
لبنان الاغتراب شريك للبنان المقيم في خراب بلدهما
December 16, 2021
المصدر:
النهار
لا تزال "اللبنانات" #الطائفية والمذهبية تمدّ يدها الى الاغتراب اللبناني في العالم، طالبة منه المساعدة المالية. وهو لم يبخل عليها أبداً. لكنّه بتجاوبه معها كان يساعد كلاً منها للاستمرار في مشروعها "الوطني" وتالياً لمتابعة الحروب بينها، السياسية وغير السياسية، من أجل الانتصار فيها بإقامة دولة لا تمثّل المواطنين اللبنانيين بل طوائفهم ومذاهبم المتناحرة، الأمر الذي يُبقي نيران الحرب بينها مشتعلة. وكان بتجاوبه معها أيضاً يساعدها أو بالأحرى يساعد حكّامها والمسيطرين على قطاعاتها الاقتصادية والمالية والمصرفية، لا على تنمية نفسها بل على تنمية جيوب المسيطرين عليها وعلى استمرارهم في "حلب المغتربين" من جهة والمقيمين من جهة ثانية، وعلى تربيح الوطن وشعوبه "جميلة" ما يعيشونه من ازدهار لم يكن في الواقع سوى قصر مبنيّ على رمال معرّض للسقوط عند أول هبّة ريح.
ربما يقول البعض هنا إن القسوة على المغتربين في غير محلّها. ذلك أنهم لم يعودوا يترجمون محبتهم للبنان أو للبناناتهم بإغداق المساعدات المالية على قادتها وأحزابها، وهذا صحيح. لكن الصحيح أيضاً أن أصحاب الخبرات الحزبية منهم استمروا يتصرّفون في أوطانهم الجديدة انطلاقاً من انتماءاتهم القديمة في الوطن الأم، ويظهرون الاستعداد للمشاركة في استحقاقاته الوطنية وأهمّها الانتخابات النيابية. وفي مقدّم هؤلاء أبناء الطبقة الوسطى عامّة، ولكن "على حساب" الجهات التي تحتاج الى أصواتهم، أي انقلبت الآية. والصحيح أخيراً، أن ما اكتسبه المغتربون أو المنتشرون من خبرة وما علّمتهم إيّاه الحياة في أوطانهم الجديدة والمدارس والجامعات لم ينفعهم كثيراً في مواجهة طمع المقيمين في وطنهم الأم، إذ انغشّوا بهم وصدّقوهم وخصوصاً بعدما أيقظ هؤلاء فيهم "جينات" الربح السريع والكبير في آن واحد، فاندفعوا الى وضع أموالهم أو أجزاء مهمة منها في مصارف لبنانية بعدما أغرتهم بالفوائد المالية المرتفعة وأعمت بصيرتهم عمّا يعرفونه عن وطنهم الأم من جنوح الى الفساد والإفساد والغشّ، وعمّا تعلموه خارجه وأهمّه أن الإغراء بفوائد مرتفعة يجب أن يدفع من يرغب في توظيف أمواله في مصارف لبنان الى الشك ثمّ الى درس أوضاع الأخيرة كما أوضاع لبنان. وهكذا وقع قسم كبير من هؤلاء ضحيّة غشّ منظم وجهل غير مسموح به لأوضاع بلادهم المنهارة، فخسر بعضهم مئات الآلاف من الدولارات، وبعضهم الآخر ملايين منها، وليس في ذلك أيّ مبالغة على الإطلاق.
في أيّ حال، تكشف الانتخابات النيابية اللبنانية التي تعدّ الحكومة لإجرائها بعد أشهر، الطبيعة الاستغلالية لشعوب لبنان بل لقادتها المذهبيين والطائفيين والإقطاعيين وأيضاً للذين ينتمون إليها في ديار الاغتراب. فقانون الانتخاب الذي سنّه مجلس النواب وذيّله المسؤولون المعنيّون بتوقيعاتهم تضمّن بعض أمور جيّدة مثل "الميغاسنتر" وانتخاب المواطن في مقرّ إقامته الفعلية، ومن شأن ذلك رفع نسبة المقترعين وخفض نسبة شراء الأصوات وكلفة الانتخاب. لكن معالجته الأمر الأخير على النحو المعروف وهو تخصيص الاغتراب بستة مقاعد نيابية أظهر نيّة سيّئة من جهة وعدم رغبة فعلية من جهة أخرى في إعطائه كلمة فعلية في الانتخابات. فقانوننا الانتخابي طائفي ومذهبي، فكيف يمكن بواسطته تقسيم الدوائر الانتخابية الاغترابية الست؟ الأرجح أن الهدف كان إرضاء الاغتراب والاستمرار في "حلبه" سواء من السياسيين ورجال الدولة أو القطاعات الاقتصادية كلها، وتجنّب أن تكون له كلمة فصل أو على الأقل مهمّة في الانتخابات لأسباب طائفية ومذهبية. فضلاً عن أن "الميغاسنتر" كان يمكن أن يحلّ مشكلة الاغتراب، إذ يستطيع المغتربون أن يصوّتوا في دوائرهم اللبنانية بواسطته وإن كانوا مقيمين في أقاصي الأرض، فضلاً عن أن مغتربي الدول في العالم ‒ كبيرة كانت أو صغيرة ‒ يصوّتون إمّا بالبطاقة الممغنطة وإمّا من خلال المواقع الإلكترونية، وإمّا من خلال سفاراتهم وقنصلياتهم في الخارج، وتكون كلمتهم في نتيجة الانتخاب مهمّة. إلا أن المهم أيضاً في قانون الانتخاب هو عدم خفض سن الاقتراع الى 18 عاماً، وذلك حرصاً على استمرار الوضع الشاذ قائماً ورفضاً لتغييره.
وكي لا يبقى الكلام نظرياً لا بدّ من الإشارة الى أن المسلمين إجمالاً في لبنان لا يمانعون خفض سنّ الاقتراع، وكان ذلك مطلباً قديماً لهم. لكن المسيحيين لم يوافقوا عليه لأنه يضاعف الخلل الديموغرافي بين "الجماعتين" على انقساماتهما وذلك ليس في مصلحتهم. ولا بدّ من الإشارة أيضاً الى أن الفريقين وما يضمّان من أطراف أيّدوا منع اشتراك الاغتراب فعلياً في الانتخاب بتخصيصه بمقاعد ستة وأيضاً بعدم وضع نصوص تطبيقية لذلك. ولا بد من الإشارة ثالثاً الى أن إصرار "التيّار الوطني الحرّ" على تخصيص الاغتراب بمقاعد ستة كشف عن عدم ارتياحه الى انتخابه في الدوائر اللبنانية التي ينتمي إليها وخصوصاً بعدما لمس ازدياد عدد الراغبين من المغتربين في الاقتراع وشعر بأنهم لن يكونوا من مؤيّديه.
في اختصار، من الأفضل إرجاء تخصيص مقاعد ستة للمغتربين مرة ثانية لاعتبارات عدّة أهمها أن دولة لبنان لم تعد موجودة، وأن إجراء الانتخابات وفقاً لقانون الانتخاب الحالي على سوئه المقصود من قادة شعوب لبنان كلهم. لكن الأفضل من ذلك هو سن قانون انتخاب حديث بكل ما لهذه الكلمة من معنى. وهذا أمر مستحيل الآن إذ يجب انتظار اكتمال انهيار دولة لبنان وصيغتها وميثاقها الوطني ومؤسّساتها كلها، ثم البدء بإقامة دولة أخرى مكانها ليست جديدة فقط بل حديثة وتحديداً مدنية وربما يكون ذلك أيضاً مستحيلاً في ظلّ الدولة الجديدة إذا تسنّت لنا رؤيتها.
المصدر: "النهار"
سركيس نعوم
Posted byTony Ghantous✍️
.jpg&w=3840&q=75)


