تخطي إلى المحتوى

Thursday, 29 October 2026

مونتريال --°

بيروت --°

عاجل

فكفكة منظومة الفساد أولاً: كيف يُحصّن العهد والحكومة الملف النفطي؟ آليات محلية فرضت "قواعدها" المزمنة على الدول والمنظمات المانحة

January 22, 2017

المصدر:

 

منذ إقرار مجلس الوزراء في جلسته الاولى بعد تشكيل حكومة "استعادة الثقة" المرسومين التنفيذيين لملف التنقيب عن النفط والغاز فتح واقعيا ملف مرادف لواقع الفساد الرسمي والسياسي في لبنان انطلاقا من اعتبارات موضوعية ثابتة ثبات هذا الواقع المزمن. لا يتصل الامر فقط بشبهة المحاصصة وتوزيع المغانم في ملف يعود الى ثروة طبيعية هي ملك مجموع الشعب اللبناني فقط بل يتجاوزه الى الخشية الواقعية على تبديد مردودات هائلة من شأنها ان تنقل لبنان من مرتبة الدول الاكثر مديونية في العالم الى الدول الناهضة باقتصاداتها المتعثرة والنافضة عنها خطر الرزوح الابدي في مراتب الدول الفاشلة. من هذه الزاوية تحديدا تبدو الحكومة الحالية كما العهد الحالي امام التحدي الاكبر في اعادة تحصين المراحل التنفيذية لملف النفط لكي يكون منطلقا مبهرا لإطلاق عملية تصحيح التشوهات الخطيرة التي تتصل بصورة دولة وطبقة سياسية توصم بالفساد المنظم المزمن وتحتاج الى ثورة حقيقية تشريعية وتنفيذية ومفاهيمية لأن الاستخفاف بهذا الواقع سيجلب على لبنان مزيدا من الكوارث. والحال ان ملف النفط أشعل في طلائعه مسألة الشفافية التي تعتبر أم العقد والشبهات التي تواكب كل صغيرة وكبيرة في عمليات التلزيم التي تتولاها الدولة ووزاراتها وإداراتها وهيئاتها المختصة في بلد يبدأ فيه تنفيذ أي مشروع في توقيت معروف ومن ثم تختفي المهل ومعها المحاسبة والقدرة على الضبط في مختلف تنفيذ مراحل المشروع واستكماله بما يضخم القدرات المفتوحة للهدر وسائر انواع النهب المنظم. واذا كانت الاستثناءات لهذا الواقع قليلة ونادرة فان ذلك لا يحجب حقيقة مخيفة هي ان واقع الفساد يرتبط بواقع هيكليات انشئت في لبنان بفعل تقاسم سياسي وحزبي وطائفي تمكن النافذون من خلاله من فرض قواعد هذا الفساد المنظم والمقونن والمشرع على الدول المانحة والهيئات والمنظمات الدولية التي تقف عاجزة عن تبديل قواعد اللعبة الى حدود بات معها تسليمها القسري بهذه القواعد يعد من عوامل استدامة الفساد.
ولان أصوات بعض الخبراء في ملف النفط تنبهت للخطورة القصوى التي تترتب على اطلاق عملية المناقصات قبل تحصينها واعتماد المعايير العالمية الجادة في الشفافية بفعل ثغرات ثابتة تشوب طلائع تمهيدية لهذا الملف الحيوي الخطير قد يكون من الضروري والملح تسليط الأضواء الكاشفة على احدى النواحي الماثلة في واقع ماكينة التعهدات والالتزامات عموما في لبنان التي تعود الى ما يفوق العقدين بفعل تراكم جعل الامر الواقع بمثابة جبل لا يتزحزح من القواعد الناشزة التي تترك الباب مشرعا امام انعدام الشفافية والمساءلة وضبط الإنفاق والهدر ومكافحة الفساد.
تتصل الظاهرة في المقام الاول بمسألة الهبات والمساعدات والمنح الدولية للبنان من دول او منظمات أو صناديق دولية واقليمية في مشاريع تعود الى مختلف القطاعات فتضحي كلفتها المقدرة محليا وعلى ايدي الهيئات والمجالس المحلية أضعافا مضاعفة عن الكلفة الواقعية. اتبعت آليات وطورت منذ أكثر من عشرين عاما أرغمت معها الهيئات الدولية على السكوت عما يجري وتمدد هذا الواقع الى مسألة النازحين واللاجئين السوريين. وضعت دراسة على ايدي استشاريين في العام الفائت بالتنسيق مع جهة رسمية رفيعة والمفوضية العليا للاجئين في الامم المتحدة وبرنامج الامم المتحدة للتنمية البشرية المستدامة حذرت في خلاصاتها من افراغ لبنان من اليد العاملة اللبنانية واستبدالها باليد السورية بفعل النزيف اللبناني الكبير في الهجرة ما لم تحصل عملية اعادة هيكلة الدولة اذ عددت ثلاثة عوامل للاخطار الماثلة حاليا هي مسألة اللاجئين والفساد وانعدام اللامركزية وجعلت إحلال اللامركزية ركنا اساسيا في عملية التصحيح والتغيير والاصلاح ومكافحة الفساد باعتبار ان اللامركزية لا تبقي القرار محصورا بهيئات مثل مجلس الإنماء والإعمار يختصر القرار فيه عدد محدود من الاشخاص يرتبطون بالولاء لجهات سياسية وحزبية من سائر مكونات الطبقة السياسية. وضعت قبل ذلك مجموعة كبيرة من التقارير المماثلة كانت تحذر من بلوغ الامور ما بلغته لاحقا ولم تفض الى اي نتائج. علما، وهنا المفارقة الكبيرة، ان الخلافات والانقسامات السياسية الحادة التي تناوبت على البلاد لم تقف مرة حائلا دون استمرار هذا الواقع الذي يسود فيه منطق الصفقة وتقاسم كعكة المنافع كل اعتبار سياسي آخر.

نماذج متراكمة
بعض نماذج هذا الواقع يبدأ بالتسعينيات من القرن الماضي ويتمدد الى أيامنا الحالية. ثمة في العودة الى ارشيف معلوماتي مثقل نماذج تضيء على مشاريع البنى التحتية وطرق ادارتها محليا. مثلا دراسة وضعت عام 1998 عن بنى تحتية في مناطق جبل لبنان تتصل بقبول هبات لإنشاء مدارس. تقبل الهبات الممنوحة من جهات خارجية ويبدأ تنفيذها على يد الجهة المانحة، ولكن سرعان ما تبرز فوارق واسعة بين الكلفة المقدرة من الجهة المانحة والهيئات او الهيئة المحلية المعنية. نموذج آخر يتصل بتنفيذ هبة عائدة لإنشاء بحيرات جبلية سعة 50000 متر مكعب تتراوح الفروقات في الكلفة للبحيرة الواحدة بين 4 ملايين دولار كما يجري تقديرها محليا و250 الف دولار كما تقدرها الجهة المانحة. نموذج ثالث اكثر فداحة: يرصد احد الصناديق العربية 250 مليون دولار في الحقبة التي اعقبت انسحاب اسرائيل من الجنوب للمساهمة في عودة الأهالي الى مناطقهم وتحديث شبكة الري. لم يصرف من هذه الهبة سوى النذر اليسير أي (13 الف دولار) لمدة طويلة بذريعة عدم القدرة على الشروط الصارمة التي وضعها الصندوق الى ان بدأ التنفيذ بعدما لزم المشروع الى شركة ترتبط بإحدى الجهات النافذة. تعتمد آلية لتجاوز الشروط المسبقة التي تضعها الجهة المانحة أو الواهبة لتأخير التنفيذ باعتبار ان المؤسسات المانحة تكون ملزمة باستعجال التنفيذ تحت وطأة وقف صرف المساعدات بما يرغمها على قبول التلزيم بالتراضي او مناقصة صورية كخيار وحيد، وهو الامر الذي يشكل حالة تواطئية ضمنية بين الادارة المحلية والموظفين المعينين من الجهات الخارجية المانحة. تضع الجهات المحلية مواصفات للاسعار في تلزيم المشروع للجهات المحظية من خلال المناقصات وبعد الشروع في التنفيذ يبدأ تغيير الأسعار وتستسلم الجهات المانحة حتى لو اكتشفت ان ثمة شبهة تلاعب. نموذج آخر في الزمن القريب يتصل بمشروع لإحدى المؤسسات المالية الدولية بالتعاون مع دولة أوروبية في مدينة طرابلس وتحديدا على ضفتي نهر ابو علي. كان يفترض ان يبدأ تنفيذ هذا المشروع عام 2006 تاريخ تلزيمه ولا يزال حتى الان في طور مراحله الاخيرة ويشمل نحو 280 شخصا من اصحاب البسطات والتخشيبات الذين يلحظ المشروع نقلهم وتحسين اوضاعهم الى جزء مسقوف آخر. حصل التباس حول لوائح الاسماء التي تم تجديدها عام 2012 واجرى فريق تابع للجهة المانحة مسحا ميدانيا على مكان المشروع ولكن مداخلات محلية حصلت أرغمت هذه الجهة على القبول باللوائح التي ثبتت لها عدم دقتها.
بذلك تغدو احدى الخلاصات الثابتة في مكافحة الفساد والهدر اولا بجعل اللامركزية هدفا اول لنقل القرار المالي من الادارة المركزية وهيئاتها القائمة الى المناطق من خلال زيادة الصلاحيات وتوسيعها للمجالس المحلية البلدية ولكن باعتماد ألية مراقبة صارمة من المجتمعات المحلية وثمة كم هائل من الدراسات المتوافرة من هيئات دولية ومنظمات مالية دولية لدى السلطات اللبنانية في هذا الخصوص. اما الشفافية فهي الممر الإلزامي الذي لن يكون للدولة اللبنانية مفر منه ان اريد فعلا لثورة حقيقية ان تطلق امام استحقاق التنقية والتغيير، وعبثا كل كلام آخر.

nabil.boumounsef@annahar.com.lb

Posted by✍️

للمشاركة :
Voyages Galleon
Point7 Multimedia