
"كما..."
December 11, 2021
المصدر:
النهار
لفظةٌ صغيرةٌ نجدُها في كثير من صفحات الكتاب المقدَّس وفي أقوال السيّد المسيح. فإنّها ترد مرّتَيْن في الصلاة الربّيّة: المرّة الأولى في القسم الأوّل من الصلاة: "لتكن مشيئتكَ كما في السماء كذلك على الأرض"، وهذا الدعاء يعني استعدادَ المصلّي ليحقِّقَ على الأرض مشيئةَ الله كما تتحقّق في السماء. والمرّة الثانية في القسم الثاني: "واغفرْ لنا خطايانا كما نغفر نحن لمَنْ أساء إلينا". وهذا الطلب يعني التزام المؤمن بأن يغفرَ للناس زلاّتهم كما يغفر له الله. لذلك يُضيف يسوع: "فإنّه إنْ غفرتم للناس زلاّتهم غفر لكم أبوكم السماويّ أيضًا، وإنْ لم تغفروا للناس فأبوكم أيضًا لا يغفر لكم زلاّتكم" (متى 14:6-15).
وعن ضرورة التشبُّه بالله يقول أيضًا يسوع في إنجيل متى: "كونوا كاملين كما أنّ أباكم السماويَّ كامل" (متى 48:5)؛ وقد أتتْ هذه التوصية في إطار محبّة جميع الناس، حتى الأعداء منهم، على مثال الآب السماويّ: "لكي تكونوا أبناءَ أبيكم السماويّ الذي يُطلِع شمسَه على الأشرار والصالحين، ويُمطِر على الأبرار والظالمين" (متى 45:5). والتوصية عينها تأتي في إنجيل لوقا من خلال تعبير الرحمة: "كونوا رحماء كما أنّ أباكم رحيم" (لوقا 36:6). ويتوسَّعْ يسوع في موضوع الرحمة في مثل المديون الذي سامحه سيّده بعشرة آلاف وزنة، ولم يردْ أن يسامحَ رفيقَه بمئة دينار، بل "طرحه في السجن حتّى يوفيَ الدين". فدعاه سيّده وقال له: "أيّها العبدُ الشرّير، لقد تركتُ لكَ كلَّ ذلك الدين لأنَكَ تضرَّعتَ إلي"، ويخلص إلى القول: "أفما كان ينبغي لك، أنتَ أيضًا، أن ترحمَ صاحبكَ كما رحمتُكَ أنا؟" (متى 32:18).
أن نحبَّ الناس جميعًا على مثال الآب السماويّ، وأن نرحمَهم ونغفرَ لهم كما يرحمهم ويغفر لهم الآب السماويّ: صفتان تتميّز بهما الأخلاق المسيحيّة، كما وردت على لسان السيّد المسيح: محبّة بلا حدود، ورحمةٌ ومغفرةٌ بلا قيدٍ ولا شرط. فعندما سأل بطرسُ يسوع: "يا ربّ، كم مرّةً يخطأ إليّ أخي وأغفر له؟ أإلى سبع مرّات؟" أجابه يسوع: "لا أقول لكَ إلى سبع مرّاتٍ بل إلى سبعينَ مرّةً سبعَ مرّات". وإنّ يسوع، في حديثه مع تلاميذه في العشاء السرّيّ، أعطاهم وصيّتَه الخاصّة، وهي الاقتداء به في محبّته لهم: "هذه وصيّتي لكم: أحبّوا بعضُكم بعضًا كما أحببتُكم أنا" (يوحنّا 12:15).
ثمّةَ طريقتان للتعامل بين الناس: طريقةٌ إنسانيّةٌ تبادل الشرَّ بالشرّ، وطريقةٌ إلهيّةٌ تبادل الشرَّ بالخير. وهذه الطريقة الإلهيّة هي التي جاء يسوع يعلِّمنا إيّاها. وهذا ما يشدِّد عليه أيضًا بولس الرسول بقوله: لا تُكافِئوا أحدًا على شرٍّ بشرّ؛ اعتنوا بفعل الخير أمام جميع الناس... لا تنغلبْ للشرّ، بل اغْلبِ الشرَّ بالخير" (رومة 17:12-21). ويوجز يسوع تصرُّفَ الناس بعضِهم مع بعضٍ في ما دُعي "القاعدةَ الذهبيّة": فكلّ ما تريدون أن يفعلَه الناسُ لكم فافعلوه أنتم لهم: فذلك هو الشريعةُ والأنبياء" (متى 12:7). عرفت التعاليم الأخلاقيّة الصفةَ السلبيّة: "لا تفعلْ بالغير ما لا تُريدُه لنفسكَ". أمّا الصفة الإيجابيّة فنابعةٌ من الإنجيل: "افعلْ إلى الغير ما تريده لنفسكَ".
الطفل ينمو ويتعلّم كيف يسلك من خلال الاقتداء بوالدَيه وبالناس الذين حوله. هكذا تنمو فيه الحياة الطبيعيّة. لكن ثَمَّة حياةٌ أخرى يُدعى الإنسان إلى أـن ينموَ فيها، وهي الحياة الإلهيّة، لأنّ الإنسان خُلِق على صورة الله ومثاله. وقد جاء يسوع ابنُ الله ليعلِّمَنا كيف تكون هذه الحياة على مثال الله. والوصول إلى الحياة على مثال الله هي مسيرةٌ يقوم بها الإنسان على مدى حياته كلّها.
عندما ننظر إلى الطريقة التي يُعامل بها الناس بعضُهم بعضًا، كثيرًا ما نرى أنّهم لا يزالون بعيدين جدًّا عن طريقة الله في تعامله معهم. وعندما نتأمّل الطريقةَ التي يُعامل بها المسؤولون في الدولة الشعب، نسأل: أين هؤلاء المسؤولون من وصيّة السيّد المسيح: "كلّ ما تريدون أن يفعلَه الناسُ لكم فافعلوه أنتم لهم"؟ هل يقبلون بأن يجوعوا كما يجوع اليوم الشعب؟ هل يقبلون بأن يُحرَموا من الدواء كما يُحرَم اليوم المرضى؟
السماء ليست مجرَّد حلمٍ يتوق إليه الإنسان بعد الموت. فيسوع "من أجلنا ومن أجل خلاصنا نزل من السماء وتجسّد"، كما نقول في قانون الإيمان، وما ذلك إلاّ ليجعلَ من الأرض سماءً. فبميلاده على الأرض أمست الأرض سماءً، كما نرنّم في صلاة العيد في الطقس البيزنطي: "إنّني أشاهد سرًّا عجيبًا مُستغرَبًا: فإنّ المغارة قد أمست سماء". وأوصانا بأن نتابعَ عملَه على مدى التاريخ، ونجعلَ كلَّ يومٍ من الأرض سماءً.
المصدر: "النهار"
المطران كيرلس بسترس
Posted byTony Ghantous✍️

.jpg&w=3840&q=75)

