
كـ"أزمة صواريخ كوبا"... لماذا تصعّد روسيا أوكرانيّاً؟
December 11, 2021
المصدر:
النهار
ثمّة احتمال في أن تكون الحشود العسكريّة الروسيّة الكبيرة على الحدود مع أوكرانيا مجرّد عرض قوّة من قبل الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين للجلوس إلى طاولة التفاوض مع الأميركيّين لا استعداداً فعليّاً لشنّ الحرب. سبق أن جلب هذا التكتيك مكسباً غير بسيط، حين دفعت الحشود الروسيّة السابقة خلال الربيع الماضي الرئيس الأميركيّ جو بايدن إلى عقد قمّة مع بوتين في جنيف. يمكن ألّا تكون تلك الخطوة السبب المباشر للقمّة الأولى بين الرئيسين، لكنّها بالتأكيد أحد الأسباب البارزة لانعقادها.
اليوم، حقّق مجدّداً تلويحه بعمليّة عسكريّة في أوكرانيا ثماراً أوّليّة عبر النجاح بعقد قمّة ثانية. ويبدو أنّ الأخيرة يمكن أن تنتج مكاسب أكبر من تلك التي أنتجتها الأولى. بعد قمّة جنيف، أنجز الطرفان بعض التقدّم في قضيّة الأمن السيبيرانيّ حيث وافقا على مجموعة مشتركة من "قواعد خريطة الطريق". حتى أنّ كبير المستشارين السيبيرانيين في الكرملين أندري كروتسكيخ أشاد بالخطوة واصفاً إياها بأنها "لحظة تاريخية". وتعاون الطرفان أيضاً في مسائل الحدّ من انتشار الأسلحة النوويّة وفي الملفّ الإيرانيّ. بالرغم من أهمّيّة تلك المكاسب بالنسبة إلى الطرفين، لم تحقّق روسيا ما يصبّ مباشرة في مصلحتها الجيوسياسيّة المباشرة: تأمين حدودها الغربيّة أمام التوسّع الأطلسيّ.
أوكرانيا كوبا جديدة؟
بدا بايدن الثلثاء في موقع إدارة دفّة التحذيرات. أيّ هجوم عسكريّ روسيّ على أوكرانيا سيقابَل بـ"تداعيات اقتصاديّة خطيرة" وبزيادة الدعم العسكريّ لأوكرانيا، بحسب بايدن. لكنّه عاد واقترح الأربعاء فكرة الحوار الأميركيّ-الروسيّ-الأطلسيّ بشأن وقف توسّع الناتو نحو شرق أوروبا. رأى بعض الإعلام الغربيّ في هذه الخطوة "تنازلاً" أميركيّاً. بالمقابل، يؤمن بوتين بأنّ انضمام أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسيّ يشكّل "تهديداً وجوديّاً" لروسيا. علماً أنّ أوّل خطاب في السياسة الخارجيّة للرئيس الأميركيّ تضمّن نفياً لحصول موسكو على "حق نقض" قرار الناتو بالتوسّع شرقاً.
على الرغم من "التنازل" أو الاستعداد لتقديم هذا "التنازل"، واصلت روسيا تصعيدها يوم الخميس. نقلت وكالة "تاس" الروسيّة عن بوتين قوله إنّ الوضع في منطقة دونباس "يشبه الإبادة". كذلك، قالت الناطقة باسم وزارة الخارجيّة الروسيّة ماريا زاخاروفا إنّ "المفاوضات حول تسوية سلميّة وصلت عمليّاً إلى طريق مسدود". ووافق نائب وزير الخارجيّة الروسيّ سيرغي ريابكوف على سؤال مراسل اقترح فيه أنّ التوتّر بين الغرب والشرق حول أوكرانيا يمكن أن يتحوّل إلى إعادة لأزمة الصواريخ الكوبيّة سنة 1962. وقال ريابكوف: "أنت تعلم، يمكنه فعلاً أن يتحوّل إلى ذلك". وأضاف: "إذا استمرّت الأمور على هذا المنوال، فمن المحتمل بشكل كامل وفقاً لمنطق الأحداث أن تستيقظ فجأة وترى نفسك وسط شيء مشابه".
على الرغم من العرض الذي قدّمه بايدن، لا يزال خطاب موسكو تصعيديّاً. لم يعد الأمر مجرّد تلويح باجتياح روسيّ لأوكرانيا بل بالتذكير بأخطر لحظة عاشها العالم في ذروة الحرب الباردة. ربّما يعتقد الكرملين بأنّ النافذة مفتوحة لتحويل عرض بايدن إلى ما هو رسميّ. فالموقف في واشنطن لا يزال متأرجحاً.
بايدن يطمئن زيلينسكي
قال كبير موظّفي الرئيس الأوكرانيّ أندريه يرماك إنّ "الرئيس بايدن قال بوضوح شديد (خلال اتصاله الخميس بنظيره الأوكرانيّ فولوديمير زيلينسكي) إنّ أيّ قرار بشأن انضمام أوكرانيا إلى الناتو هو قرار الشعب الأوكرانيّ وحده، هذه دولة أوكرانيّة سيّدة ومستقلّة". ويبدو أنّ التقارير بشأن ما قاله بايدن لزيلينسكي خلال الاتصال الهاتفيّ الذي دام قرابة تسعين دقيقة متقاربة في أوكرانيا والولايات المتحدة.
فقد نقلت شبكة "أن بي سي" عن مسؤول بارز إشارته إلى أنّ بايدن أخبر زيلينسكي توضيحه لبوتين أنّ دولة واحدة لا تستطيع إجبار دولة أخرى على تغيير حدودها أو سياستها أو الطرف الذي تحبّ التعامل معه.
واضحٌ أنّ الإشارات الصادرة عن البيت الأبيض متضاربة. من الثلثاء وحتى الخميس، برز أكثر من منعطف في كلام بايدن. حتى أنّ الناطقة باسم البيت الأبيض جين ساكي اضطرّت الخميس لنفي تقارير عن فرض ضغوط أميركيّة على أوكرانيا كي تتنازل عن أراض لصالح روسيا من أجل منع الهجوم. وقالت إنّ هذه الأخبار "خاطئة تماماً". بصرف النظر عن الموقف الأميركيّ الحاليّ، يبدو أنّ هنالك وجهة نظر في الغرب، من بين وجهات نظر أخرى، تقول إنّ استرضاء بوتين عبر حضّ أوكرانيا على تلبية مطالبه في ما خصّ اتّفاقيّة مينسك، يمكن أن يمنع وقوع الاعتداء. وهذا ما ذكره السفير البريطانيّ الأسبق إلى بيلاروسيا نايجل غولد-ديفيس في مجلّة "فورين بوليسي".
الاطمئنان ليس تامّاً
بعد اتصاله بزيلينسكي، أجرى بايدن مكالمة مع قادة "بوخارست التسع" وهو نادي الدول الأطلسيّة الواقعة في الجناح الشرقيّ للتحالف العسكريّ، لإطلاعهم على مضمون قمّته مع بوتين وأيضاً "لسماع مقاربتهم بشأن الوضع الأمنيّ الحاليّ" ولـ"التشديد على التزام الولايات المتحدة بالأمن العابر للأطلسيّ"، وفقاً لبيان صادر عن البيت الأبيض.
وسط هذه الضبابيّة، يمكن فهم اللغة التصعيديّة الروسيّة في سياق دفع بايدن إلى فكّ التحالف الأميركيّ-الأوكرانيّ والتفاوض مع موسكو لرسم سياسة أمنيّة جديدة في شرق أوروبا. سألت "الإذاعة الوطنية العامة" المحلّلة الأوكرانية أولينا سنيغير عمّا إذا كانت تصريحات بايدن الأربعاء عن الحوار بشأن توسّع الناتو شرقاً قد زعزعت ثقة كييف بواشنطن فأجابت بأنّ الأوكرانيّين لا يستطيعون استبعاد قيام بايدن بتسوية مقبولة في روسيا أكثر منها في كييف.
يبدو أنّ بايدن لم يحسم أمره بشأن سياسته في أوكرانيا. تصريحاته لا تشير إلى ذلك ولو كانت أفعاله لا تزال أقرب إلى دعم أوكرانيا، كما هي الحال مع الصفقة الأخيرة لبيعها قاذفات وصواريخ "جافلين" المضادّة للدبابات. لهذا السبب، تشكّل التهديدات السلاح الأمضى بيد بوتين حالياً لإقناع نظيره الأميركيّ بحسم رأيه لجهة القبول بالمطالب الروسيّة. ورهان بوتين مفهوم في هذا الإطار: إذا كان انسحاب بايدن من أفغانستان قد تمّ وفقاً للكثير من شروط "طالبان"، فلماذا لا يسحب بايدن دعمه لأوكرانيا وفقاً لشروط القوّة العسكريّة الثانية حول العالم؟
المصدر: النهار العربي
جورج عيسى
Posted byTony Ghantous✍️
.jpg&w=3840&q=75)


