.jpg&w=3840&q=75)
لبنان 2019: عام الثورة والانهيار
December 19, 2019
المصدر:
أنديرا مطر - القبس
لو أردنا الاستعانة بقاموس المنجمين والفلكيين، الذين يعيشون هذه الأيام موسمهم الذهبي، على مشارف انتهاء عام واستقبال عام جديد، لأمكننا القول إن عام 2019 كان عاما فلكياً بالنسبة إلى لبنان. وما أضفى عليه هذه الصفة هو من دون منازع اندلاع ثورة 17 أكتوبر الشعبية العامة والمتواصلة، يضاف إليها ما سبقها وما أعقبها من حوادث أوصلت البلاد إلى أزمة اقتصادية مالية غير مسبوقة في تاريخ لبنان، تهدد في حال عدم معالجتها بانحدار لبنان إلى خطر الفوضى الأمنية والمعيشية الشاملة. والحال أن المرء لو أراد استرجاع أبز أحداث العام الحالي، لا بد أنه سيجهد ذاكرته التي توقفت عند هذا التاريخ، وكأن كل ما سبقها من أحداث هيأت ومهدت لهذه الانتفاضة ستبدو مهلهلة وتافهة أمام هذا الحدث. فالعام الذي استهل بولادة حكومة الرئيس سعد الحريري بعد ثمانية أشهر على تكليفه تخللها مشاورات صعبة وشاقة، اختتم على انسحاب الحريري من الحياة السياسية إثر تكليف السيد حسان دياب تشكيل حكومة العهد الثالثة.
في وقت كان يؤمل من حكومة الحريري الثالثة أن تفتح الطريق أمام لبنان للحصول على منح وقروض بمليارات الدولارات تعهد بها المجتمع الدولي دعماً لاقتصاده المتهالك في مؤتمرات دولية، أبرزها مؤتمر سيدر الباريسي 2018. أخطر ما في هذه الأزمة السياسية، التي سنرى تبعاتها في الأيام المقبلة، هو انهيار التسويات المبرمة بين مختلف قوى السلطة، والتي أثبتت هشاشتها وعدم جدواها في إيصال لبنان إلى مرحلة من التفاهم السياسي والنهوض الاقتصادي. سقطت حكومة الحريري تحت الضغط الشعبي بعد اثني عشر يوماً من انتفاضة 17 أكتوبر. وما بين الحدثين عبر اللبنانيون محطات صعبة كادت تهدد السلم الأهلي، أبرزها حادثة قبرشمون التي أودت بمرافقين لوزير شؤون المهجرين آنذاك صالح الغريب، وعطلت مجلس الوزراء نحو شهرين، وحصلت على خلفية زيارة وزير الخارجية السابق جبران باسيل إلى منطقة الشوف. شهر أكتوبر هو الأكثر ثقلا بالاحداث. افتتح بمهرجان التيار الوطني الحر بمناسبة «13 تشرين»، حيث أعلن باسيل نيته الذهاب إلى سوريا لكي يعيد النازحين اليها، مهدداً بقلب الطاولة في حال استمرت المحاولات الحثيثة لمنع العهد من العمل والانجاز.
في منتصف الشهر نفسه، اندلعت في لبنان حرائق التهمت مساحات كبيرة جدّاً من الأراضي الحرجية، وسط تقاعس وتقصير من الأجهزة الرسمية التي تقاذفت كالعادة المسؤولية عن هذا الامر في ما بينها.
قبيل اندلاع ثورة 17 أكتوبر الفائت، كان البلد يسير في اتجاه انحداري على كل المستويات. حكومة غير متجانسة، ازمة اقتصادية انفجرت من خلال فقدان العملة الصعبة من الأسواق، فساد ونهب وفضائح طالت كل المرافق والإدارات الرسمية. كانت البلاد مهيأة لانفجار الغضب الشعبي، لكنها تحتاج الى شرارة تخرج اللبنانيين من نقمتهم العارمة على الطبقة السياسية، الى ان تفتقت ذهنية السلطة على استحداث ضريبة على مكالمات «الواتس أب»، ليندفع اللبنانيون بعدها الى الشارع ولا يزالون رغم الاعتداءات المتكررة التي ووجهوا بها من قبل أحزاب السلطة وعنف بعض القوى الأمنية المولجة حمايتهم.
اقتصاديا، يشهد لبنان منذ سنوات كارثة اقتصادية، يعتبر الفساد أحد أهم أسبابها، فضلاً عن فوائد ديون ما بعد اتفاق الطائف. حالة الانكار وتطمينات المراجع السياسية والمصرفية صارت مثار سخرية وتهكم وسط توالي تخفيضات وكالات التصنيف الدولية. فلبنان بحسب وكالة «فيتش» اصبح في مرحلة CC، وهي ثاني أدنى مرتبة قبل التعثر. ولا مثيل لها لدى الوكالة أو يفوقها سوءا سوى تصنيف الأرجنتين (CC) التي تعثرت ثماني مرات في سداد ديونها. الأزمة الاقتصادية ترافقت مع ازمة نقدية مالية، اذ لجأت المصارف اللبنانية إلى اتخاذ إجراءات لحماية القطاع المصرفي من الانهيار، فرضت قيودا على عمليات السحب النقدي، وعلى التحويلات المالية الى الخارج، كما أوقفت العمل بالبطاقات المصرفية (الفيزا وغيرها) خارج الأراضي اللبنانية. كل ذلك في ظل حماية امنتها لها الطبقة السياسية خوفا من أي تداعيات امنية. صفارات الإنذار أُطلِقَت من قطاعات عدة، تربوية اجتماعية وصحية بسبب نقص السيولة وشح الدولار في بلد يعتمد على الدولار بشكل أساسي في كل عمليات الاستيراد. واخر هذه الصرخات نداء اطلقته نقابة المستشفيات التي دعت المسؤولين الى إجراءات سريعة تنقذ هذا القطاع والا فنحن ذاهبون الى انهيار القطاع الاستشفائي كليا خلال اسابيع قليلة، حيث ستكون المستشفيات عاجزة عن العمل في فترة قد لا تتعدى الشهر الاول من سنة 2020.
المحلل السياسي غسان جواد يرسم صورة سوداوية للمدى المنظور. ويشرح في اتصال مع القبس واقع الازمة الاقتصادية الحادة والعميقة موضحا أنها ليست وليدة الأشهر الأخيرة وانما عمرها من عمر جمهورية الطائف، وهي نتيجة تراكمات تفاقمت في السنوات الأخيرة بسبب عوامل شتى. التأزم الاقتصادي أدى الى أزمة اجتماعية دفعت باللبنانيين للخروج الى الشارع احتجاجا على تردي أوضاعها، وتسبب بالتالي بانهيار التسوية السياسية بين القوى السياسية المشاركة في السلطة.
«أزمة اقتصادية، وأزمة اجتماعية، وأزمة سياسية. وهذه الاخيرة في ظل قصور اهل السلطة عن إيجاد مخارج لها ستتطور إلى أزمة ميثاقية وطنية تطرح الصيغة اللبنانية برمتها على بساط البحث. ويقول: «الاحداث» التي بدأت في 17 أكتوبر نقلت البلاد إلى نقاش آخر واعدمت فرص السلطة بإعادة انتاج نفسها كما كانت قبل هذا التاريخ». ويضيف: مع اعتذار الحريري الذي كان سيواجه باستعصاء في تأليف الحكومة في حال تمت تسميته بسبب العامل الداخلي والمعطى الخارجي إضافة الى الضغط الأميركي، اخشى الوصول الى فراغ على مستوى السلطة، وهو ما سيؤدي الى مزيد من الانهيارات الاجتماعية والاقتصادية إضافة الى ارتفاع منسوب الطائفية في البلد ودخول محتجين جدد على الحراك الشعبي بوصفهم متضررين من الأزمة الاقتصادية الاجتماعية. اما العامل الأخطر الذي سينجم عن كل هذا المناخ فهو التآكل الذي سيصيب مؤسسات الدولة وقدرتها على القيام بموجباتها أكان على المستوى الأمني أم على مستوى الأمن الاجتماعي والغذائي. في المحصلة، يرى جواد أن «2019» بدأت بمناخات ايجابية فقد شهدنا إقرار موازنات للمرة الأولى منذ 13 عاما. ورئيس الجمهورية ميشال عون كان متفائلا استنادا إلى الأرقام التي كانت بحوزته والتي كانت تشي بقدرة على استنهاض البلاد من ازماتها، ولكن تبين ان الأرقام التي كانت تصله كانت مغلوطة الى حد كبير. ولا يغفل جواد أن ثمة قرارا خارجياً بإعادة لبنان الى تموضعه كجزء من حالة التفاوض في الاقليم. وعليه، بدأ عام 2019 متفائلاً وسينتهي بسيناريو سوداوي للأسف.
الكاتب والمحلل السياسي سام منسى، ولدى سؤاله عن تصوره للمرحلة المقبلة وتداعيات احداث الأشهر الأخيرة على مستقبل لبنان في المدى المنظور، عدد العوامل التي أوصلت لبنان الى واقعه الراهن، وابرزها اداء هذ السلطة التي لم تنجح لا سياسيا ولا في كبح حالة التدهور والاستنزاف الاقتصادي. فهذه السلطة، وبعد شهرين من اندلاع الاحتجاجات الشعبية بوجهها، لم تقدم أي تنازل، بل على العكس استمرت في نهجها السابق، وآخر إنجازاتها ما رأيناه بالأمس من بناء جدران عازلة بما تحمله هذه الصورة من رمزية تجاه الناس الذين نزلوا الى الشارع هاتفين ضد الطائفية والمناطقية والحزبية. ويعتبر منسى ان اعتذار الرئيس الحريري عن تشكيل الحكومة العتيدة رغم رغبته الجامحة بالعودة الى رئاسة الحكومة اثبت أن الفريق الاخر الذي يتشارك واياه منظومة السلطة لن يتنازل، لانه موقن بحجم قوته وسطوته، ولا يعنيه مطلقا كل ما يجري على الأرض. ويتوقف منسى عند عامل آخر وهو قرار هذه السلطة باخماد الانتفاضة بأي شكل، وترك بعض الاحتجاجات المناطقية التي يتكفل بانهائها أفواج من مناصري الثنائي الشيعي للايحاء بأن الشارع منقسم. اذا، نحن امام سلطة متجاهلة كليا لكل ما يجري في الشارع، وأمام وضع اقتصادي لا يبدو ان الجميع مدرك لفداحته، والذي سيتطور مع نهاية العام سلبا مع قرار اقفال المصارف لثمانية أيام بذريعة الاعياد واجراء الجردة السنوية، وما رافقها من تداول اخبار تقول إن المصارف ستوقف السحوبات النقدية بالدولار الأميركي اعتبارا من مطلع العام الجديد. ويتساءل منسى: كيف يمكن للمسؤولين أن يتعاملوا مع هذه الأوضاع بلامبالاة بل بإصرار على مواصلة نهجها السابق، وكأن المطلوب هو ترك الأمور تذهب نحو الانهيار الكامل لغاية في نفس يعقوب، من هو يعقوب ؟ هل هو محلي أم خارجي؟ لا شك أنهم كثر ومن الجهتين. فالسلطة التي بيدها الحل هي اليوم رئاسة الجمهورية ومجلس النواب، وهما من فريق واحد بما ان الحكومة مستقيلة. ولا شك في ان هذه القوى تدرك ان الازمة المالية ستطال كل شرائح المجتمع، وستكون لها تداعيات اجتماعية وأمنية بما ان البلد يستند في كل نشاطه ويقوم كل استيراده على الدولار. ويرى منسى أن القاء مسؤولية التأزم الاقتصادي على الـ30 سنة الماضية وفقا لما يشيعه التيار الوطني والثنائي الشيعي والقصد منه تحميل المسؤولية الى الحريرية السياسية ليس دقيقا. هي مسؤولية مشتركة بدأت بسياسة الحريري المالية وراكمها في السنوات الاخيرة أداء الوزير جبران باسيل والرئيس عون من دون أن ننسى وجود حزب الله الذي لعب دورا رئيسيا في تدهور الأوضاع بسبب فقدان الثقة بالبلد. فلا سياسية الحريري نجحت، لان السلام الموعود لم يأت، وبات لبنان بلد مقاومة بوجه إسرائيل من خلال حزب الله، ولا العهد القوي نجح سياسيا او تمكن بالحد الأدنى من أن يكون أقل فسادا. اما العالم الأهم، فهو برأيه جدية الأميركيين والعالم في سياسة العقوبات على ايران وحزب الله، وبما ان السلطة القائمة في لبنان حاليا تأتمر بأوامر حزب الله وتعتمد في سياستها على قراراته، فمن البديهي ان نتحمل جزءاً من هذه التداعيات.
Posted byKarim Haddad✍️
.jpg&w=3840&q=75)


