
قبل أن تنظر شرقاً... على الولايات المتحدة أن تنظر إلى نفسها في المرآة!
April 18, 2022
المصدر:
النهار
يقف العالم اليوم على حافة ما حذّر رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون من أنه سيكون "أكبر حرب في أوروبا منذ عام 1945".. في هذه اللحظة الحرجة ما هو حال الولايات المتحدة الأميركية، في الداخل وفي علاقاتها الدولية؟
"فرّق تسد"، قاعدةٌ تُنسب إلى فيليب الثاني المقدوني، والد الإسكندر الأكبر، ما يجعلها واحدة من أقدم الحيل التي تستخدم لتدمير الأعداء. لا تُكلِّف الولاياتُ المتحدة اليوم أعداءها حتى عناء استخدام تلك المقولة، وليس عليهم إلا أن يقفوا ويتفرجوا على "أقوى دول العالم" وهي تنقسم على نفسها يوماً بعد يوم، وتتحول إلى ما يشبه الظل الباهت لما كانت عليه في عهد خلا.
عوامل كثيرة لعبت- وتلعب- دوراً كبيراً في إضعاف الولايات المتحدة وتمزيقها من الداخل، جائحة كوفيد-19، ومعها السياسات الاستقطابية في ظل الأعراف الديموقراطية المتداعية، ثم الحروب العرقية العنيفة، والحروب الثقافية، والنزعة الإقليمية، ثم الفجوة الآخذة بالاتساع بين الأغنياء والفقراء، وغيرها. وفي ظل كل هذا الانقسام، يكاد أكثر ما يجمع بين الأميركيين اليوم هو فقدانهم الجماعي للثقة في مؤسساتهم وحكومتهم وإعلامهم ونظامهم السياسي. وهذا التأويل يتفق عليه حلفاء أميركا المذعورون وأعداؤها المبتهجون في آن معاً.
تجتاح الولايات المتحدة اليوم فوضى عارمة، ويتزايد القلق بشأن التضخم الهائل الذي تعانيه، والمتزامن مع تجاوز ديونها الوطنية عتبة الـ 30 تريليون دولار، 8 تريليونات منها مستحقة لدول أجنبية. تترافق المشكلات الاقتصادية بأخرى اجتماعية، حيث تتداعى بنى المجتمع الأميركي أمام ازدياد قوة دعاة تفوّق العرق الأبيض والجماعات المناهضة للحكومة والجماعات اليمينية العنيفة الأخرى. يدرك الأميركيون هذه الحقائق حتى لو جاء في إعلامهم غير ذلك، بل لقد بيَّنت استطلاعات رأي جرت مؤخراً تراجع ثقة الأميركيين بوسائل الإعلام الرئيسة إلى ثاني أدنى مستوى لها على الإطلاق، حيث أظهرت أن 29% من الأميركيين "لا يثقون بها كثيراً" و34% منهم "لا يثقون بها على الإطلاق".
لقد غزت أميركا العراق عام 2003 لتدمير أسلحة محرمة لا وجود لها، واستمرت حربها هناك لثماني سنوات لاحقة، ثم غادرت بدون تحقيق واضح لأي من أهدافها، مسلمة بذلك العراق إلى إيران. ثم عادت من جديد لتشن حرباً أخرى أسفرت عن مقتل نحو 100 ألف مدني، وتركت إيران لتظهر وكأنها المنتصر الوحيد هناك. وفي مثال ثانٍ مشابه، ساعدت أميركا على الإطاحة بالرئيس الليبي معمر القذافي عام 2011، وتركت ليبيا تتحول إلى دولة فاشلة، وتخوض دوامة حرب أهلية لا نهاية لها. أما المثال الثالث فكان في عام 2021 المنصرم، حيث انتهت أطول حرب قادتها الولايات المتحدة بانسحاب قوات الأخيرة وعودة حركة طالبان إلى السلطة في أفغانستان بعد عشرين عاماً من سقوط نظامها على أيدي أميركا وحلفائها. أما في سوريا، فإن معظم القرارات التي اتُّخذت في عهد إدارة أوباما لم تمنع البلاد من الانزلاق إلى حربٍ لم تنته.
والقائمة وإن طالت، تنتهي اليوم بعجز أمريكا عن إيجاد حلٍّ للملف النووي الإيراني. أعتقد، كما كثيرون في الشرق الأوسط بما في ذلك إسرائيل، أن إيران قد اكتسبت بالفعل قدرات تمكنها من امتلاك السلاح النووي. لذلك، لن تساوي أي اتفاقية موقعة مع طهران ثمن الورق الذي ستُطبع عليه.
في السابق، استطاع الأسد الآسيوي -وهو الحيوان الوطني الرمزي لإيران- أن يجوب بفخر ودون قيود جميع أنحاء الشرق الأوسط قبل أن يواجه خطر الانقراض. اليوم، تقوم إيران بتطوير الأسلحة النووية تمامًا كما تربي زوجًا من الأسود المرسلة إليها من حدائق الحيوان في بريطانيا وأيرلندا - وللسبب نفسه: لتصبح "ملك" المنطقة.
لقد أجرى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين زيارتين ناجحتين إلى كلٍّ من المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، حيث جرى توقيع العديد من الاتفاقيات الثنائية. وانضمت سوريا إلى جيرانها كعضو في مبادرة الحزام والطريق الصينية لطرق واتفاقيات التجارة التي تضم 148 دولة من كافة قارات العالم. لكلّ هذه التغييرات التي يقوم بها هؤلاء القادة ما يبررها، بل إنها متوقعة وحتمية، لا سيما وأن العديد من القوى -بما في ذلك التنين الصيني والدب الروسي- لديها الكثير لتقدمه، وليست مترددة في إظهار استعدادها للانخراط الكامل في قضايا المنطقة، والعمل معاً للحد من تأثيراتها السلبية، بل وربما إيجاد حلول نهائية لها.
اليوم، ومع الهجوم واسع النطاق الذي تشنه روسيا والذي سيتجاوز شرق أوكرانيا ويستهدف كييف، أصبحت الحاجة إلى أميركا القوية أكبر من أي وقت مضى. لكن، وفي الوقت ذاته، على القيادات في واشنطن خفض مستوى توقعاتهم حول ما يمكنهم القيام به في الخارج، والتركيز كثيراً على البيت الداخلي الأميركي والديموقراطية فيها والبنى التحتية الاجتماعية، لأن كل الأخطاء السابقة المتكررة، وإذا لم يتم تعلمها وتصحيحها، ستصير هدايا مقدمة على طبق من فضة للصين وروسيا وإيران.
أميركا! فلتولِ وجهك شطر الشرق، إن التنين الصيني والدب الروسي والأسد الإيراني يحاولون الهرب من أقفاصهم ونهش لحمك. أو قد تفعلين ذلك بنفسك، إذا لم يُعد تركيز حزبيكِ الجمهوري والديموقراطي منصباً على ما فيه مصلحة بلدهما والعالم، بل يكاد ينصب أغلبه على مصالحهما الحزبية الضيقة والمحدودة.
المصدر: النهار العربي
حسن إسميك
Posted byTony Ghantous✍️
.jpg&w=3840&q=75)

