تخطي إلى المحتوى

Thursday, 29 October 2026

مونتريال --°

بيروت --°

عاجل
سيف الإسلام القذافي... من طريد العدالة وأسير إلى "أمير منتظر"!

سيف الإسلام القذافي... من طريد العدالة وأسير إلى "أمير منتظر"!

November 14, 2021

المصدر:

النهار

بعد اختفاء دام عشر سنوات، أطل سيف الإسلام القذافي في تموز (يوليو) الماضي في مقابلة مع صحيفة "النيويورك تايمز"، متحدثاً عن سنواته المأسوية في الأسر، وملمحاً الى احتمال عودته الى الحياة السياسية، مثيراً الكثير من التكهنات التي حسمها اليوم بتقديمه رسمياً ترشيحه للانتخابات الرئاسية في ليبيا المقررة في كانون الأول (ديسمبر) المقبل.

وتأتي خطوة القذافي الابن بعد عشر سنوات من السقوط المدوّي لأبيه الذي حكم بلاده 42 سنة، في ثورة شعبية تحولت عام 2011، صراعاً مسلحاً دموياً. 

في حينه، اصطحب "القائد الأعلى للثورة" خلال فراره بعضاً من أفراد عائلته، بمن فيهم  ثلاثة من أبنائه الذكور، معتصم وخميس وسيف العرب، قتلوا جميعهم على أيدي المسلحين.

نجا سيف الإسلام الذي كان يحظى بدعم والده لخلافته في الحكم، وكان الغرب يعتبره ذا رؤية إصلاحية قادرة على نشر الديموقراطية في البلاد وتحرير اقتصادها.

الأسر

قبل عشر سنوات، وتحديداً في تشرين الثاني 2011، اعترضت مجموعة من المتمرّدين المسلّحين موكباً صغيراً بالقرب من مدينة أوباري الليبية الصحراوية، في طريقه جنوباً باتجاه النيجر. أوقف  المسلّحون السيارات ليجدوا رجلاً أصلع صغير السنّ تغطي الضماداتُ يدَه اليمنى، وكان دائم الظهور على شاشات التلفزيون الليبي.  

اعتقل المسلحون القذافي الابن الذي كان أحد أهدافهم الرئيسية. ويقول روبرت وورث في "النيويورك تايمز" إنه لحسن حظه، وقع أسيراً لدى كتيبة ذات توجّه مستقل حمته من الفصائل المتمردة الأخرى ونقلته جواً إلى مدينة الزنتان، موطنها في الجبال جنوب غربي العاصمة. ولأنه كان مطلوباً أيضاً للمحكمة الجنائية الدولية، فقد اعتُبر رهينةً ثمينة. وظل أسيراً لدى الزنتانيين حتى بعد انتخابات ليبيا عام 2012.

خلال الفترة الأولى لاعتقاله، لم يكن على اتصال بالعالم الخارجي، وأمضى بعض هذه الفترة في مكان أشبه بالكهف، وهي غرفة تحت الأرض شُقّت وسط الصحراء أسفل منزل في بلدة الزنتان. لم يكن بالغرفة أي نوافذ، ولم يكن يميّز الليل عن النهار معظم الوقت. كان وحيداً تماماً، وأدرك أنه قد يموت في أي لحظة، فازداد إيماناً. 

وفي السنوات التالية، انقسمت ليبيا إلى ميليشيات متناحرة، ونهب الإرهابيون مخازن الأسلحة، ما أدى إلى تأجيج حركات التمرّد والحروب في أنحاء شمال أفريقيا والشرق الأوسط.

وينقل روبرت وورث أنه ذات يوم في مطلع عام 2014، تلقى سيف الإسلام زيارةً غيّرت مجرى حياته، عندما اندفع رجلان من كتيبة الزنتان إلى غرفته الصغيرة. بدا عليهما الغضب والانزعاج وأرادا التحدث.

شارك هذان الرجلان في حركة التمرد ضد القذافي، لكن وحدة الثوار لم يعد لها مكان الآن. كان لأحدهما ابن أصيب بطلقة في رأسه أثناء تبادل إطلاق النار مع ميليشيا منافسة من مدينة “مصراتة” على ساحل البحر المتوسط. أعرب الرجلان عن شعورهما بالحسرة، ولم يكن هذا الشعور نابعاً من خسارتهما الشخصية فحسب. وقفا محنيّي الظهور داخل الغرفة، التي كانت تتسع بالكاد لثلاثتهم، وأخذا يسبّان الثورة ويقولان إنها كانت غلطة وإن سيف الإسلام وأباه كانا محقّين.

قال سيف إنه ظل يستمع إليهما وهو يشعر بأن شيئاً ما يتغيّر. كانت الثورة تلتهم أبناءها. في النهاية، سيشعر الليبيون بإحباط شديد لدرجة أنهم سينظرون إلى الماضي ويشعرون بالحنين إلى عهد القذافي. وهذا بدوره قد يهيئ له الفرصة ليستعيد كل ما فقده.

وعام 2017، أفادت  تقارير أن خاطفي سيف الإسلام أطلقوا سراحه، وإن يكن مكانه  بقي سراً، ولم يعرف ما إذا كان حياً أو ميتاً حتى ظهوره المفاجئ، في تموز (يوليو) في مقابلة مع المجلة التي تصدرها صحيفة "النيويورك تايمز".

عن انطباعه الأول، قال روبرت وورث الذي أجرى المقابلة في مكان ما في ليبيا: "بدا أكبر سناً وكست وجهه لحيةٌ طويلةٌ غزاها الشيب. كان إبهامُ يده اليمنى وسبّابتها مبتورين، نتيجة إصابته بشظية في إحدى الغارات الجوية عام 2011 على حدّ قوله. كان يرتدي عباءة سوداء خليجية الطراز تزيّنها أهداب ذهبية، كأنه رئيس دولة، ووشاحاً ملفوفاً بشكلٍ مهندم حول رأسه. لو أن سيف الإسلام ورث شيئاً واحداً فقط عن أبيه، فهو أسلوبه المتكلّف". 

في قاعة غلبت "مظاهر الترف والبهرجة على أثاثها"، بسجّادها السميك وثريّاتها الكريستالية وستائرها الأرجوانية ولوحة بها صورة جبال وإحدى بحيرات الألب، قال سيف الإسلام إنه رجل حر وإنه يرتّب لعودته إلى الساحة السياسية. أوضح أن المقاتلين الذين اعتقلوه قبل عشر سنوات قد تحرّروا من وهْم الثورة، وأدركوا في نهاية المطاف أنه قد يكون حليفاً قوياً لهم.

ارتسمت على وجهه ابتسامة وهو يصف تحوّله من أسير إلى أمير منتظر، فقال: "هل لك أن تتخيل؟ الرجال الذين كانوا حرّاسي هم الآن أصدقائي".

 

 استغل سيف الإسلام القذافي الظهور الإعلامي المدوّي لإعلان عودته الى الساحة السياسية، بعد انتخاب حكومة موقتة في آذار (مارس) الماضي، يقع على عاتقها توحيد مؤسسات ليبيا في الشرق والغرب والتحضير للانتخابات التشريعية والرئاسية المقررة في كانون الأول وكانون الثاني المقبلين.

 

ولم تكن تلك المرة الأولى التي يتم فيها الإعلان عن مثل هذه العودة، فقد أعلنت "الجبهة الشعبية الليبية"، وهي حزب لا يخفي ميوله القذافية، من تونس، ترشيح نجل الزعيم الذي أعلن نفسه "ملكاً لملوك أفريقيا"، في الانتخابات الرئاسية المقبلة.

في مقابلته مع "النيويورك تايمز"، تحفّظ سيف الإسلام بشأن الحديث عن احتمالية ترشّحه للرئاسة، لكنه لفت إلى أن الحركة التي يقودها بإمكانها أن تعيد للبلاد وحدتها المفقودة. وهو اختار شعاراً جذاباً لحملته يقول: "السياسيون لم يقدّموا لكم شيئاً سوى المعاناة. حان وقت العودة إلى الماضي".

رغم اختفاء سيف الإسلام عن الساحة، سمح لمؤيديه بالمشاركة في المحادثات التي أسفرت عن تشكيل الحكومة الليبية الحالية. ونجح هؤلاء  بإلغاء شروط للانتخابات كانت ستحول بينه وبين الترشّح.  

يواجه سيف الإسلام عقبة كبرى خارج ليبيا، فهو مطلوب للمحكمة الجنائية الدولية على خلفية ارتكابه جرائم ضد الإنسانية، بسبب دوره في قمع المعارضين عام 2011. وقد حوكم في دعوى قضائية أخرى في طرابلس عام 2015، حيث ظهر على شاشة فيديو خلف القضبان في بلدة الزنتان، وانتهت المحاكمة بإدانته والحكم عليه بالإعدام رمياً بالرصاص. (يحق له استئناف الحكم بموجب القانون الليبي). 

 

 

ومع ذلك، قال للصحيفة الأميركية إنه واثق من قدرته على تخطي تلك المسائل القانونية إذا اختارته أغلبية الشعب الليبي ليكون قائداً لهم.

لغز محيّر

لطالما كان سيف الإسلام لغزاً محيّراً. كان يُعتبر وريث القذافي، وهي فكرة عزّزها بنفسه عندما أسّس مجموعة إعلامية أطلق عليها اسم “ليبيا الغد” لتطوير مشاريعه المفضّلة. ومع أنه لم يكن يشغل منصباً رسمياً ضمن نظام القذافي، فقد دلّل والده على أهميته بتفويضه للتوسط في نزاعات دبلوماسية رفيعة المستوى، من بينها قضية التعويضات التي دفعتها ليبيا عن تفجير رحلة "بان أمريكان" 103 فوق مدينة  لوكربي في اسكتلندا عام 1988. وربما كان لسيف الإسلام دور أيضاً في قرار أبيه بالتخلّص من أسلحة الدمار الشامل في ليبيا.

إصلاح ليبرالي

وفي كلية لندن للاقتصاد، تقرّب سيف الإسلام من المفكّرين الذين اعتبروه صادقاً في رغبته بتحقيق إصلاح ليبرالي. وعام 2005، دعا منظمة "هيومان رايتس ووتش" إلى ليبيا لزيارة المكان الذي شهد مذبحة في أحد السجون. ولاحقاً، أقنع والده بإطلاق سراح السجناء السياسيين، ودعا علناً إلى إصلاح السجون وإلى نظام حكم دستوري. وفي مأدبة عشاء بالقرب من لندن عام 2003، طلب سيف الإسلام الجلوس إلى جوار موظف كونغرس يهودي من الولايات المتحدة كان رئيسه من أشد المدافعين عن إسرائيل. وعندما سأله موظف الكونغرس عن أكثر شيء تحتاجه ليبيا، أجاب: "الديموقراطية".

 

كان موظف الكونغرس يدرك أن النظام الليبي يروّج لنفسه على أنه نظام ديموقراطي، فظنّ أنه أخطأ السمع.

سأله مجدداً: “ليبيا تحتاج مزيداً من الديموقراطية؟”.

 

أجاب سيف الإسلام: "كلا، مزيد من الديموقراطية يوحي بأن لدينا بعضاً منها".

 

ويقول روبرت وورث إن المتشددين المحيطين بالعقيد معمر القذافي أطاحوا الأفكار الديموقراطية لسيف الإسلام، ودأب منتقدوه على تسميته “سيف الأحلام”. وكان الانغماس في الملذات أحد طباعه؛ فكان يقتني زوجاً من النمور البيضاء، وتواترت الأنباء عن احتفالاته المترفة بأعياد ميلاده في سان تروبيه وموناكو، وعن رحلات الصيد التي يقوم بها في أوروبا ونيوزيلندا. كان يتصارع على السلطة مع أشقائه الخمسة، وتحديداً شقيقه المعتصم الذي كان قائداً عسكرياً. وكان يبدو، في بعض الأحيان، ضائعاً ومشتتاً بين الشرق والغرب، لا يعرف كيف يفي بتوقعات أبيه.

 

في حديثه، قال إنه لا يحمل أي انتقادات لعهد والده، وأن بعض السياسات الاشتراكية في الثمانينات ربما تكون قد خرجت عن مسارها، لكن والده أدرك ذلك وصحّح الوضع. سأله وورث عن “الكتاب الأخضر”، وهو كتيّب شبيه بكتاب ماو تسي تونغ فرضه القذافي على الليبيين منذ طفولتهم، بتوليفته الغريبة من النظريات شبه الاشتراكية وبعض الترهات (مثل “النساء إناث والرجال ذكور”)، ألم يكن ذلك جنوناً؟

 

فأجاب: "لم يكن جنوناً. تناول الكتاب أموراً أصبح الجميع يعرفونها اليوم"، مضيفاً أن مختلف الأفكار التي اكتسبت رواجاً في الغرب – مثل الاستفتاءات العامة، وخطط تملّك الموظفين للأسهم، ومخاطر الملاكمة والمصارعة – تعود أصولها إلى “الكتاب الأخضر”. بعدها سأله عن عاداته في القراءة، فذكر اسم كاتب أميركي يُدعى روبرت غرين. بحثتُ عنه ووجدتُ أنه مؤلف مجموعة من كتب النصائح الأكثر مبيعاً والأكثر رواجاً بين نجوم الهيب هوب، يتحدث فيها عن كيفية كسب قصب السبق والفوز بعلاقة جنسية.

 

... يرى بعض السياسيين الليبيين أن إعادة إدماج أنصار القذافي السابقين في العملية السياسية أمر ضروري لتحقيق المصالحة الوطنية وضمان نجاحها. ولا تزال عائلة الديكتاتور الراحل تحظى بشعبية كبيرة بين من يحنّون للماضي وبعض المسؤولين السابقين في الجماهيرية الليبية، ناهيك عن العشائر والقبائل والخائبين من غياب الاستقرار وانحدار ليبيا إلى الهاوية. ومع ذلك،  يستبعد آخرون نجاح سيف الإسلام في الوصول الى الرئاسة، في ظل التشرذم الكبير في معسكر والده، والتجاذبات الكبيرة داخل الساحة السياسية في ليبيا.

Posted byTony Ghantous✍️

للمشاركة :
Point7 Multimedia
Style auto