
شخصية 2022... زيلينسكي الكوميديان الذي فاجأ شعبه والعالم
December 27, 2022
المصدر:
النهار العربي غوى خيرالله
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يسلّم جائزة الدولة لجندي خلال حفل تسليم الميدالية للجنود الأوكرانيين الذين كانوا يحجمون عن التراجع منذ أشهر، يوم 20 كانون الأول، (أ ف ب).
تمرّ شخصيات بارزة عبر الزمن تطبع التاريخ، وتؤكد أنّ لبعض الاحداث رجالاتها او نساءها. ولا شكّ أنّ عام 2022 حمل معه الكثير من الأحداث المهمة في العالم، ولكنّ الحرب الأوكرانية الروسية كانت الابرز. وصعد نجم فولوديمير زيلينسكي الذي اختارته مجلات عدة "شخصية العام"، لادارته الحرب وشجاعته في التصدي لروسيا، الدولة التي يتفوّق جيشها عدداً وعتاداً على الجيش الاوكراني.
واختارت "التايمز" والفاينانشيال تايمز" زيلينسكي ليكون "شخصية العام"، بعد 9 أشهر من النضال والمقاومة والعمل، حيث أصبح أيضاً يجسد شجاعة ومرونة الشعب الأوكراني في قتاله ضد العدوان الروسي. وربما لا يزال أمام الرئيس وقت طويل قبل أن يعود لحياته الطبيعية، على الرغم من السلسلة المفاجئة للنجاحات في ساحة المعركة للقوات الأوكرانية منذ الخريف.
والجملة التي رد بها على عرض أميركي لإجلائه من كييف "أريد أسلحة، لا رحلة"، ستدخله حكماً التاريخ رئيساً رفض ترك شعبه يُقصف وحيداً وآثر البقاء في مدينته المحاصرة رغم التقارير عن نشر روسيا كتيبة من مرتزقة دورها "قطع رأسه" بأي ثمن. لقد كانت مفاجأة للأوكرانيين والحلفاء الغربيين، الذين كانت توقعاتهم منخفضة من القادة السياسيين في البلاد.
وبعد تسعة أشهر من النضال من أجل البقاء ضد الغزاة الروس، يبدو زيلينسكي متعباً شاحب العينين. في مقابلة مع "فايننشال تايمز"، يتذكر زيلينسكي الأيام الأولى للغزو ويقول إنه ليس شجاعاً حقاً: "أنا مسؤول أكثر مما أنا شجاع... أنا فقط أكره أن أخذل الناس".

من كوميديان إلى بطل
بعدما اعتبره العديد من الأوكرانيين أضحوكة وهاوياً يكافح من أجل للوصول إلى مستوى التحدي الذي تفرضه المناصب الرفيعة، قبل الغزو الروسي في شباط (فبراير)، دخل زيلينسكي التاريخ بسبب قيادته الاستثنائية وثباته.
وفاجأت أوكرانيا العالم بصد الهجوم الروسي على كييف وبهجماتها المضادة في مقاطعتي خاركيف وخيرسون. واستعادت نصف الأراضي التي استولت عليها القوات الروسية هذا العام. وهي تتقدم الآن في الجنوب والشرق، حتى مع حلول فصل الشتاء، بهدف تحرير جميع الأراضي الأوكرانية.
قبل دخوله عالم السياسة، حقق زيلينسكي نجاحاً في مسيرة مهنية في التمثيل الكوميدي، في أوكرانيا وكذلك في روسيا، حيث كانت تستضيفه القنوات التلفزيونية نفسها التي توجه له الإهانات اليوم، على شاشاتها. وكان يُنظر إليه لفترة طويلة على أنه ممثل أصبح رئيسا بالصدفة.
النجم التلفزيوني السابق، يعتبر حديث عالم السياسة. فقد بدأت مغامرة زيلينسكي السياسية بما يشبه المزحة مساء 31 كانون الأول (ديسمبر) 2018 مع الإعلان المتلفز عن ترشحه للانتخابات الرئاسية. وتم انتخابه رئيسا لأوكرانيا في عام 2019.
وعندما أطلق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين العنان لجيشه في أوكرانيا، كانت موسكو مقتنعة بأن هجومها سيكون قصيراً وبأن السلطة الأوكرانية الضعيفة ستنهار. وتعرضت كل المدن الأوكرانية الكبرى لقصف عنيف، بما فيها العاصمة الأوكرانية كييف.
وقبل أسابيع من بدء الحرب، كان عهد زيلينسكي الرئاسي، الذي بدأه قبلها بثلاثة أعوام، يفقد بعضاً من زخمه، إذ إن الممثل الكوميدي السابق كان يواجه صعوبات بالإيفاء بوعوده الانتخابية في بلد يعاني الفقر والفساد. فاستسهل خصومه القول إن حجم المسؤولية التي يتولاها أكبر من ممثل فكاهي، وأسفت الدول الغربية لأن الرئيس الأوكراني الجديد آنذاك بدا غير قادر على تنفيذ إصلاحات. ولكنه في غضون أيام، أصبح الزعيم الذي لم تكن أوكرانيا تعلم أنها بحاجة إليه.
وقال الأستاذ الجامعي والباحث في "مركز الشرق الأدنى وجنوب آسيا للدراسات الاستراتيجية" في واشنطن دايف دي روش ل"النهار العربي": "لا أستطيع أن أتخيل أن أي شخص يقوم بعمل أفضل من زيلينسكي. لقد تجاوز كل التوقعات".
واضاف دي روش، وهو أيضاً عميد متقاعد في الجيش الأميركي: "ما أن بدأت الحرب، تمكن زيلينسكي من أن يكون نموذجاً للشجاعة التي ألهمت بلاده للقتال حتى في وضع يائس بطريقة هزمت جيشًا روسيًا أكبر بكثير وأفضل تجهيزًا".
وأشار إلى أنّ أداء الرئيس الأوكراني كان مثيرًا للإعجاب بكل المقاييس: "لقد نجح في إبقاء مواطنيه يقاتلون ضد قوة متفوقة عدديًا، وقد أشرف على القوات المسلحة التي تطورت باستمرار في الحرب أثناء مشاركتها في قتال مكثف، ونجح في حشد واستمالة قدر غير مسبوق من الدعم الدولي والأسلحة لحكومة ليست حليفة رسمية لأي دولة غربية، وحكومة لا تزال تعتبر واحدة من الأكثر فسادًا في العالم".

وتبددت الشكوك حول ملاءمة زيلينسكي لقيادة أمته في الحرب مع هجوم روسيا. وبدا أن الرئيس يتولى "دورًا" جديدًا، جنبًا إلى جنب مع الزي الكاكي الجديد. لم يكن الجيش فقط هو من احتاج إلى التعبئة ولكن الدولة بأكملها. قام زيلينسكي بتبسيط عملية صنع القرار بين مكتبه والحكومة والبرلمان. كما تعلم اتخاذ القرارات بسرعة، وتحديدها على أنها مفتاح النجاح، وتفويض المهام، والثقة في الآخرين لتنفيذها. وتُركت القرارات العملياتية للقادة العسكريين، مما أتاح للقوات مرونة للرد بسرعة على الظروف في ساحة المعركة.
كذلك، استطاع زيلينسكي أن يجعل الحرب الروسية على أوكرانيا موضوعًا رئيسيًا على جدول أعمال الغرب، الذي بدا أحيانًا مترددًا في التورط في هذه الحرب. وفي هذا الصدد، يقول دي روش: "يُعد الاختلاف في الرد الغربي بعد الغزو الروسي عام 2022 والغزو عام 2014 كبيرا. في عام 2014، لم يكن لدى الغرب أي رد فعل أمني فوري، بينما كثفوا خططهم لتدريب القوات الأوكرانية، لم تكن هناك مساعدات عسكرية أميركية كبيرة حتى بعد عام 2016، على سبيل المثال. أما في عام 2022، أرسل الغرب، إلى حد كبير تحت إشراف زيلينسكي، أحدث الأسلحة ومساعدات كبيرة".
وسائل التواصل
واستخدم زيلينسكي وسائل التواصل الاجتماعي للقيام بحملات لا هوادة فيها من أجل الدعم العسكري والمالي الغربي، وتحويل محنة شعبه إلى "نفوذ أخلاقي" يضغط من خلاله على القادة في أوروبا والولايات المتحدة. ولقد أقنع الأوروبيين بتحمل التكاليف الضخمة للوقوف في وجه بوتين وفتح الطريق لكييف إلى عضوية الاتحاد الأوروبي.

عندما بدأ الغزو، لم يكن من الواضح ما إذا كان زيلينسكي سيبقى على قيد الحياة. كان نائماً بجانب زوجته أولينا، في القصر الرئاسي في كييف عندما سقطت الصواريخ الأولى وتدفقت الدبابات الروسية عبر الحدود. وهو قال في وقت لاحق عبر رابط فيديو إن روسيا صنفته على أنه "الهدف رقم واحد" وعائلته "الهدف الثاني".
وشعر زعماء الاتحاد الأوروبي بالرعب عندما أخبرهم زيلينسكي عبر الفيديو أن هذه ربما تكون آخر مرة يرونه فيها على قيد الحياة. لكن في وقت لاحق تلك الليلة، كان زيلينسكي يقف في الخارج بالقرب من المكتب الرئاسي ويحيط به أقرب مستشاريه، ووجه رسالة عبر الفيديو أراد ملايين الأوكرانيين سماعها: "الرئيس هنا. كلنا هنا. جنودنا هنا ".
.jpg)
وبرع زيلينسكي في سياسية التواصل. فاتصالاته لا تتوقف، وتشكل رسائله بالفيديو الليلية ومنشوراته على تلغرام منشطًا للسكان المرهقين. وقد خاطب زيلينسكي عددًا لا يحصى من البرلمانات والمؤتمرات. في كل مرة يوجه الرسالة إلى الداخل والخارج. لقد استخدم منبره للضغط، وأحيانًا لاحراج، الحكومات من أجل تزويده كميات أكبر من الأسلحة.
وقالت الباحثة في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى آنا بورشفسكايا ل"ـالنهار العربي" إنّ زيلينسكي أدار الحرب "من خلال قدرته على إيصال رسالة واضحة إلى القادة الغربيين والتواصل مع شعبه". وأضافت: "كانت الاتصالات أيضًا تتعلق بسرد المعلومات، والقدرة على كشف جرائم روسيا في أوكرانيا للعالم، للتعبير عن سبب أهمية مساعدة أوكرانيا في الدفاع عن نفسها".
وأكدت أنّ أوكرانيا "فازت تحت قيادته بسردية المعلومات عندما يتعلق الأمر بالحرب وهذا عنصر مهم في القيادة الناجحة في زمن الحرب".
وأشارت إلى أنه ركز على "طلب المساعدة العسكرية، أولاً وقبل كل شيء، لأنه بغض النظر عن مدى مرونة الشعب الأوكراني، فلن يتمكن من خوض هذه الحرب بدون المساعدات الغربية، العسكرية بشكل رئيسي ولكن أيضًا الاقتصادية. هذا ما تحتاجه أوكرانيا لكسب الحرب".
رمز للديموقراطية الليبرالية في مواجهة الاستبداد
وشددت بورشفسكايا أنّ القادة الغربيين أنفسهم بدأوا في فهم أهمية هذه الحرب: "هذه هي أكبر حرب على الأراضي الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية، مع عدد لاجئين كبير، ولكن النقطة الاهم هي ماذا تحمل هذه الحرب من تداعيات عالمية على عدة مستويات: إنها تتعلق بمستقبل نظام عالمي ليبرالي تقوده الولايات المتحدة... لم يستطع الغرب أن يقف مكتوف الأيدي".
وأضافت: "جمع زيلينسكي الأوكرانيين بعد الغزو مباشرة، ونال احترام شعبه والعالم الحر، خاصة حين اختار البقاء في كييف بعد أن منحته الولايات المتحدة فرصة للمغادرة، ولم يختبئ خلف جدران مغلقة، وكان في الميدان ومع الشعب، وحشد دعم الدول الحرة".

وأظهر زيلينيكسي أن بلاده ستقف للدفاع عن نفسها ضد الغزو غير الشرعي: "لقد كان قادرًا على الحفاظ على الروح المعنوية والمرونة بين الأوكرانيين. بالطبع يعود الفضل إلى الشعب الأوكراني، فهو يتمتع بالمرونة بشكل لا يصدق، والشعب الأوكراني هو الذي لا يزال ملتزمًا بالدفاع عن نفسه ضد العدوان الروسي، لكن القيادة دائمًا ما تكون مهمة أثناء الحرب".
زعيم في السلم؟
عذاب أوكرانيا لم ينته بعد. وسيكون طرد القوات الروسية من منطقتي خيرسون وزابوريجيا في الجنوب أمرًا صعبًا، ناهيك عن المواقع المحمية جيدًا في دونيتسك ولوغانسك، وهي مناطق محتلة لمدة ثماني سنوات.
ومع ذلك، فإن الأوكرانيين يناقشون بالفعل ما إذا كان زعيمهم هو الرجل المناسب لخوض حرب من أجل البقاء والمقاومة الوطنية، وما إذا كان الرجل غير المناسب بالنسبة للسلام الذي سيلي فترة الحرب.
عندما ينتهي القتال، قد يواجه زيلينسكي أسئلة صعبة حول الفشل في إعداد أوكرانيا بشكل كافٍ لغزو شامل. لم تقم الأجهزة الأمنية بزرع الألغام أو تفجير الجسور على طول خطوط الهجوم الروسية من الشمال والجنوب، مما أدى إلى احتلال قوات بوتين لمساحات واسعة من الأراضي بسرعة وسهولة.
ويقول زيلينسكي أنه على الرغم من التحذيرات العامة من قبل المسؤولين الغربيين، لم يتم إعطاء كييف معلومات استخباراتية يمكنها التصرف بناءً عليها بشأن الهجوم الروسي الوشيك. وحاول زيلينسكي مرارًا وتكرارًا الاتصال ببوتين في الفترة التي سبقت الغزو. لكن الزعيم الروسي لم يرد على مكالماته. وأكد زيلينسكي متحدثا عن القيادة الروسية: "نحن نحارب مجانين".
أما نجاح الهجمات المضادة لأوكرانيا فيعتمد على كمية الأسلحة المتقدمة التي يبعث بها الغرب لكييف، وقبل كل شيء، التي تبدي الولايات المتحدة استعداداً تقديمها.
ومع الوقت، يمكن أن تتباعد وتختلف مصالح كييف والغرب. ومع ذلك، أدى الموت والدمار والغضب من جرائم الحرب الروسية إلى رفض الرأي العام الأوكراني أي تسويات مع موسكو. وهناك بالفعل دعوات خافتة للتفاوض مع روسيا، وهي مناشدات يرفضها زيلينسكي.
Posted byKarim Haddad✍️

.jpg&w=3840&q=75)

