
عندما يتصدّر اللّصوص
December 8, 2021
المصدر:
النهار
يستخدم اللبنانيون تعبير "الشغل ليس عيباً" للإشارة الى أن ممارسة أعمال بسيطة أو "وضيعة" ليس عيباً، ما دام الإنسان يكسب رزقه بعرق جبينه، فلا يسرق ولا يستعطي ولا يستدين من غيره. وشائعة النكتة التي تفيد بأن شخصاً سأل معلم مدرسة ماذا
تعمل؟ فأجابه بأنه معلم، فقال له "اشتغل فالشغل
ليس عيباً" للدلالة الى أن مهنة التعليم في لبنان مهنة غير معتبرة لأنها قليلة المردود المادي.
التعبير أعلاه واحد من التعابير والأمثلة التي يتداولها اللبنانيون أباً عن جد، ويستخدمونها لإسقاط الأفكار القديمة والوقائع الماضية على الواقع الحالي، حتى لو كانت تعبّر عن هروب ولا مسؤولية ونقص في الشجاعة والإدراك، كقولهم "من بعد حماري ما ينبت حشيش" و"امشي الحيط الحيط وقول يا رب السترة" و"مية مرة جبان ولا مرة الله يرحمه"...
في موضوع الشغل العيب والشغل الكريم، يخلط اللبنانيون كثيراً حتى ضاع الأصل من الفرع والكريم من اللئيم، فأصبح أي نشاط يمارسه المواطن لكسب الرزق كريماً وشريفاً ومباركاً من المجتمع. المهم الحصول على المال و"فتح بيت" وشراء سيارة وثياب، الى آخر مستلزمات الحياة العصرية التي توصف بالكريمة في أدبيات الاجتماع اللبناني، حتى لو لم تكن كريمة في معايير الأخلاق والقيم الاجتماعية الصحيحة.
انقلبت المقاييس والموازين، فتاجر المخدرات يتصدر المجالس والاحتفالات، ويدخل على السياسيين ورجال الدين وأهل الحل والربط، وينطق باسم العائلة والعشيرة، وتكرّمه الطائفة وكلمته مسموعة. وفارض الخوات زعيم يجني رزقه بفوهة مسدسه وعضلات أزلامه من الزعران والشبيحة، ورويداً رويداً يفرض هيبته في مجتمعه الضيق، ثم يتمدد الى المجتمع الأوسع فيترشح الى النيابة ربما، وإذا تواضع يقبل برئيس بلدية. وعلى منوالهما يعزف مهرّب البنزين والمازوت والمواد الغذائية في كل الاتجاهات. ويلاقي هؤلاء الحرامي الذي ينشل المارة ويدخل البيوت والمؤسسات خلسة أو يحطم الأبواب والنوافذ، وإذا ما انكشف أمره وسُجن، يخرج من السجن ليتمتع بالمال الذي أخفاه أو سفّره، وربما يصبح وجهاً من وجوه المجتمع وتسقط عنه وسمة العيب، إذ تحتضنه بيئته الاجتماعية وتحميه، وقد يصبح مفتاحاً انتخابياً مهماً.
هذه "المهن" وغيرها الكثير من المهن غير الشريفة والمدمّرة دخلت الحياة اللبنانية، باعتبارها مؤشرات الى الذكاء والشطارة، كحال الموظف المرتشي والقاضي الفاسد والمعلم "الأمي" والعسكري المتخاذل والسياسي الكسول أو المتواطئ... وهي بمجملها تختصر لب المشكلة القيمية التي تعصف بالمجتمع اللبناني وبمصيره.
لبنان يعاني أزمة قيم ومفاهيم هذه بعض مظاهرها، وهناك غيرها في سياق الحديث عن المهن التي يمارسها اللبنانيون.
ولأن كل شيء أصبح بالمقلوب، وساد منطق التبرير المجاني للظواهر السلبية، وعملاً بمقولة أن الشغل ليس عيباً أياً كان، برزت مجموعة من الأعمال الهامشية يمارسها شباب وأرباب عائلات سُدّت في وجوههم أبواب الرزق الكريم والحلال، منها بيع الدخان والعلكة وما شابه على الارصفة ووسط الطرق، وصباغ الأحذية، وجمع الزجاج والبلاستيك من مجمعات النفايات، وغيرها من الظواهر التي تملأ الشوارع والأحياء... حتى ليكاد التسول يصبح مهنة شريفة...
هذه المهن ليست مهناً كريمة على الإطلاق، إنها مهن الحاجة الخانقة التي تدفع صاحبها الى توسل آخر السبل المتاحة لتحصيل قوته. إنه مشهد مهين لكرامة الإنسان أن ترى رجلاً أو شاباً أو فتى يتوسل إليك أن تسمح له بصبغ حذائك مقابل بضعة من مال. فكيف إذا مددت قدمك وأنت واقف أمامه وهو مطأطئ الرأس، يمسح حذاءك ويداعبه بخرقته وبعض الصباغ، ثم ينتظر ما تجود به عليه، متجنباً أن يحدد أجرته. هو مشهد يجب أن يكون في الدرجة الأولى مهيناً للمجتمع بأسره وللدولة خاصة. هو مظهر من مظاهر انحلال المجتمع وتلاشي الدولة التي تترك رعاياها في الفاقة والعجز عن تأمين عمل كريم ودائم ولو كان متعباً. صباغ الحذاء في الشارع، وما شابهه من أعمال هي نقيض النماء تماماً. هي التعبير الأكثر فجاجة عن تخلف البلد وعن العجز السياسي والإداري والتنموي. الخطير في هذه الظاهرة أنها تتكرّس كظاهرة مقبولة اجتماعياً، وربما مرحباً بها. من يقوم بهذه الأعمال هو بالتأكيد إنسان شريف وكريم باحث عن رزقه، بعدما فشل في تأمين مصدر آخر، لأن لا فرص عمل تستوعب كل الأيدي العاملة أياً كانت قدراتها وكفاءاتها، ولا دولة تنظر الى مواطنيها نظرة احترام. المسؤولية هنا ليست مسؤوليته. إنها مسؤولية المنظومة الاجتماعية السياسية الفكرية والإعلامية مجتمعة.
لا كرامة لوطن يرفع من شأن اللص ويحط من شأن الإنسان لأنه فقير.
المصدر: النهار العربي
راغب جابر
Posted byTony Ghantous✍️

.jpg&w=3840&q=75)

