
لبنان: هواجس تَدَحرُج الفراغ المؤسّساتي تتمدّد
January 11, 2023
المصدر:
النهار العربي مجد بومجاهد
لا شيء يعلو فوق الهواجس حيال تبعات التدحرج الحاصل في الشغور المؤسساتي لبنانياً، بما لم يعد يقتصر على المراوحة المستمرّة في انتخابات رئاسة الجمهورية، بل بات يشمل "صافرات" متخوّفة من أن تكرّ سبحة الفراغ المؤسساتي باتجاه مواقع إدارية أساسية، بدءاً بغياب ملء الشغور في مراكز عسكرية أحيل أصحابها على التقاعد. ويضاف إلى ذلك التعبير عن "جرس إنذار" من شمول المقاعد الشاغرة مواقع مالية، على رأسها حاكمية مصرف لبنان بعد انتهاء ولاية الحاكم الراهن رياض سلامة بعد أشهر. وكانت الأسابيع الماضية قد شهدت محاولات على نطاق قوى عدّة سياسية، غايتها البحث عن سبل تعبئة الشواغر أو التمديد للقادة العسكريين الذين شارفت ولايتهم على الانتهاء درءاً للشغور.
ولم تؤدِّ المساعي المستمرة إلى نتائج قبل أن تنتهي ولاية القيادات العسكرية ويتعذّر بعدئذ إمكان التمديد. ولم يحبّذ بعض السياسيين اللبنانيين الوقوع في شغور وسط واقع المراوحة السياسية في البلاد التي عادت وطاولت المؤسسات الأمنية. ولم تستثنِ أيضاً المراسيم الحكومية التي شهدت نزاعات وزارية في الأسابيع الماضية بين إرسال رئاسة الحكومة مراسيم إلى وزارات لتوقيعها، منها ما ردّتها وشطبت المرسوم المرسل في مقابل إرسالها مرسوماً آخر يطلب موافقة 24 وزيراً وتوقيعهم عليه لإقراره. وتأتي معضلة الكهرباء على رأس التعقيدات التي لم تبلغ طريق الحلّ حتى اللحظة.
وأمام هذا الواقع العاصف والمنذر بمضاعفات أكثر سلبية تحيط بالتفاصيل اللبنانية، تقول مصادر رئاسة الحكومة لـ"النهار العربي" إن الحل الأوحد يتمثل في انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة جديدة للانطلاق في إعادة انتظام عمل المؤسسات والبت بالتعيينات، مع إشارتها إلى أن الرئاسة الثالثة تحاول ما استطاعت التوصل إلى حلول آنية من ناحية المسائل الاجتماعية الملحة والمراسيم الخاصة بإقرار المساعدات الاجتماعية للموظفين التي تسلك مسار الحلحلة. ولا تقرأ مصادر رئاسة الحكومة أفقاً ممكناً للحلول إذا استمر الشغور الحاصل باستثناء الاعتماد على سياسة حلّ المسائل الآنية كالحال الراهنة، بانتظار بروز تطورات في معطى استحقاق رئاسة الجمهورية.
وفي المقابل، تضيء المصادر نفسها على أن المشكلة الآنية الأساسية التي لا تزال عالقة من دون أفق واضح حول مدى إمكان حلّها قريباً تتمثل في قطاع الكهرباء، في وقت تنتظر بعض البواخر بحراً في ظل الخلافات على إصدار المراسيم، بما يمكن أن يساهم في تحسين التغذية بما يقارب 4 ساعات يومياً إذا حُلت النزاعات الداخلية في هذا المجال. ولا يلغي ذلك أن هناك إصلاحات جذرية يستوجب اتخاذها للوصول إلى حلول جذرية، بدءاً بإقرار الهيئة الناظمة للقطاع التي لا تزال أيضاً محلّ مراوحة نتيجة الاختلاف في وجهات النظر حول كيفية تشكيلها وعدد أعضائها. ويدور الكباش مع وزير الطاقة الذي يقترح رفع عدد الأعضاء إلى 6 بدلاً من 5 يشكلون الهيئة الناظمة مع علامات استفهام مطروحة في المجالس الحكومية، بما يشمل مقربين من رئيس الحكومة حول الأسباب الدافعة بوزير الطاقة إلى التشبث بمطلب زيادة عدد الأعضاء، وإذا كان ذلك يعكس غياب النية الجدية في تشكيل الهيئة الناظمة. ويضاف إلى هذه المسألة تحدي مدى القدرة على تحسين الجباية كشرط أساسي لإمكان النهوض بالقطاع الكهربائي.
وإذا كانت كلّ هذه الصورة تشير إلى غياب أي تطورات وازنة خارج إطار المراوحة المستمرة على مختلف الصعد اللبنانية، فإن هناك أجواء متناقلة في المجالس السياسية بدأت تخشى فعلياً من وصول واقع التعطيل المؤسساتي إلى المراكز المالية، وتحديداً منصب حاكمية المصرف المركزي عند انتهاء ولاية الحاكم الحالي في حزيران (يزنيو) المقبل. ورغم أنه لا تزال هناك أشهر فاصلة عن التاريخ المذكور، إلا أن التجارب اللبنانية مع الاستحقاقات تستبق الموعد، علماً أن ترجيحات سياسية تقرأ احتمال قطع الطريق أمام الشغور في هذا المركز لاعتبارات متنوعة اقتصادية وسياسية.
ويتمثل أول هذه الاعتبارات بضرورة درء أي شغور في المناصب المالية الكبرى، وخصوصاً مركز حاكمية مصرف لبنان، وسط خطورة شغور مماثل، خصوصاً في ظل الانهيار الاقتصادي والمالي الذي تعانيه البلاد. ويتناقل على نطاق أوساط حكومية أن الحلول المتناقلة في الأفق حتى اللحظة ستكون إما التوافق على شخصية جديدة تتولى مركز الحاكمية، وإما التمديد للحاكم الحالي الذي لا يعتبر خارج الاحتمالات إذا استمر الشغور في موقع الرئاسة الأولى، ما دام هناك معطيات وصلت إلى الرئاسة الثالثة مفادها عدم تحبيذ الجهات السياسية التي ساهمت في اختيار نائب الحاكم الأول بأن يتولى بنفسه المهمات المالية، خصوصاً لجهة تجنّبهم أن يكونوا في الواجهة وسط الاحتمالات المفتوحة لتصاعد أكبر في حجم الانهيار الاقتصادي خلال الأشهر القليلة المقبلة.
Posted byKarim Haddad✍️


