك الاقتصادي الأول لتركيا، ويتصدّر قائمة الدول الأكثر استيراداً للمنتجات التركية، ما يعني أن تصعيد التوتر معه سيؤدي حكماً إلى نتائج كارثية على الاقتصاد التركي المتأزم أصلاً، ويفسّر في الوقت ذاته الخطاب الأردوغاني الحديث، واللغة الإعلامية للمؤسسات التركية والعربية الصديقة، في تفسير الضائقة الاقتصادية الحالية كنوع من المؤامرات الغربية على السيادة التركية وحرية قرارها السياسي.
يعتقد أردوغان أن الحماسية القومية والدينية المصحوبة بإجراءات من قبيل توثيق العلاقات الاقتصادية التركية مع الدول الأفريقية وآسيا الشرقية، بالإضافة إلى الإشراف على عملية توزيع الغاز الروسي والأذربيجاني لأوروبا من خلال مشاريع السيل التركي ونابوكو، قد يخففان من انعكاسات مخاصمة الغرب، دون أن ينسى ورقة اللاجئين التي تعتبر كابوساً بالنسبة لأوروبا. كشفت وثائق مسرّبة للقاء أردوغان بالمستشارة الألمانية ميركل في قمة العشرين التي عُقدت في أنطاليا عام 2015، ابتزاز الرئيس التركي للمرأة الحديدية بالقول "عليكم أن تدفعوا لنا أكثر، لا يكفي 3 مليارات يورو، وإلا سنفتح الأبواب أمام المهاجرين، ماذا يمكنكم أن تفعلوا في وجه هذا الإجراء؟ هل ستقتلونهم جميعاً؟ لا يمكنكم فعل ذلك".
كل ما سبق يدفعنا إلى الاعتقاد باحتفاظ بايدن بموقفه المتشدد ضد الرئيس التركي، لكن دون وصول هذا الموقف إلى حد رفض لقائه في غلاسكو، مع توقّعات بإجراءات أميركية أكثر صرامة ضد أنقرة، وخاصة في القطاع الاقتصادي والعلاقات مع الأطراف السياسية الداخلية، مع عدم إغفال احتفاظ واشنطن بالكثير من أوراق الضغط على أنقرة، بدءاً من تفاصيل فساد السلطة التركية التي انكشفت في قضية رجل الأعمال الإيراني التركي رضا صراف في الولايات المتحدة، وليس انتهاءً بمغبة قيامها بفرض عقوبات اقتصادية على أنقرة ونتائجها على النظام المالي والاقتصادي التركي المرهق أصلاً.
المصدر: النهار العربي
سركيس قصارجيان
Posted byTony Ghantous✍️
.jpg&w=3840&q=75)


